خبراء: شارع الفن بداية واعدة لإحياء القاهرة الخديوية
ضرورة إعادة تشغيل المباني التراثية وإحياء المسارح ودور السينما
الحفاظ على الهوية المعمارية أهم عوامل جذب الاستثمار والسياحة
لم يكن المشهد المعتاد في شارع الشريفين قبل أسابيع يشبه ما بدا عليه بعد إطلاق مبادرة "شارع الفن"؛ فالموسيقى والعروض الفنية تملأ الأجواء والجمهور عاد للتجول في شوارع وسط البلد، في محاولة لإعادة الحياة إلى واحدة من أهم مناطق القاهرة التاريخية.
لكن يبقى السؤال: هل تكفي الفعاليات الثقافية وحدها لاستعادة روح القاهرة الخديوية؟
يرى متخصصون في التراث والعمران، أن المبادرة نجحت في لفت الأنظار إلى وسط البلد وإعادة الجمهور إليها، لكنها لن تحقق أثرًا مستدامًا ما لم تكن جزءًا من خطة أشمل، تتضمن إعادة تشغيل المباني التراثية، وإحياء المسارح ودور السينما القديمة، وتحسين المجال العام، وجذب الاستثمارات، حتى تعود المنطقة مركزًا للحياة الثقافية والاقتصادية.
المباني المغلقة.. الترميم وحده لا يكفي
تقول الدكتورة فاتن صلاح، عضو هيئة خبراء التراث العربي، إن مبادرة "شارع الفن" نجحت في إعادة التفاعل بين الجمهور ووسط البلد، لكنها تمثل بداية فقط، لأن المنطقة تمتلك إمكانات أكبر بكثير من مجرد تنظيم فاعليات موسمية، مشيرة إلى وجود فراغات عمرانية يمكن استغلالها في أنشطة ثقافية وفنية متنوعة ضمن خطة أشمل يجري العمل على عدد من محاورها.
وتؤكد، في تصريحات لـ"الشروق"، أن أحد أبرز التحديات يتمثل في المباني التراثية التي جرى ترميمها ثم أُغلقت مرة أخرى، معتبرة أن المبنى التراثي لا يستعيد حياته بمجرد ترميمه، وإنما عندما يُعاد استخدامه بطريقة تحقق له الاستدامة الاقتصادية وتضمن استمرار صيانته.
وترى أن إعادة الاستخدام هي المدخل الحقيقي للحفاظ على التراث، لافتة إلى أن وسط البلد يضم ثروة كبيرة من المسارح ودور السينما التاريخية، التي شهدت محطات مهمة في تاريخ الفن المصري، لكنها لا تزال بعيدة عن الاستغلال.
وتشير إلى أن مدنًا مثل باريس ولندن نجحت في تحويل مبانيها التاريخية إلى عناصر جذب ثقافي وسياحي واقتصادي، مؤكدة أن القاهرة تمتلك المقومات نفسها إذا أُعيد تشغيل هذه المباني بدلا من بقائها مغلقة.
تحديات الإحياء
وترى صلاح أن تنفيذ خطة متكاملة لإحياء القاهرة الخديوية يواجه عددًا من التحديات، أبرزها تهالك أجزاء من البنية التحتية، ووجود استخدامات لا تتناسب مع طبيعة المباني التراثية، إلى جانب الأنشطة التي تشوه الفراغات العامة، فضلًا عن الضغوط المرورية وعوادم السيارات.
وتوضح أن الدولة بدأت بالفعل التعامل مع هذه الملفات من خلال تطوير البنية التحتية، والاستعانة بخبراء ومتخصصين، وعقد جلسات مع أصحاب المصالح للوصول إلى حلول تحقق التوازن بين الحفاظ على التراث ومتطلبات التنمية.
وتضيف أن الحفاظ على الهوية المعمارية أصبح أحد أهم عوامل جذب الاستثمار والسياحة، مستشهدة بتجارب عدد من المدن الأوروبية، إلى جانب مدن في دول الخليج، التي نجحت في تحويل أحيائها التاريخية إلى وجهات اقتصادية وسياحية، مؤكدة أن القاهرة الخديوية قادرة على تكرار هذه التجارب إذا اقترن الحفاظ على التراث بإعادة استخدام المباني.
الفاعليات تحتاج إلى تخطيط
من جانبها، تؤكد الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، أن الفاعليات الثقافية، ومنها "شارع الفن"، تسهم في جذب جمهور جديد إلى وسط البلد، لكنها تحتاج إلى تخطيط يراعي طبيعة المكان والجمهور المستهدف.
وتوضح أن نجاح أي فاعلية يرتبط بسهولة الوصول إلى المنطقة، وتوفير وسائل انتقال مناسبة، إلى جانب اختيار أنشطة تتناسب مع هوية وسط البلد، مشيرة إلى أن معارض الكتب المفتوحة والعروض الموسيقية والفنون التفاعلية تبدو أكثر ملاءمة لطبيعة المنطقة من بعض العروض التي تحتاج إلى مسارح مجهزة مثل عروض الأوبرا.
وترى أن الحفاظ على قيمة المكان يتطلب أيضًا توفير الخدمات اللوجستية، مثل النظافة، ودورات المياه العامة، والتأمين، مع مراعاة عدم إزعاج السكان وإشراكهم في الأنشطة المقامة داخل المنطقة.
إحياء المسارح ودور السينما
وتؤكد حواس، أن إعادة تشغيل المسارح ودور السينما التاريخية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من خطة إحياء القاهرة الخديوية، مشيرة إلى أن تجربة سينما راديو أثبتت قدرة المباني التراثية على استعادة دورها عندما تقدم برامج ثقافية مستمرة تجذب الجمهور.
وتضيف أن تهيئة المجال العام مسئولية الدولة، بينما تقع مسئولية تطوير المباني داخليًا وإعادة استخدامها على ملاكها، لافتة إلى أن نجاح نماذج مثل مبنى تمارا ومبنى البورصة وسينما راديو شجع ملاكًا آخرين على الاستثمار في مبانيهم التراثية بعدما أثبتت هذه المشروعات جدواها الاقتصادية.
كما تشير إلى أن التشريعات الحالية أصبحت أكثر قدرة على حماية المباني التراثية من الاستخدامات التي تشوه قيمتها، إلا أن التحديات المتعلقة بالإدارة والتمويل وتعدد الجهات لا تزال قائمة، وإن كانت أقل حدة مع تزايد اهتمام الحكومة بتطوير القاهرة الخديوية، ودخول البنوك في تمويل عدد من المشروعات.
وتؤكد أن السكان يمثلون شريكًا رئيسيًا في نجاح عملية الإحياء، موضحة أن مشاركة المجتمع المحلي في التطوير تضمن استدامة المشروعات وتحافظ على هوية المنطقة.
رؤية متكاملة
ويجمع الخبراء على أن استعادة مكانة وسط البلد لن تتحقق من خلال الفاعليات الثقافية وحدها، ولا عبر ترميم الواجهات فقط، وإنما من خلال مشروع متكامل يعيد تشغيل المباني التراثية، ويحيي المسارح ودور السينما، ويطور المجال العام، ويجذب الاستثمارات، مع الحفاظ على الهوية المعمارية التي تميز القاهرة الخديوية.
"شارع الفن" قد يكون بداية واعدة، لكنه لن يحقق هدفه إلا إذا تحول إلى جزء من رؤية أشمل تعيد الحياة إلى قلب العاصمة، وتستثمر تاريخها باعتباره موردًا ثقافيًا واقتصاديًا قادرًا على صناعة مستقبل المنطقة.
المصدر:
الشروق