آخر الأخبار

رانيا يوسف تكتب: فيلم ولنا فى الخيال حب: سحر الموسيقى فى مواجهة الموت

شارك

تمتلك السينما المصرية تاريخاً حافلاً من الأفلام الاستعراضية وهو نوع فني ارتبط بتقديم البهجة وتسلية الجمهور، لكن في السنوات الأخيرة تراجع تقديم هذا الشكل الفني في مقابل تقديم افلام الاكشن والكوميديا، وبسبب ارتفاع تكاليف إنتاجه.

في فيلمها الروائي " ولنا في الخيال حب "، تعيد المخرجة سارة رزيق إحياء هذا النوع من جديد، في قالب إنساني واجتماعي رومانسي، يعزز محاولات سعي الإنسان لتجاوز حزنه على فقدان من يحب.

الأفلام الاستعراضية هي وسيلة تعبيرية موازية باستخدام الموسيقى عوضا عن الحوار، وهو اختيار فني جريء لصناع الفيلم، الذي لم يستخدم الموسيقى والرقص لتخفيف الحزن، بل جاءت لتقول إن الحياة تستمر، وإن رغبة الإنسان في التمسك بالبهجة والحب هي السلاح الوحيد الذي يملكه في مواجهة الفقد والوجع.

المخرجة سارة رزيق تطرح أزمة إنسانية عن كيف يواجه الإنسان الفقد، لكن الفيلم لم يختار الطريق التقليدي لطرح الحزن، بل ذهب إلى منطقة فنية خاصة تجمع بين دراما الفقد وقالب الفيلم الاستعراضي الغنائي والتعبير عن أشد المشاعر قسوة بأكثر الأدوات البصرية بهجة وهي الغناء والرقص.

فيلم " ولنا في الخيال حب " هو قصة حب حزينة يعيشها أستاذ في أكاديمية الفنون، تفرض عليه طبيعة عمله التعامل مع الجمال والفن، ويجد نفسه عاجزاً عن قبول حقيقة وفاة زوجته، وبدل من مواجهة هذا العجز، يقرر أن يخلق لنفسه مسار حياة بديل يغلق صومعته علي تمثال بحجم زوجته ويعيد محاكاة حياته الزوجية مع هذا الوهم المريح.

ينشأ الأستاذ لعبة هو بطلها الوحيد ويستخدمها كحيلة دفاعية تمنعه من الانهيار، وتحميه من الاعتراف بالحقيقة، خوفاً من مواجهة واقع موت زوجته، لكن تتغير كل قواعد اللعبة عندما تدخل حياة الأستاذ قصة حب جديدة، لكن هذه المرة ليس هو احد اطرافها، يقتحم حياته شاب وفتاة في مقتبل العمر هذا التماس بين عالمين مختلفين يمثل لحظة الانفجار في حياة الأستاذ.

الشباب هم المرآة التي تعكس حقيقة حياته، عندما يكتشف الحبيبان سر التمثال، يبدأ بينهم وبينه عملية إنقاذ متبادل، يحاولون مساعدته في الخروج من عزلته ومواجهة حقيقة موت زوجته، وهو يتدخل بخبرته ليساعدهم في حل مشاكلهم، هذه المواجهة لم تكن اختيارية، بل كانت ضرورة قاسية أجبرته على الاعتراف بالخسارة لكي يتمكن من مواصلة الحياة.

يتجاوز الفيلم الفكرة الرومانسية المعتادة عن الوفاء ليقدم تشريح تفصيلي لحالة الإنكار النفسي التي يعيشها الزوج، التمثال لم يصنعه كتذكار ولا تخليد لذكرى زوجته، بل وسيلة لحماية نفسه من الاعتراف بفقدانها، أما قصة الحب بين الشباب تعتبر هي المحرك الأساسي الذي يكسر رتابة عزلته، هم يمثلون الواقع الذي يرفضه البطل، والمفارقة تكمن في تبادل الأدوار، الشباب يمتلكون طاقة الحياة ينقلوها تدريجيا إلى أستاذهم في محاولة لانقاذه ويضعونه في مواجهة حتمية مع نفسه ومع فكرة الفقد التي ظل يهرب منها لسنوات.

هناك مفارقة بصرية بين منزل البطل المغلق المظلم الذي تحول إلى ما يشبه الضريح وبين الفضاءات المفتوحة المليئة بالضوء والحركة داخل أكاديمية الفنون ومع الشباب.

علي الرغم من انه أستاذ فنون لكنه وظف موهبته الفنية في النحت ليعيش داخل سجن لا لكي يشعر بالحرية، في المقابل يتعافى وينقذ نفسه من خلال وسيط فني اخر وهو الموسيقى والرقص، الفن في الفيلم هو الوسيلة للخلاص.

اختيار الأسلوب الاستعراضي المليء بالحركة والرقص ليكون الهوية البصرية للفيلم، هو مراهنة على قدرة صناع الفيلم على صناعة البهجة في قالب فني سينمائي، قد تبدو رؤية متفائلة قليلا لكنها محاولة سينمائية ناضجة لتقديم سينما غنائية تناقش قضايا من واقع الحياة اليومية.


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا