بالتزامن مع الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو، يعود فيلم "القاهرة 30" إلى الواجهة بعد مرور 60 عاما على عرضه؛ باعتباره واحدا من أهم الأفلام التي جسدت ملامح المجتمع المصري في السنوات التي سبقت الثورة، كاشفا الفساد السياسي والاجتماعي والطبقي الذي هيأ المناخ لتغيرات كبرى في تاريخ مصر.
ورغم المكانة التي يحتلها الفيلم في تاريخ السينما المصرية والعربية، فإن رحلة خروجه إلى النور لم تكن سهلة، بل حفلت بمعارك رقابية وخلافات فنية وتعديلات جوهرية، كشف عنها السيناريست الراحل مصطفى محرم في مذكراته "حياتي في السينما"، مستعرضا كواليس تحويل رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ إلى واحد من أهم كلاسيكيات السينما.
بدأت الحكاية عندما قرر المخرج الكبير صلاح أبو سيف العودة إلى الإخراج -بعد ثلاثة أعوام من التوقف- من خلال رواية نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة"، التي حملت في إحدى طبعاتها عنوان "فضيحة في القاهرة"، إلا أن الرواية واجهت رفضا رقابيا متكررا، ما حال دون تحويلها إلى فيلم لسنوات.
ويروي مصطفى محرم مفارقة لافتة، إذ تولى نجيب محفوظ لاحقا رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، وعندما تم عرض المشروع عليه رفض التصريح به، مبررا موقفه بأنه لا يجوز أن يوافق على رواية سبق أن رفضها من تولوا المنصب قبله، ولم تنته الأزمة إلا بعد تولي اعتدال ممتاز رئاسة الرقابة، حيث حصل الفيلم على الموافقة، وهو ما اعتبره صلاح أبو سيف نقطة التحول التي مهدت لخروج العمل إلى شاشة السينما.
أما تغيير اسم الفيلم من "القاهرة الجديدة" إلى "القاهرة 30"، فجاء لأن العنوان الأول قد يتم فهمه باعتباره اسما لمكان أو مشروع عمراني، بينما حدد العنوان الجديد الإطار الزمني للأحداث التي تدور في ثلاثينيات القرن الماضي.
كتبت السيناريو وفية خيري بالتعاون مع صلاح أبو سيف، بينما أتم إسناد مهمة كتابة الحوار إلى الكاتب لطفي الخولي، وبعد الانتهاء من العمل عقد اجتماع داخل شركة القاهرة للإنتاج السينمائي برئاسة جمال الليثي لمناقشة السيناريو قبل بدء التصوير، حيث شهد الاجتماع ملاحظات عديدة كان أبرزها أن الحوار جاء طويلا ومباشرا ويميل إلى الأسلوب المسرحي أكثر من اللغة السينمائية.
ونظرا لسخونة المناقشات، اعتذر لطفي الخولي عن استكمال الاجتماع بسبب ارتباطه بالسفر مع المشير عبدالحكيم عامر إلى فرنسا، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من إعادة صياغة الحوار.
ويكشف مصطفى محرم أنه أبلغ صلاح أبو سيف بأن الحوار يحتاج إلى معالجة جديدة، ليسند الأمر سرا إلى السيناريست الكبير علي الزرقاني، الذي أعاد كتابة الحوار بما يتناسب مع طبيعة الشخصيات والإيقاع السينمائي، رغم أن اسمه لم يكن يتم ذكره أحيانا في شارة الفيلم إذا كانت التعديلات محدودة.
من أبرز التعديلات التي شهدها الفيلم حذف شخصية "مأمون رضوان"، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو القرار الذي أثار دهشة عدد من المشاركين في العمل.
وأوضح صلاح أبو سيف أن الفيلم كان يتم التحضير له عام 1965، وهي الفترة التي شهدت تصعيدا سياسيا ضد الجماعة، ورأى أن الإبقاء على الشخصية قد يدفع الجمهور إلى تفسير الفيلم باعتباره هجوما مباشرا على الإخوان استغلالا للظروف السياسية.
وأضاف أن نجيب محفوظ وافق على حذف الشخصية فور مناقشة الأمر، رغم تأكيد صلاح أبو سيف أنه كان يرفض التطرف الديني، وكان يرى أن الفيلم كان يمكن أن يعبر عن هذا الموقف لولا طبيعة المرحلة.
كما تناول مصطفى محرم الجدل الذي أثير حول مصير شخصيتي "إحسان شحاتة" و"محجوب عبدالدايم"، وعما إذا كانت النهاية القاتمة قد تؤثر على استقبال الجمهور للفيلم.
ورد صلاح أبو سيف بأن الفيلم لم يقدم شخصيات منهزمة فقط، بل ضم أيضا شخصية "علي طه" التي ظلت متمسكة بمبادئها حتى النهاية، معتبرا أنها تمثل الوجه الآخر للمجتمع.
وأشار كذلك إلى أن سقوط "محجوب عبدالدايم" كان نتيجة اختياراته الشخصية، بينما كانت "إحسان شحاتة" ضحية ظروف اجتماعية قاسية.
وتظل جملة "محجوب" الشهيرة التي وصم فيها المجتمع بالقذارة وأن الفائز فيها أكثر قذارة، واحدة من أشهر النهايات في تاريخ السينما المصرية، ووصفها مصطفى محرم بأنها من أقوى النهايات السينمائية التي كُتبت، بينما رأى -من الناحية الفنية- أن شخصية "علي طه" بدت أضعف نسبيا بسبب عصبيتها المبالغ فيها في بعض المشاهد مقارنة بواقعها الاجتماعي.
لم تتوقف كواليس "القاهرة 30" عند ما رواه صناعه، إذ وثق المخرج هاشم النحاس، الذي عمل مساعدا لصلاح أبو سيف، جميع مراحل تنفيذ الفيلم في كتاب حمل عنوان "يوميات فيلم"، رصد فيه رحلة العمل منذ ميلاد الفكرة وحتى انتهاء المونتاج والمكساج وعرض الفيلم للجمهور.
واعتبر مصطفى محرم هذا الكتاب واحدا من أهم المراجع التي وثقت صناعة فيلم مصري من الداخل، معربا عن أمله في إعادة طباعته حتى يظل شاهدا على واحدة من أبرز التجارب في تاريخ السينما المصرية، وفيلم لا يزال، بعد ستة عقود، يقدم صورة حية للمجتمع المصري قبل ثورة يوليو، ويؤكد كيف استطاع الفن أن يوثق مرحلة كاملة من تاريخ الوطن.
فيلم "القاهرة 30" قصة نجيب محفوظ، وسيناريو وإخراج صلاح أبو سيف، وبطولة سعاد حسني وأحمد مظهر وحمدي أحمد وعبدالمنعم إبراهيم وتوفيق الدقن وعبدالعزيز مكيوي، وتدور أحداثه حول "محجوب عبدالدايم"، وهو شاب فقير وافد من الصعيد، ويحيا حياة مزرية في القاهرة، ويتعرف على ابن قريته "سالم الإخشيدي" الذي يطلب منه أن يساعده على الحصول على وظيفة، فلا يعرض عليه فقط وظيفة جيدة في الوزارة التي يعمل فيها "سالم"، بل يعرض عليه كذلك أن يتزوج من "إحسان" عشيقة "قاسم بك"، على أن يزورها "قاسم بك" مرة واحدة كل أسبوع.
المصدر:
الشروق