يواصل الجزء الخامس من سلسلة "Toy Story"، تحقيق إيرادات قوية منذ طرحه في دور العرض، إذ تجاوزت إيراداته العالمية 745 مليون دولار.
ويأتي هذا النجاح ليؤكد الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها السلسلة، في وقت تعتمد فيه شركات الإنتاج على إصدار أجزاء جديدة من سلاسلها الناجحة لتحقيق أرباح أكبر، وتعويض المخاطر المالية المصاحبة للتجارب الجديدة.
لكن هذا الاعتماد لا يرتبط فقط بنجاح الأجزاء السابقة أو جودتها، بل قد يستند أيضًا إلى أبعاد نفسية تفسر انجذاب الجمهور إلى هذه السلاسل، وارتباطه الوجداني بالشخصيات والقصص التي رافقته لسنوات، وهو ما تحاول استوديوهات السينما استثماره بذكاء.
لكن ما الذي يدفعنا للتعلق بسلاسل الأفلام؟ وهل تمتلك سلسلة "Toy Story " مقومات تجعل تأثيرها في المشاهد أكثر عمقًا من غيرها؟
قال عمرو مجاهد، الأخصائي النفسي الإكلينيكي، في حديثه لـ"الشروق"، إن تعلقنا بشخصيات مثل "وودي" و"باز يطير" يرتبط بمفهوم في علم النفس يُعرف بالعلاقة شبه الاجتماعية، وهذا المفهوم يصف الارتباط العاطفي الذي قد ينشأ بين الإنسان وشخصيات خيالية، رغم أن العلاقة تكون من طرف واحد.
كما شبَّه ذلك بعلاقة بعض الأشخاص بالفنانين أو المشاهير، فهم ينتظرون أعمالهم الجديدة ويشعرون أنهم جزء من ذكرياتهم، رغم أن هؤلاء المشاهير لا يعرفونهم شخصيًا.
وأضاف أن الأمر نفسه يحدث مع شخصيات السلاسل السينمائية التي تستمر لسنوات، إذ لا نشعر أننا سنشاهد فيلمًا جديدًا فحسب، بل "كأننا سنلتقي بأصدقاء قدامى ارتبطنا بهم لسنوات، فنرغب في الاطمئنان عليهم ومعرفة ما الذي حدث لهم".
وأشار مجاهد، إلى أن مشاهدة جزء جديد من سلسلة قديمة تعيد إلينا المشاعر والذكريات المرتبطة بالفترة التي شاهدنا فيها الأجزاء الأولى، خاصة أن الحنين إلى الماضي من الظواهر النفسية المعروفة، لأن الدماغ لا يخزن الأحداث منفصلة عن المشاعر، بل يحتفظ بها معًا، ولذا قد تكفي موسيقى الفيلم أو ظهور إحدى الشخصيات حتى يستدعي المخ شبكة كاملة من الذكريات المرتبطة بتلك المرحلة، مثل البيت القديم والعائلة والمدرسة والأصدقاء وطريقة قضاء اليوم آنذاك، ولهذا السبب قد يخرج بعض الأشخاص من الفيلم وهم متأثرون عاطفيًا، ليس بسبب أحداث الفيلم نفسها، وإنما لأنهم عادوا نفسيًا إلى فترة من حياتهم ارتبطت بهذه الشخصيات.
وأوضح أن الدماغ يتعامل مع القصص بطريقة قريبة من تعامله مع العلاقات الإنسانية، فعندما يتابع الشخص شخصية لسنوات طويلة، يبدأ في فهم طريقة تفكيرها، ويتوقع ردود فعلها، ويعرف كيف ستتصرف في المواقف المختلفة، فتصبح بالنسبة إليه شخصية مألوفة تشبه الأشخاص الحقيقيين.
وأشار إلى أنه عندما يصدر جزء جديد من سلسلة ما، يشعر المشاهد بالفضول لمعرفة ما الذي سيحدث لهذه الشخصيات، وكيف ستواجه التحديات الجديدة، لأنه أصبح مرتبطًا بها عاطفيًا، وليس لأنها مجرد شخصيات مرسومة.
وأكد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على أفلام الرسوم المتحركة، بل تظهر أيضًا مع شخصيات الأنمي والمسلسلات وحتى المشاهير.
وأضاف أن "الارتباط العاطفي يجعل تقييمنا للأجزاء الجديدة أقل قسوة، لأننا لا نحكم على الفيلم بأسلوب منطقي بحت، ولكن تتدخل ذكرياتنا وعلاقتنا القديمة بالسلسلة في عملية التقييم".
وأشار إلى أن هذا يرتبط بما يُعرف في علم النفس بـ"تأثير الهالة"، إذ تؤثر المشاعر الإيجابية السابقة في "أحكامنا الحالية، فنميل إلى التغاضي عن بعض العيوب لأن لدينا تاريخًا عاطفيًا مع العمل وشخصياته".
ولفت إلى أن هذا التأثير يتضح أكثر عند مقارنة محبي السلسلة القدامى بالمشاهد الذي يستكشفها لأول مرة؛ لا سيما أن المشاهد الذي تابع السلسلة منذ بدايتها يحمل تاريخًا كاملًا يجعل لكل مشهد أو إشارة أو حوار معنى عاطفيًا خاصًا بالنسبة إليه، أما الشخص الذي يشاهد الفيلم لأول مرة، فسوف يقيمه اعتمادًا على قصته الحالية وجودته الفنية، لأنه لا يمتلك أي ارتباط سابق بالشخصيات.
وبالنسبة لـToy Story، لفت عمرو مجاهد، إلى أن أحد أهم أسباب نجاحها هو أن القصة في الأساس تنطلق من تجربة عاشها معظم الأطفال، فمعظمهم يتخيلون أن ألعابهم حية عندما لا يراها أحد، ويتحدثون إليها ويمنحونها أسماء وشخصيات، وهو أمر طبيعي خلال مراحل النمو المعرفي والانفعالي.
وأضاف أن الفيلم نجح في تحويل هذا الخيال الطفولي إلى عالم كامل؛ لذا شعر المشاهدون بارتباط كبير به منذ البداية، لكن مع التقدم في العمر، تتغير طريقة فهم الفيلم، وتتحول القصة بالنسبة للمشاهد من كونها عن الألعاب فقط، لتصبح قصة عن النمو والتغير وفقدان الأشياء التي نحبها، وتقبل مرور الزمن، والاحتفاظ بالذكريات حتى بعد انتهاء مراحل مهمة من حياتنا؛ لذا، فمن وجهة نظره، تُعد هذه السلسلة تجربة عاطفية تنمو مع المشاهد، ويكتشف فيها مع كل مرحلة عمرية معاني جديدة تختلف عما رآه في طفولته.
المصدر:
الشروق