لم يتخيل «جرجس» أن يخلو منزله فى منطقة الوراق بالجيزة فجأة من صوت أخيه الأصغر «كيرلس»، يشعر الشاب وكأن «الدنيا ملهاش حس ولا طعم»، ورغم صغر سن «الأخير»، فإنه كان السند لأسرة فقدت «دلوعة البيت» فى غمضة عين، يتذكره شقيقه بغصة حزن: «راح يجيب لينا عشا.. ركب الموتوسيكل، وهو ماشى خبط فى عربية ملاكى، بلا مقدمات نزل السائق، مسجل خطر، وانهال عليه بـ 9 طعنات، لينهى حياته قبل حفل خطوبته المرتقب».
حين وقف «جرجس» يشهد غُسل شقيقه، لم يتمالك أعصابه أمام ملامحه الساكنة: «كان سابه لينا.. كنا هنصلح له اللى هو عايزه، وأساسًا أخويا قاله اللى أنت عايزه هصلحه لك»، تدمع عيناه قبل أن يطالب: «عاوزين حقنا بالقانون»، فيما كانت أجهزة الأمن تعلن القبض على مرتكب الجريمة.
أمام شاشة صغيرة، يطالع «جرجس» بحرقة مقاطع الفيديو التى سجلتها كاميرات المراقبة المحيطة بمكان الواقعة، على بُعد خطوات من منزله: «أخويا طلع من السوبر ماركت، حاطط طلبات البيت على الموتوسيكل، يا دوب اتحرك فى الزحمة واصطدم بعربية ملاكى من قدام».
ويحبس الشاب أنفاسه وهو يتابع اللحظات الأخيرة فى حياة شقيقه الأصغر، لقطات مباغتة وثّقت الجريمة فى ثوانٍ معدودة: «اللى نزل من السيارة شخص شهرته (جبنة).. ما خدش وقت كان مطلع (مطواة) ونازل فيه ضرب»، وبين ما عاينه «جرجس» بعينيه فى الفيديوهات، وما طالعه لاحقًا بين سطور التقرير الطبى، يدرك بأسى طبيعة الغدر الذى أنهى حياة شقيقه: «دى كانت ضربات موت.. مليانة غل».
«يا عم (رومانى) تعالى ابنك سايح فى دمه».. صرخة أطلقها الأهالى فى فزع عبر الهاتف، بددت سكون ليلة الأب الستينى، لم تمر ثوانٍ حتى فرّ يركض فى الشارع برفقة ابنه «جرجس» صوب مكان الواقعة، هناك، كان جسد «كيرلس» ممدداً، يصارع أنفاسه الأخيرة: «روحه كانت طلعت.. بس ما صدقتش إنه مات وسابنا فى لحظة».
بين وعى ولا وعى، احتضن الأب جسد ابنه وتمتم بذهول: «يا ربى ده لسة نازل يجيب لينا العشا»، ليحمله «جرجس» ووالده فى سباق مع الزمن إلى المستشفى، لكن الأطباء قطعوا خيط الأمل الواهن بكلمات مقتضبة: «شدوا حيلكم»، فى تلك اللحظة، دارت الدنيا برأس الرجل الستينى وتلاشت قواه: «وقعت من طولى.. مكنتش مصدق اللى حصل».
خطوة واحدة نحو داخل مصنعهم البسيط لتصنيع الملابس الجاهزة غدت ثقيلة، فالأب المكلوم وابنه «جرجس» لم يعودا يطيقان دخول المكان الذى يفيض بذكريات الراحل: «مفيش نفس لأى حاجة من غيره»، ففى كل زاوية ترك الشاب أثرًا لا يغيب، وعملاً كان يديره بنفسه كذراعهما اليمنى: «كان إيد وسند.. ما كناش بنقدر نستغنى عنه يوم واحد، كل كبيرة وصغيرة بيعملها»، ليتجرع الاثنان معًا مرارة حلم تبدد فى لحظة، فالمصنع الذى كان يضج بالحياة استعدادًا لفرحة العمر، انطفأ فجأة: «كنا بنحضر لخطوبته، وخلاص كنا هنشترى الشبكة له»، ليتحول كفن صاحب الـ 21 عامًا إلى ثوب زفافه الوحيد: «دلوقتى هو عريس فى السماء».
لم يكن العزاء مقصورًا على الأقارب، بل توافد عليه أبناء المنطقة كافة لمواساة العائلة، يتقدم بعضهم نحو الأب المكلوم ليروى له اللحظات الأخيرة فى حياة ابنه: «ده وقف لسواق الملاكى وقاله هصلح لك اللى أنت عايزه، يا دوب بيوطى يشوف اللى حصل بالعربية، السواق نزل منها وطعنه»، كلمات نزلت كالصاعقة لتذيب ما تبقى من تماسك الأب الستينى، لينهار باكيًا وسط المعزين وهو يتذكر دماثة خلق ابنه الراحل وطيبته: «طول عمره كان مسالم، وفعلاً لو فى حاجة باظت غصب عنه، كنا هنصلحها سواء هو اللى غلطان أو لأ».
حالة الانهيار تلك تلازم «جرجس» منذ وقوفه يشهد غُسل شقيقه قبل تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير، مسترجعًا تفاصيل الإصابات التى عاينها فى تلك اللحظات: «شوفته متقطع خالص.. الضربات الـ 9 تركزت فى جانبه الأيمن والقلب»، ويبكى الشاب كلما تذكر مشهد أخيه الراحل: «المتهم ده كان ساب أخويا لينا.. بدل ما ساب لينا حسرة العمر كله».
وأكد الجيران أن المتهم معروف بمشاكله، بينما التزم الشاب الراحل بأقصى درجات ضبط النفس، ويقول أحد أصحاب المحلات التجارية القريبة: «الولد كان واقف بيتكلم بذوق وبيحاول يهديه، ومحدش فينا اتخيل إن السواق ده معاه (مطواة) ومخبيها فى هدومه»، مشيرًا إلى أن المتهم بادر بالهجوم المباغت وفر هاربًا بسيارته: «الموضوع خلص فى لمح البصر، المتهم غفله وضربه وجرى بالعربية، والناس كلها هنا اتصدمت ومنطقش حتى بكلمة واحدة قبل ما يقع».
عقب وقوع الجريمة، شكلت الإدارة العامة لمباحث الجيزة فريق بحث بالتنسيق مع قطاع الأمن العام لتتبع خط سير المتهم، حيث جرى فحص اللوحات المعدنية للسيارة الملاكى وتعميم مواصفاتها على الأكمنة الثابتة والمتحركة، وبفضل تفريغ الكاميرات المحيطة بمسرح الحادث، تمكنت قوة أمنية من تحديد مكان اختباء المتهم فى إحدى الشقق السكنية القريبة، وبإعداد الأكمنة اللازمة أُلقى القبض عليه وبحوزته الأداة المستخدمة فى الطعن، ليقتاد إلى ديوان القسم تمهيداً لتحرير المحضر اللازم.
وبإحالة المتهم إلى النيابة العامة، استعجلت جهات التحقيق تقرير الطب الشرعى النهائى لبيان الأداة المستخدمة فى الطعن ومطابقتها بالمضبوطات، وبمواجهة المتهم بالاتهامات المنسوبة إليه وبالمقاطع المصورة التى وثقت الواقعة، ادعى أن المجنى عليه استفزه وأقدم على التعدى عليه ولم يقصد قتله عمدًا، لتأمر النيابة بحبسه 4 أيام احتياطياً على ذمة التحقيقات.
المصدر:
المصري اليوم