في كل عام، ومع حلول ذكرى 21 يوليو، تعود صور رجل وقور إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، لا يتذكره الناس لأنه كان مديرًا عامًا سابقًا بإدارة بيلا التعليمية فحسب، بل لأنه ترك وراءه سيرة أصبحت حديث تلاميذه وأبناء مدينته؛ معلمًا عاش للعلم، وحافظًا للقرآن، ورجلًا لم يغلق بابه يومًا في وجه طالب علم أو حافظ لكتاب الله.
إنه إبراهيم إسماعيل حبيب، الذي رحل قبل 11 عامًا في حادث سير أليم بمحافظة الإسكندرية، بينما كان صائمًا، وبرفقته نجله الأكبر المهندس عماد حبيب، لتنتهي رحلة الأب والابن في يوم واحد، وتبدأ حكاية يرويها محبوه كل عام.
لم يكن إبراهيم حبيب بالنسبة لأهالي بيلا مجرد مسؤول تربوي، بل كان معلمًا ومربيًا وداعية بالحكمة والموعظة الحسنة، عرفه الجميع بابتسامته الهادئة وكلماته الطيبة، وبحرصه الدائم على إصلاح ذات البين ومساعدة كل من يلجأ إليه.
وبجانب عمله مديرًا عامًا ب إدارة بيلا التعليمية ، كرّس جزءًا كبيرًا من حياته لتحفيظ القرآن الكريم داخل منزله وفي المسجد، دون أن يتقاضى أجرًا، مؤمنًا بأن نشر كتاب الله رسالة قبل أن يكون عملًا.
وكان من رواد المساجد الذين لا تنقطع صلتهم ببيوت الله، حتى أصبح اسمه مرتبطًا لدى أبناء المدينة بالقرآن والعلم والخير.
ورغم مرور سنوات على وفاته، لا تزال ذكراه حاضرة بقوة بين أهالي بيلا ، خاصة بين طلابه الذين تتلمذوا على يديه داخل المدارس أو حفظوا القرآن الكريم معه.
ومع كل ذكرى لرحيله، تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بصوره وكلمات الدعاء، بينما يستعيد كثيرون مواقف جمعته بهم، مؤكدين أن أثره الإنساني والتربوي لا يزال حاضرًا في نفوسهم.
ويقول عمرو إبراهيم حبيب، نجل الراحل، لـ«الوطن»، إن والده كان مثالًا للمعلم المخلص، يجمع بين العلم والتواضع، ولم يبخل يومًا بعلمه على أحد.
وأضاف: «كان فقيهًا وعالمًا وأستاذًا، يتسم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويسعى دائمًا إلى حل مشكلات الناس، وكان بيته مفتوحًا لتحفيظ القرآن الكريم للشباب والكبار دون مقابل».
ويتابع أن والده كان يعيش مع القرآن يوميًا، إذ اعتاد قراءة عشرة أجزاء كل يوم، ليختم المصحف مرة كل ثلاثة أيام تقريبًا، حتى بلغ عدد ختماته آلاف المرات على مدار سنوات عمره.
لم يكن إبراهيم حبيب يخفي أمنيته الأقرب إلى قلبه، فقد كان يردد دائمًا دعاءً واحدًا: أن يرزقه الله حسن الخاتمة، وأن يقبض روحه وهو صائم.
ويروي نجله أن هذا الدعاء تحقق بصورة تركت أثرًا كبيرًا في نفوس الأسرة، إذ توفي في 21 يوليو 2015 أثناء صيامه، إثر حادث سير بمحافظة الإسكندرية، وبرفقته نجله الأكبر المهندس عماد حبيب.
ويقول: «كان والدي رحمه الله صائمًا، وكان يقرأ القرآن الكريم قبل الحادث، وعندما وصلنا وجدنا المصحف والمسبحة بين يديه، فكانت خاتمة نسأل الله أن يجعلها من حسن الخواتيم».
ويضيف أن أكثر ما كان يؤثر في الأسرة أن والده كان شديد التعلق بابنه الأكبر عماد، وأن القدر جمعهما في الرحيل، حيث توفيا معًا، ودُفنا في قبر واحد.
لم يترك إبراهيم حبيب ثروة أو منصبًا يتحدث عنه الناس بعد رحيله، لكنه ترك عشرات، وربما مئات، من حفظة القرآن الكريم الذين تعلموا على يديه، وطلابًا ما زالوا يستلهمون من سيرته معنى الإخلاص في العمل والتعليم.
ويحرص أفراد أسرته وتلاميذه كل عام على قراءة القرآن الكريم وإهداء ثواب التلاوة إلى روحه، والدعاء له ولنجله بالرحمة والمغفرة، وفاءً لرجل ارتبط اسمه بكتاب الله طوال حياته.
ويختتم نجله حديثه قائلًا: «قد يرحل الإنسان بجسده، لكن أخلاقه وعلمه يبقيان في قلوب الناس، والدي لم يغب عنا يومًا، فما زال طلابه يذكرونه بالدعاء، ويقرأون القرآن ويهبون ثوابه إليه، وكأن رسالته لم تنتهِ برحيله».
المصدر:
الوطن