آخر الأخبار

المستشفى الذي صار ساحة نزاع: هل يفقد "ناصر" حصانته حين يحمل السلاح داخل أسواره؟

شارك

في قطاع غزة، حيث صار المستشفى آخر جزيرة أمان لمدنيين أنهكتهم الحرب، يتفجر سؤال حساس وثقيل: ماذا يحدث حين يتحول المستشفى نفسه إلى مساحة يتنازعها المسلحون؟ ومن يدفع الثمن حين تنسحب المنظمات الطبية احتجاجًا على وجود السلاح بين أسرّة المرضى؟ قصة مستشفى ناصر في خان يونس، أكبر المرافق الصحية المتبقية في جنوب القطاع، تختصر هذه المعضلة بكل تعقيداتها، وتضع النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة في قلب العاصفة.

القشة التي كشفت الأزمة: انسحاب أطباء بلا حدود

في 20 يناير 2026، اتخذت منظمة أطباء بلا حدود قرارًا نادرًا وصادمًا. فقد علّقت المنظمة أنشطة الرعاية غير الطارئة في مستشفى ناصر، مشيرة إلى "نمط من الأفعال غير المقبولة يشمل وجود رجال مسلحين، والترهيب، والاعتقالات التعسفية للمرضى، وحالة اشتباه حديثة بتحريك أسلحة". ولم يكن القرار عابرًا، إذ جاء من إحدى المنظمات الطبية الأكثر مصداقية في العالم، والتي عملت داخل المستشفى نفسه إلى جانب طواقمه طوال سنوات الحرب.
ومضمون الانسحاب يكشف حجم الضرر المباشر على الفئات الأضعف. فقد أنهت المنظمة دعمها لأقسام الأطفال والولادة، بما في ذلك وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، وعلّقت إلى أجل غير مسمى عياداتها الخارجية لفحص الحروق والصحة النفسية وخدمات أخرى، مع إبقائها الدعم للأقسام الحرجة وجراحات الإصابات والحروق. بعبارة أوضح، الأمهات والأطفال الرضّع هم أول من خسر.

النساء والأطفال في مرمى الخسارة

الأثر لم يكن نظريًا. فقد حذّر مسؤول في وزارة الصحة بغزة من تبعات وخيمة، إذ أوضح رئيس قسم السجلات بالوزارة زاهر الوحيدي أن تعليق عمل المنظمة سيكون له أثر كبير لأن مئات المرضى يدخلون أقسام الولادة والحروق يوميًا، وأن الوزارة ستتولى رعاية مرضى الولادة، لكن مصابي الحروق لن تكون أمامهم خيارات كثيرة.

هنا يكمن جوهر المأساة الإنسانية: امرأة على وشك الوضع، أو طفل في حاضنة، لا علاقة له بأي حسابات عسكرية أو سياسية، يجد نفسه فجأة بلا الرعاية المتخصصة التي كانت متاحة قبل أيام. وفي قطاع دُمّرت فيه معظم مستشفياته، فإن خسارة قسم ولادة واحد في مرفق بحجم ناصر تعني عمليًا انسداد أحد آخر المنافذ المتبقية أمام آلاف الأسر.

السؤال القانوني: متى يفقد المستشفى حصانته؟

يطرح ما جرى سؤالًا يتجاوز ناصر إلى صميم القانون الدولي الإنساني. فالمستشفيات تتمتع بحماية خاصة في زمن الحرب، لكن هذه الحماية ليست مطلقة. وبحسب القاعدة التي تشرحها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يمكن أن تفقد المستشفيات حصانتها إذا استخدمها مقاتلون لإخفاء عناصرهم أو تخزين الأسلحة، لكن يجب توجيه إنذار كافٍ يسمح بإجلاء الطواقم والمرضى قبل أي عملية، ويظل أي هجوم يلحق بالمدنيين ضررًا غير متناسب مع الهدف العسكري غير قانوني.

هذه المعادلة تضع كل طرف أمام مسؤولياته: فإدخال السلاح إلى مرفق طبي يعرّض حصانته للخطر ويضع المرضى في مرمى النيران، وفي الوقت ذاته لا يبيح ذلك تلقائيًا قصف المستشفى دون مراعاة قواعد التحذير والتناسب. وبين هذين الحدّين، يضيع المدنيون الذين لا حول لهم.

من هم "الرجال المسلحون"؟ روايات متضاربة

الإجابة عن هذا السؤال هي بالضبط ما يجعل القصة معقدة، إذ تتنازعها روايات متباينة. فالمشهد الأمني في محيط المستشفى لم يعد أحاديًا؛ فحماس تبقى القوة المهيمنة في المناطق غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ومنها موقع مستشفى ناصر، لكن جماعات مسلحة أخرى تكاثرت نتيجة الحرب، بينها جماعات مدعومة من الجيش الإسرائيلي في الجزء الذي يسيطر عليه من القطاع. وقد سبق أن سيطر مسلحون من "القوى الشعبية" على مستشفى ناصر في 27 يونيو 2025 بعد اشتباك مسلح مع قوات حماس.

وتؤكد روايات الطواقم هذا التعقيد، إذ يقول العاملون في مستشفى ناصر إن المرفق تعرّض في الأشهر الأخيرة مرارًا لهجمات من مسلحين ملثمين ومليشيات رغم وجود الشرطة فيه. أي أن السلاح الذي دفع أطباء بلا حدود للانسحاب ليس بالضرورة سلاح طرف واحد، بل قد يكون انعكاسًا لفوضى أمنية تتقاطع فيها الفصائل والمليشيات على حساب المرضى.
رواية إسرائيل ورواية المستشفى
على طرفي النقيض تقف روايتان متصادمتان. فمن جهة، سارع الجيش الإسرائيلي إلى توظيف انسحاب المنظمة، معلنًا أنه يمتلك معلومات استخباراتية تفيد بأن مستشفى ناصر يُستخدم مقرًا وموقعًا عسكريًا لكبار قادة وعناصر حماس جنوب غزة، واصفًا قرار المنظمة بأنه "مهم لكنه جاء متأخرًا". غير أن وكالات أنباء مستقلة لاحظت أن هذه الادعاءات قُدّمت دون تقديم أدلة.

ومن جهة أخرى، رفضت إدارة المستشفى رواية أطباء بلا حدود رفضًا قاطعًا، إذ ردّت في بيان أن مزاعم المنظمة "غير دقيقة من حيث الوقائع وغير مسؤولة وتشكل خطرًا جسيمًا على مرفق طبي مدني محمي"، وأكدت أن وجود الرجال المسلحين "حمائي ومدني وقانوني ولا يشكل نشاطًا عسكريًا أو استخدامًا للمستشفى من جانب جماعة مسلحة". كما حذّر مدير المستشفى عاطف الحوت من أن إعلان المنظمة قد يُستخدم لتبرير هجمات مستقبلية على المستشفى، وطعن علنًا في روايتها. وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحماس أنها ستنشر عناصر لتأمين المستشفيات وإخلائها من أي وجود مسلح، وأنها تطبق إجراءات أكثر صرامة لضمان سلامة المرضى.

ما الذي يرجّح كفة القلق؟

رغم تضارب الروايات، توجد مؤشرات موثقة تجعل قلق المنظمات الطبية مفهومًا. فعلى المستوى الميداني، نقلت تقارير صحفية شهادات مقلقة، إذ أخبر أحد سكان غزة صحيفة وول ستريت جورنال بأن دورية لحماس اقتادته من الشارع واحتجزته في قسم العظام بالمستشفى، فيما قال آخر إنه احتُجز داخل المستشفى لمدة 12 ساعة. وعلى المستوى التاريخي، خلال اقتحام سابق في فبراير 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه عثر داخل حرم المستشفى على أسلحة وعبوات أدوية كتبت عليها أسماء رهائن إسرائيليين. كما أن ملف استخدام المرافق الطبية لأغراض غير طبية ليس جديدًا، إذ خلصت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن حماس استخدمت مستشفى الشفاء لتخزين أسلحة وأن نفقًا كان يمتد تحت المجمع الطبي.

في المقابل، لا يمكن قراءة هذه المعطيات بمعزل عن السياق الأوسع، إذ قرر خبراء مستقلون وجماعات رصد عديدة أن إسرائيل نفّذت سياسة متعمدة لتدمير منظومة الرعاية الصحية في غزة، مرتكبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أن علاقة إسرائيل بالمنظمة نفسها متوترة، إذ تُعد أطباء بلا حدود واحدة من أكثر من ثلاث منظمات حظرت إسرائيل عملها في القطاع لعدم امتثالها لقواعد تسجيل جديدة. وهذا ما يجعل توظيف انسحابها سياسيًا مسألة ينبغي التعامل معها بحذر.

المريض هو الخاسر الأول

السؤال الذي يطرحه العنوان، هل وجود السلاح داخل المستشفى مشروع، تكاد تكون إجابته من منظور إنساني وقانوني واضحة: أي وجود مسلح، من أي طرف كان، يقوّض حصانة المرفق الطبي ويعرّض المرضى للخطر، ويمنح ذرائع لمن يبحث عن تبرير لاستهدافه. فالمستشفى الذي يفترض أن يكون ملاذًا محايدًا لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة نفوذ أو نقطة تمركز، سواء كان المسلحون من فصيل مهيمن أو من مليشيا منافسة.

لكن الإجابة عن سؤال "من المسؤول تحديدًا عن سلاح ناصر؟" تظل أكثر تعقيدًا مما تسمح به الشعارات، وتتنازعها رواية إسرائيلية بلا أدلة معلنة، ونفي قاطع من إدارة المستشفى، وتعدد فعلي للجماعات المسلحة في المنطقة. وبين كل هذه الروايات، يبقى الثابت الوحيد المؤلم: أن المرأة الحامل والطفل الرضيع في خان يونس هما من خسرا قسم الولادة وحاضنات العناية، بينما يتقاذف الكبار المسؤولية. وحماية المستشفيات من السلاح، أيًا كان مصدره، ليست انحيازًا لطرف، بل هي الشرط الأول لكي يبقى للطب معنى في غزة.

الفجر المصدر: الفجر
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا