آخر الأخبار

كتاب يلقى الضوء على جيل من صناع السياسة فى القرن الـ21.. «نقاط الاختناق.. القوة الأمريكية فى عصر الحرب الاقتصادية»

شارك

منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل فى شن هجمات على إيران، فبراير الماضى، وأصبح مضيق هرمز حديث العالم؛ حيث أدى إغلاق المضيق إلى توتر حركة التجارة العالمية وارتفاع أسعار النفط التى قادت إلى موجة عالمية من ارتفاع الأسعار وغيرها من الاضطرابات الاقتصادية فى مختلف دول العالم، لكنه أيضا أعاد إلى الأذهان مصطلح chokepoints أو نقاط الاختناق، وهو المصطلح الذى ظل لعقود مرتبط بأماكن- عادة ما تكون ممرات بحرية ضيقة- يمر عبرها قدر كبير من حركة الملاحة، وعادة من يضع يده عليها يمكنه السيطرة على ثروات العالم، وهو ما تؤكده مجلة «نيويورك ريفيو» بأن أكثر من ٨٠٪ من حجم التجارة العالمية يتم عبر البحر ولا تزال اضطرابات مثل تعطل سفينة فى ممر مائى، أو حصار مضيق، يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمى وهو ما جعل استراتيجية البحرية الأمريكية، ولأكثر من قرن، تعتمد على السيطرة ولو حتى بشكل جزئى على طرق الملاحة البحرية المهمة.

وفى كتابه الصادر مؤخرا Chokepoints: American Power in the Age of Economic Warfare «نقاط الاختناق.. القوة الأمريكية فى عصر الحرب الاقتصادية» يجد إدوارد فيشمان، أستاذ كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، والباحث فى Center on Global Energy Policy «مركز سياسات الطاقة العالمية» أن عصر العولمة نتج عنه توسيع نطاق مفهوم «نقاط الاختناق» ليضم عناصر أخرى غير ملموسة مثل شبكات اقتصادية عالمية لا يراها الناس فى حياتهم اليومية لكنها ضرورية لحركة التجارة والمال حول العالم ويقدم أمثلة على ذلك بنظام CHIPS الأمريكى الذى تمر عبره تحويلات مالية دولية بمليارات الدولارات يوميا، وشبكة SWIFT التى تستخدمها البنوك فى مختلف الدول لتبادل أوامر الدفع والتحويلات المالية، إلى جانب خدمات التأمين البحرى وصناعة التكنولوجيا المتقدمة.

غلاف الكتاب

ولا تكتسب هذه النقاط أهميتها من كونها ضرورية لضمان الاقتصاد العالمى فحسب، بل أيضا من قدرتها على التأثير؛ إذ يمكن تحويلها إلى أدوات ضغط وإكراه دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية، وهو ما يؤدى إلى خضوع أطراف تقع خارج الحدود الأمريكية لهيمنة الولايات المتحدة، والأكثر إثارة تبعا للمؤلف إدوارد فيشمان أن هذه الأدوات لم تنشأ نتيجة تخطيط حكومى مركزى، بل نتيجة غير مقصودة لتحرير الأسواق بعد الحرب الباردة، وابتكارات القطاع الخاص، وسياسات رفع القيود التنظيمية، قبل أن تدرك الحكومات لاحقا إمكاناتها كوسائل للسيطرة الاستراتيجية، لتجد الولايات المتحدة نفسها تمتلك أدوات جديدة، من العقوبات إلى حظر الاستثمارات، وهو ما جعل صناع السياسة الأمريكيون يدركون أهمية تحكمهم فى النظام العالمى للتجارة القائم على سيطرة الدولار.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وفى مراجعتها للكتاب تجد مجلة نيويورك ريفيو أن كتاب فيشمان، كان نتيجة عمله لسنوات فى وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأمريكية، وهو يلقى الضوء على جيل من صناع السياسة الأمريكية فى القرن الحادى والعشرين، الذين كانوا متحمسين لفكرة شكل جديد من الحرب دون استخدام الأسلحة النارية، وكانت فى بدايتها حرب اقتصادية لمحاولة تغيير سلوك الخصوم، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى وسيلة للسياسة الصناعية لحماية الميزة التنافسية الأمريكية خاصة أمام الصين، وتبعا له قديما كان تدمير اقتصاد دولة أخرى يتطلب حصار الموانئ ومحاصرة مدنها، أما الآن فكل ما يتطلبه الأمر هو بيان تنشره الحكومة الأمريكية على الإنترنت.

إدوارد فيشمان

وتذكر المجلة الأمريكية بعض النماذج التى ذكرها فيشمان فى كتابه متتبعا التاريخ بداية من عام ١٩٩٦؛ حيث فرضت الولايات المتحدة قانون العقوبات الفريد من نوعه على إيران وليبيا؛ إذ لم يوجه العقوبات الأمريكية إلى إيران مباشرة، بل إلى الشركات الأجنبية التى تتعامل معها، والتى يقع مقر العديد منها فى دول حليفة للولايات المتحدة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ومع اتساع نطاق المسؤولية، أصبح التعامل التجارى مع الدول المستهدفة من جانب الولايات المتحدة يعنى المخاطرة بالتعرض للعقوبات أو حتى الاستبعاد من السوق الأمريكية، ويضيف فيشمان أن الرسالة كانت واضحة: «انضموا إلى سياستنا وإلا ستتحمل شركاتكم العواقب».

وأثارت قرارات الولايات المتحدة استياء بعض الليبراليين واعتبروها تداخلا بين السياسة والاقتصاد، ووقتها عرض مفوض التجارة فى الاتحاد الأوروبى، ليون بريتان، قانون يمنع الشركات الأوروبية من الامتثال لمثل هذه القرارات، لكن ذلك لم يوقف الولايات المتحدة التى استغلت دورها المحورى فى النظام المالى الدولى لفرض ما أسمته «عقوبات الحظر» والتى شملت تجميد الأصول وحظر المعاملات دون انتظار قرارات من الأمم المتحدة أو التشاور مع حلفائها.

وفى عهد إدارة أوباما، دفع التهديد بالعقوبات وشبح الغرامات الباهظة البنوك والشركات حول العالم إلى قطع أو تقليل علاقاتها الاقتصادية مع إيران. وانخفضت مشتريات النفط الإيرانى؛ ما أجبر طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق نووى عام ٢٠١٥، إلا أن إدارة ترامب الأولى سحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية فى عام ٢٠١٨.

ويورد الكتاب أنه رغم تلك العقوبات الاقتصادية لكن الصين مثلا استمرت خلال تلك الفترة من أهم عملاء النفط الإيرانى، وهو ما تكرر بعد فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، وفى الوقت الذى سعت الولايات المتحدة إلى الحد من صادرات دول مثل إيران وروسيا، لاحظت تسرب النفط مباشرة إلى الصين وتسربه إلى وجهات أخرى عبر نقاط إعادة الشحن ومراكز الالتفاف على العقوبات، وهو ما جعل فيشمان يصف قرارات العقوبات بأنها «كالمضادات الحيوية؛ تجدى نفعا عند استخدامها بشكل صحيح، لكنها تسبب سلسلة من المشاكل عند الإفراط فى استخدامها أو استخدامها بشكل غير مناسب».

وتذكر المجلة الأمريكية فى مراجعتها لكتاب «نقاط الاختناق» أن استبعاد الدول من النظام المالى الأمريكى أو من إمدادات المكونات التكنولوجية الحيوية نتيجة العقوبات أجبرها على تطوير قدراتها المحلية؛ وبدأت حكومات إيران وروسيا والصين تطلق مشاريع لتعزيز أسواقها الخاصة، وتكوين احتياطيات نقدية وذهبية، وتقليل تعرضها للأسواق المالية الأمريكية وسندات الخزانة، وإنشاء شركات بطاقات ائتمان بديلة ومعالجات دفع مملوكة ومدارة محليا.

والمدهش أنه فى العقد الأول من الألفية الثانية، كانت الصين اللاعب الخفى وراء ازدهار السوق الأمريكى، ويطرح الكتاب مثالا على ذلك بما كتب على هاتف أيفون عند إصداره عام ٢٠٠٧ وهو أنه: «صمم بواسطة أبل فى كاليفورنيا، وجمع فى الصين»، فقد كانت الصين توسع قاعدتها الصناعية، وكان المستهلكون الأمريكيون يستفيدون من ذلك، ولكن فى العام التالى، تجاوزت حصة الصين من التصنيع العالمى حصة الولايات المتحدة لأول مرة، وبعدها أطلقت هاتف شاومى وفقدت الولايات المتحدة تفوقها فى مجال تصنيع الهواتف الذكية.

وحينما بدأ صانعو السياسات فى واشنطن ينتبهون لما يحدث، كانت صدمتهم كبيرة من الوتيرة المتسارعة للتصنيع الصينى؛ ففى عام ٢٠١٨، خلص تقرير صادر عن وزارة الدفاع إلى أن «الاستراتيجيات الاقتصادية الصينية تشكل تهديدات كبيرة للقاعدة الصناعية الأمريكية، وبالتالى خطرا على الأمن القومى الأمريكى»، وبالفعل، خلال ولايته الأولى، فرض دونالد ترامب الجولة الأولى من الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم ضد الصين تحت مظلة «حماية الأمن القومى»، وهو الإجراء الذى تلاه إجراءات أخرى؛ ففى عام ٢٠١٩، أضيفت شركة هواوى إلى «قائمة الكيانات» التى يحظر تصدير مكونات إليها من الولايات المتحدة، وبدأت القائمة تتسع تدريجيا لتضم شركات أخرى منها زد تى إى، وبدأ تشديد القيود على تكنولوجيا أشباه الموصلات بشكل خاص ورفع شعار «الحفاظ على هيمنة أمريكا فى مواجهة صعود الصين».

لقد أثارت رغبة الولايات المتحدة فى الانفراد بالقرارات والعقوبات لمصالحها دهشة العديد من الدول الأوروبية، التى وجدت نفسها فجأة جزءا مما يطلق عليه «حرب باردة جديدة»، وتساءلت دول مثل ألمانيا، التى استثمرت مبكرا فى الصين وتبيع ما يقرب من ثلث سيارات فولكس فاجن هناك، عن كيفية عمل نموذجها التصديرى إذا ما وافقت على فرض تعريفات جمركية ضخمة ضد شريك تجارى رئيسى. فى الوقت الذى انضمت فيه المملكة المتحدة إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، وخططت للسماح لشركة هواوى بوضع البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس الخاصة بها، إلى أن أجبرتها واشنطن على التراجع عن ذلك وهو ما تسبب فى خسارة كبيرة للحكومة.

وفى عام ٢٠٢٠ كانت صدمة الأوروبيين كبيرة فى مؤتمر ميونخ للأمن بسبب الخطاب العدائى لرئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسى بيلوسى، والتى جعلت الحضور يتساءل عن مدى موافقتها على سياسة الرئيس ترامب ضد الصين، وعندما جدد وزير الدفاع مارك إسبر، ووزير الخارجية مايك بومبيو، دعوتهما إلى منع الاستثمارات والعقود الصينية، رد رئيس إستونيا السابق عن البديل الذى ستقدمه الولايات المتحدة وهل ستدعم شركات مثل نوكيا وإريكسون؟ فقد كان الانسياق خلف الحرب الاقتصادية الأمريكية يتم بلا مقابل.

ولم تقتصر الإجراءات الاقتصادية العقابية الأمريكية على الشركات المتعاملة مع الصين فحسب، بل تكرر الأمر مع روسيا وهو ما ذكرته صحيفة الجارديان البريطانية فى مراجعتها للكتاب، ففى عام ٢٠١٨ فرضت إدارة دونالد ترامب- بضغط من الكونجرس- عقوبات على رجل الأعمال الروسى أوليج ديريباسكا، أحد أبرز أباطرة صناعة الألومنيوم فى روسيا، وكان ديريباسكا يملك شركة روسال، أكبر منتج للألومنيوم فى روسيا والمسؤولة عن نحو ١٠٪ من الإنتاج العالمى.

ويقول فيشمان إن النتائج كانت سريعة، فقد قفزت أسعار الألومنيوم عالميا وتهاوت أسهم الشركة وسط حالة من الاضطراب فى أسواق المعادن، لكن ترامب تلقى بعد ذلك اتصالات وضغوطا من مسؤولين روس ورؤساء شركات كبرى، طالبوه بالتراجع عن العقوبات، وهو ما حدث بالفعل بعد فترة قصيرة.

ويرى فيشمان أن هذه الواقعة كانت مقلقة لعدة أسباب. أولها أنها بعثت برسالة إلى موسكو بأن الإدارة الأمريكية قد تتراجع سريعا إذا واجهت ضغوطا أو تداعيات اقتصادية، حتى من دون أن تحصل على أى تنازلات سياسية من الجانب الروسى الذى لم يقدم أى مقابل؛ فلم تطلق سراح معتقلين، ولم تغير سياستها فى أوكرانيا، حيث كان الصراع بين البلدين مستمرا، ومع ذلك تراجعت واشنطن عن العقوبات.

ووفقا لـ«فيشمان»، كان لذلك أثر استراتيجى مهم؛ فبعد هذه الأزمة بدأت روسيا فى تقليص اعتمادها على الدولار الأمريكى، وحولت جزءا كبيرا من احتياطياتها النقدية إلى اليورو واليوان الصينى والذهب.

ويعتقد المؤلف أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين استنتج من تلك الواقعة أن ترامب متردد فى استخدام أدوات الضغط الاقتصادى لفترة طويلة، وأن قراراته قد تكون غير متوقعة.

ومن وجهة نظر فيشمان، كانت تلك اللحظة بداية فقدان الولايات المتحدة جزءا من النفوذ الذى كانت تتمتع به تجاه روسيا، كما ربما ساهمت فى دفع بوتين إلى التقليل من حجم العقوبات الغربية التى واجهها لاحقا بعد غزو أوكرانيا عام ٢٠٢٢.

وفى كتابه يشرح فيشمان الفرق بين الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية؛ فالرسوم الجمركية هى ضريبة تفرض على السلع المستوردة. فإذا فرضت الولايات المتحدة رسوما بنسبة ٢٠٪ على النفط الروسى، فإن الشركات الأمريكية تستطيع شراء النفط، لكنها ستدفع ضريبة إضافية للحكومة الأمريكية.

أما العقوبات الاقتصادية فتعنى منع هذه التجارة من الأساس. ولذلك تعد العقوبات أداة أقوى بكثير من الرسوم الجمركية.

ويؤكد أن الرسوم الجمركية استخدمت تاريخياً لأهداف اقتصادية وتجارية، مثل حماية الصناعات المحلية أو تحسين شروط التفاوض التجارى، وليس لمعالجة قضايا الأمن القومى الكبرى، ولهذا فهى لا قيمة لها فى التعامل مع روسيا، كما يرى أن بعض تهديدات ترامب التجارية، بما فيها تلك الموجهة إلى دول مجموعة بريكس، لا تستند إلى منطق اقتصادى أو استراتيجى واضح.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا