في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على امتداد شواطئ البحرين الأحمر والمتوسط، تعمل عشرات محطات تحلية المياه بلا توقف.
تدخل ملايين الأمتار المكعبة من مياه البحر المالحة إلى محطات التحلية كل يوم، فتخرج منها عذبة تغذي المنازل والفنادق في بعض المدن الساحلية.
وفي ظل ندرة مائية وزيادة سكانية مستمرة، تستهدف مصر مضاعفة إنتاجها من مياه البحر المحلاة نحو 10 مرات بحلول 2050.
هذا التوسع يتطلب استثمارات مليارية ضخمة وطاقة هائلة، كما لا يخلو من تحذيرات بيئية بشأن مخلفات التحلية، وفرص اقتصادية واعدة قد تغير مستقبل صناعة التحلية نفسها.
تبلغ حصة مصر في نهر النيل 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، تمثل 98% تقريبًا من مواردها المائية المتجددة.
ومع إضافة مياه الأمطار "الشحيحة" والآبار الجوفية لا تتجاوز الموارد المتاحة 65.5 مليار متر مكعب، بينما يقدر الطلب على المياه بنحو 88.5 مليار متر مكعب، ما يخلق فجوة تقارب 23 مليار متر مكعب كل عام.
ومع وصول عدد السكان إلى نحو 109 ملايين نسمة، انخفض نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، أي نصف حد الفقر المائي العالمي.
وتعني هذه الأرقام أن المياه المتاحة لم تعد كافية لتلبية الاحتياجات المختلفة للسكان والأنشطة الاقتصادية والزراعية بالقدر المطلوب.
وتشير التقديرات الحكومية إلى أن كل مليون نسمة إضافية يحتاج إلى مليار متر مكعب آخر من المياه سنويًا.
لذلك اضطرت مصر للبحث عن موارد أخرى "أكثر كلفة"، ومنها التحلية، إذ أطلقت استراتيجية وطنية للتوسع في المياه المحلاة خلال 30 عامًا (2020 -2050).
تستهدف الاستراتيجية رفع الطاقة الإنتاجية من نحو 1.4 مليون متر مكعب يوميًا إلى قرابة 10 ملايين متر مكعب يوميا، باستثمارات تقدر بـ150 مليار دولار، وفق اللواء عاصم شكر، نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، وأحد المشاركين في إعداد الاستراتيجية.
ويشير شكر، لـ"الشروق"، إلى وجود 129 محطة حاليا تتركز معظمها في 4 محافظات هي: مطروح، والبحر الأحمر، وشمال سيناء، وجنوب سيناء.
ويؤكد أن مياه الشرب المحلاة مطابقة تمامًا لمواصفات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية وفقًا للقانون، ولا يمكن إنتاجها أو شراؤها أو بيعها دون ذلك.
ويوضح نائب رئيس القابضة للمياه أن الاستراتيجية تتضمن تنفيذ 52 محطة أخرى مركزية في 11 محافظة، على 6 خطط خمسية.
ومع ضخامة الاستثمارات المطلوبة، تركز الاستراتيجية على طرح تنفيذ المحطات المستهدفة للشراكة مع القطاع الخاص بنظام حق الانتفاع.
ويشرح اللواء عاصم شكر: "بموجب هذا النظام، توفر الدولة الأرض مجانًا للمستثمر أو تحالف الشركات كحافز، وفي المقابل يلتزم المستثمر بجلب التمويل وبناء المحطة وتشغيلها لمدة تتراوح بين 20 أو 25 أو 30 عامًا، مع بيع المياه للدولة بأسعار مخفضة".
ولكن، ماذا تعني تحلية مياه البحر المالحة؟ وكيف تحدث؟.
يشرح الدكتور محمد داود، مستشار أول الموارد المائية بهيئة البيئة في أبوظبي، أن عملية التحلية ببساطة تقوم على فكرة فصل الماء عن الأملاح، فتصبح صالحة للشرب والاستخدامات المنزلية الأخرى.
ويشير داود، لـ"الشروق"، إلى تعدد طرق تحلية مياه البحر، وأشهرها طريقتين، الأولى: حرارية، تعتمد على تسخين المياه حتى تتبخر معظمها، ثم تكثيف البخار للحصول على مياه عذبة، وهي تستهلك طاقة هائلة تقدر بـ15 و20 كيلووات/ ساعة لكل متر مكعب.
والطريقة الثانية، والأكثر انتشارًا حاليًا، هي: التناضح العكسي، وفيها تمرر المياه المالحة بقوة عبر مصافٍ دقيقة للغاية، تعمل كالمنخل، فتسمح بمرور الماء فقط وتحجز الأملاح والمواد الذائبة الأخرى، وهي تستهلك طاقة أقل تقدر بـ4 و6 كيلووات/ ساعة لكل متر مكعب.
لكن مقابل كل كوب ماء عذب، يخرج من محطة التحلية كوب آخر أو أكثر "شديد الملوحة" يحتوي على تركيزات مرتفعة من الأملاح، وبقايا المواد الكيمياوية المستخدمة داخل المحطة، أو ما يعرف بـ"الرجيع الملحي".
وفي عام 2019، اقترب عدد محطات التحلية من 16 ألفًا، موزعة على 177 دولة، تنتج قرابة 95 مليون متر مكعب من المياه العذبة يوميًا، بينما تخلف نحو 142 مليون متر مكعب يوميًا من "الرجيع الملحي"، أي كمية أكبر بنحو 50% من المياه العذبة المنتجة، وفق دراسة نشرت في مجلة Science of the Total Environment.
ويحذر الدكتور محمد داود من أن إلقاء هذه المخلفات مباشرة إلى البحر دون تخفيف كافٍ قد يؤدي إلى ارتفاع الملوحة أو درجة حرارة المنطقة المحيطة بالمحطة، بما يؤثر في الكائنات البحرية الموجودة، مثل الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية.
التحذير نفسه أطلقه البنك الدولي ، في تقرير العام الماضي، مؤكدًا أن التخلص غير المدروس من "الرجيع الملحي" يؤدي إلى رفع الملوحة، وتقليل الأكسجين الذائب في مياه البحر، وإضعاف قدرة بعض الأسماك والنباتات البحرية على امتصاص الماء والمغذيات.
كما يضيف التعامل غير السليم مع هذه المخلفات الضغوط الواقعة على الشعاب المرجانية التي تعد من أكثر النظم البيئية حساسية للتغيرات الحرارية والملحية، وفق التقرير.
كما يشير إلى أن هذه التأثيرات البيئية قد تمتد بصورة غير مباشرة إلى الأنشطة الاقتصادية الساحلية، مثل الصيد، إذا لم تراعَ المعايير البيئية في اختيار مواقع المحطات وتصميم أنظمة التصريف.
ولا تنتهي المخاوف على البيئة البحرية عند المخلفات فقط، لكنها تتعلق أيضًا بعملية سحب المياه من البحر إلى المحطات.
تقول الدكتورة عبير منير، مديرة المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، إن المضخات التي تسحب مياه البحر بقوة كبيرة تجذب معها الأسماك والكائنات البحرية الدقيقة، ما يعرضها للنفوق إذا لم تُستخدم وسائل الحماية المناسبة.
لذلك تُجهز المحطات الحديثة بشبكات خاصة، وممرات تعيد الكائنات الحية إلى البحر، كما تُستخدم مشتتات ضوئية وصوتية لإبعاد الأسماك عن مناطق السحب، مع تضييق فتحات المصافي خلال مواسم التكاثر لحماية صغار الكائنات البحرية، وفقًا للدكتورة عبير.
وتشير إلى أن نحو 20% من التكلفة المبدئية لمشروعات التحلية تخصص لإعداد دراسات الموقع، وتحديد مدى ملائمته بيئيًا، تشمل "كل حاجة عن المكان المقترح: نوعية الكائنات البحرية الموجودة، والأعماق اللي هنسحب منها المياه، ومواصفات المياه نفسها، وخلافه".
ولتجنب الأضرار البيئية، تفرض التشريعات المصرية والعالمية ضوابط لإقامة المحطات، وكذلك التخلص الآمن من "الرجيع الملحي".
ويشترط قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 إعداد دراسة تقييم الأثر البيئي قبل البدء في إنشاء أي محطة.
وينص على عقوبة الغرامة من 300 ألف إلى مليون جنيه في حالة عدم الالتزام بمعالجة النفايات والمواد الملوثة أو عدم استخدام الوسائل الآمنة للصرف.
وتقول مديرة معهد علوم البحار إنه بدلاً من تصريف مخلفات التحلية في نقطة واحدة، تؤثر على الحياة البحرية فيها، توزع "رشاشاتط هذه المخلفات على مساحات واسعة لتخفيف تركيزها، وعلى مسافات بعيدة داخل البحر لتفادي مناطق التجمعات السمكية ومواقع الصيد وفق الضوابط.
وتؤكد أن تأثير هذه المخلفات يبقى محدودًا للغاية، وربما منعدم ما دامت المحطة تلتزم بالمواصفات العالمية والاشتراطات البيئية.
ومع ذلك، رصدت دراسة أجراها باحثون بالمعهد، نشرت عام 2019، "آثارًا واضحة" لتصريف المياه المالحة على البيئة البحرية المحيطة بمحطتي مرسى حميرة وشلاتين بمحافظة البحر الأحمر.
وأظهرت الصور الملتقطة للكائنات الحية الموجودة في المنطقة البحرية المحيطة بالمحطات بعض الشعاب المرجانية المتضررة من تصريف المياه المالحة.
لكن الدكتورة عبير منير ترى أن هذه النتائج ترتبط بظروف الحالة محل الدراسة، موضحة أنها كانت محدودة الإنتاجية ولم تطبق جميع المواصفات القياسية بالشكل الكامل، وهو ما لا يمكن تعميمه على جميع المحطات الحالية، خاصة مع تشديد اشتراطات التقييم البيئي والرقابة على المحطات الجديدة.
ورغم استمرار المخاوف البيئية، فإن الاتجاه العالمي حاليًا لا يركز فقط على كيفية التخلص من الرجيع الملحي، بل على كيفية الاستفادة منه.
يقول الدكتور محمد داود إن التحول الأكبر الذي تشهده صناعة التحلية يتمثل في تغيير النظرة إلى الرجيع الملحي من كونه نفايات يجب التخلص منها إلى مصدر دخل إضافي قد يحسن اقتصاديات التحلية ويخفض تكلفتها مستقبلًا.
ويوضح أن هذه المياه تحتوي على معادن عديدة، منها: كلوريد الصوديوم، الذي يحول إلى ملح الطعام، وكذلك المغنيسيوم والبوتاسيوم والبروم والكبريتات، وغيرها، وهي عناصر تدخل في صناعات متعددة، من الأسمدة والكيماويات إلى البطاريات والسيارات الكهربائية.
ويشير داود إلى أن بعض المنتجات أصبحت تُستخلص تجاريًا بالفعل، مثل أملاح المغنيسيوم، بينما لا يزال استخراج البعض الآخر مثل الليثيوم في مراحل البحث والتجريب؛ بسبب ارتفاع التكلفة وصعوبة تحقيق جدوى اقتصادية في الوقت الراهن.
وتعزز دراسة لجامعة ولاية أوريجون هذه الرؤية، إذ قدرت القيمة النظرية للمعادن الموجودة في الرجيع الملحي الناتج عن محطات التحلية عالميًا بنحو 2.2 تريليون دولار، بينها أكثر من 17 ألف طن من الليثيوم، وهو معدن حيوي في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.
لكن الدراسة نفسها تشير إلى أن هذه القيمة نظرية، لأن تقنيات الاستخلاص الحالية لا تزال مرتفعة التكلفة، ما يجعل الاستغلال التجاري الواسع مؤجلًا إلى حين تطور التكنولوجيا.
ومؤخرًا، دخلت دول عديدة سباق التكنولوجيا لتحويل هذه المخلفات إلى موارد اقتصادية.
فبحسب تقرير البنك الدولي، تتجه السعودية إلى استثمار نحو 2.1 مليار دولار في أنشطة استخراج المعادن والموارد من الرجيع الملحي بحلول عام 2030، بما يضيف نحو 400 مليون دولار سنويًا إلى الناتج المحلي، فضلًا عن خلق فرص عمل وتنويع الأنشطة الاقتصادية في المناطق الساحلية.
ويؤكد التقرير أن استرداد الموارد من الرجيع الملحي قد يحقق هدفين في وقت واحد: تقليل العبء البيئي لمخلفات التحلية، وتحسين الجدوى الاقتصادية للمحطات، لكنه يظل مرهونًا بتطور التكنولوجيا وخفض استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل.
وتعد السعودية أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، بطاقةٍ يومية تتجاوز 11.1 مليون متر مكعب، وفق بيانات الهيئة الوطنية للمياه.
وقد حققت المملكة نتائج متقدمة في التعامل مع مخلفات التحلية، ومنها استخلاص هيدروكسيد المغنيسيوم في صورة صلبة دون انبعاثات كربونية، تمهيدًا لاستخدامه في إنتاج المغنيسيوم الذي يدخل في صناعات السيارات والطائرات.
كما استخدمت أغشية "النانو" لرفع كفاءة استخلاص المعادن وتحسين كفاءة محطات التناضح العكسي، إلى جانب تجارب لإنتاج الوقود الحيوي عبر استغلال الطحالب البحرية التي تنمو في المياه الغنية بالكربون.
رغم أن فكرة استخراج المعادن من الرجيع الملحي تبدو واعدة، فإن الأولوية الحالية في مصر ليست تعظيم العائد الاقتصادي من المخلفات، وإنما التوسع في إنتاج المياه العذبة بأقل تكلفة ممكنة.
ويقول اللواء عاصم شكر إن الاستفادة الاقتصادية من الرجيع الملحي أُرجئت إلى مراحل لاحقة من الاستراتيجية الوطنية لتحلية المياه، لأن تقنيات استخلاص المعادن ما تزال مرتفعة التكلفة وتتطلب استثمارات كبيرة، في حين تركز الدولة حاليًا على التوسع في إنشاء المحطات وتوطين صناعاتها، مع الاعتماد على القطاع الخاص لتوفير التمويل والخبرة الفنية.
وفي هذا الصدد، وقعت وزارة الإسكان في أبريل 2026 مذكرة تفاهم مع شركتين صينية ومصرية لإنشاء مصنع لإنتاج أغشية التناضح العكسي محليًا، في خطوة تستهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد، وخفض تكاليف التشغيل، ونقل التكنولوجيا المتقدمة إلى السوق المصرية.
وترى الدكتورة إيناس الجافي، مديرة وحدة البحوث الاستراتيجية بالمركز القومي لبحوث المياه، أن الاستفادة من الرجيع الملحي لا تقتصر على استخراج المعادن، بل تشمل نماذج للاقتصاد الدائري تقوم على استخدامه في الاستزراع السمكي، ثم الاستفادة من المياه الناتجة والمحملة بالمواد العضوية في ري النباتات المتحملة للملوحة أو الزراعة المائية، بما يقلل الفاقد ويحقق قيمة مضافة من كل متر مكعب من المياه.
لكنها تشير، لـ"الشروق"، إلى أن هذه التطبيقات لا تزال في مراحل البحث أو المشروعات محدودة النطاق، بينما يقتصر الاستخدام التجاري الحالي في مصر على استخراج بعض الأملاح الصناعية في مناطق محددة.
وفي ظل المساعي لتجنب الأضرار البيئية والاستفادة الاقتصادية من مخلفات التحلية أو الرجيع الملحي، ظهر توجه عالمي لتطوير أنظمة تعرف باسم "عدم تصريف السوائل أو Zero Liquid Discharge - ZLD".
وتعتمد هذه الأنظمة على تركيز الرجيع الملحي ثم تبخير المياه بالكامل، بحيث لا يُصرف أي سائل إلى البحر، بينما تتحول الأملاح إلى رواسب صلبة يسهل استخراجها واستخدامها في الصناعة.
ويصف البنك الدولي هذه التقنية بأنها من أفضل الممارسات لحماية البيئات البحرية الحساسة، إلا أنها ما تزال تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل تكلفتها مرتفعة مقارنة بطرق التصريف التقليدية.
وتؤكد الدكتورة عبير منير أن هذه التكنولوجيا تمثل الاتجاه العالمي الحالي، لكنها تتطلب طاقة حرارية ضخمة، وهو ما يدفع العديد من الدول، ومنها مصر، إلى ربط محطات التحلية بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أملاً في خفض التكلفة وجعل هذه الحلول أكثر جدوى اقتصاديًا في المستقبل.
وتمنح الاستراتيجية الوطنية لتحلية المياه الأفضلية للعروض التي تتضمن تشغيل المحطات بالطاقة الشمسية أو الرياح، وفقًا للواء عاصم شكر، نائب رئيس القابضة للمياه.
وبين مخاوف بيئية وفرص اقتصادية واعدة، تبقى تحلية المياه "خيار الضرورة" أمام مصر في مواجهة وضع مائي يزداد صعوبة عامًا بعد آخر.
المصدر:
الشروق