آخر الأخبار

«في قلوبنا الفرحة كبرت».. «علشانك يا مصر» الملايين يستقبلون الصبح بـ«الزغاريد» بعد تحقيق أول انتصار في المونديال

شارك

فى ليلة مشهودة ستبقى محفورة فى وجدان الشعب المصرى، عاشت «أرض الكنانة» من أقصاها إلى أقصاها، واحدة من أعظم ملاحم الفرحة والوحدة فى تاريخها الحديث. فبعد عقود من الانتظار والشغف المونديالى الذى امتد عبر تاريخ مشاركات الفراعنة فى كأس العالم منذ عام 1934 بإيطاليا تحت قيادة المدرب الاسكتلندى جيمس ماكراى، وحتى يومنا هذا، بقيادة حسام حسن، نجح المنتخب الوطنى فى تحقيق أول فوز له فى تاريخ المونديال، ليفجر طاقة من البهجة والسرور لم تشهد البلاد لها مثيلاً من قبل.

ومع إطلاق حكم المباراة صافرة النهاية، معلنا أول انتصاراتنا، تحولت شوارع مصر وضواحيها، غرباً وشرقاً، إلى لوحة فنية نابضة بالحياة. فى القاهرة والإسكندرية، امتلأت الميادين الكبرى بالملايين الذين خرجوا حاملين الأعلام فجرًا، مرددين الأناشيد الوطنية.

وفى الدلتا، تلاحمت القرى والمدن فى احتفالات صاخبة، حيث تعالت زغاريد النساء وتمايلت رايات النصر فى كل حارة وزقاق. ولم يكن الصعيد ببعيد عن هذا المشهد؛ إذ خرج أبناء الجنوب بأصالتهم المعهودة يعبرون عن فرحتهم العارمة بمشاهد احتفالية مهيبة، اختلطت فيها دقات الطبول بالأهازيج الشعبية، لتعلن أن الفرحة واحدة والنبض واحد.

سهر المصريون حتى الصباح الباكر، ولم تكن هذه السهرة مجرد احتفال عابر بنصر كروى، بل كانت تجسيداً حياً لروح الهوية المصرية. فى تلك الليلة الاستثنائية، تلاشت كل الفوارق واختفت الخلافات، واجتمع الجميع على قلب رجل واحد. تلاحم الصغار والكبار، والشيوخ والشباب، فى مشهد يبرهن على معدن هذا الشعب الأصيل عند المواعيد الكبرى. طوال ساعات الليل الممتدة حتى شروق الشمس، غاب أى شكل من أشكال الشقاق أو النزاع، ولم يكن هناك أى مجال للاختلاف على أى شيء سوى على سؤال واحد يملأ القلوب: مَن منا يحب هذا الوطن أكثر؟

لم يكن هذا الإنجاز التاريخى مجرد نقاط ثلاث فى بطولة رياضية، بل كان بمثابة حلم طال انتظاره لأجيال تعاقبت وظلت وفية لعشق تراب هذا الوطن. لقد أثبتت هذه الليلة أن كرة القدم فى مصر تفيض عما هو رياضى لتصبح عنواناً لملحمة وطنية فريدة، أكد فيها المصريون للعالم أجمع أنهم عندما يتوحدون خلف راية بلادهم، يصنعون التاريخ ويسطرون بدموع الفرح والفخر أجمل حكايات الانتماء.

اليوم، انضم منتخب مصر إلى قائمة المنتخبات الأفريقية المنتصرة فى كأس العالم ليصبح المنتخب الأفريقى العاشر الذى يحقق فوزًا فى تاريخ البطولة. كما دخل حسام حسن التاريخ كأول مدرب أفريقى يحقق الفوز لاعبًا ومدربًا فى البطولات الكبرى، ويواصل محمد صلاح كتابة التاريخ، ليصبح أكبر لاعب أفريقى يسجل ويصنع فى مباراة واحدة بكأس العالم بعمر 34 عامًا، رافعًا رصيده إلى 3 أهداف فى تاريخ البطولة، مساهما بـ5 أهداف فى تاريخ مشاركاته، ليبقى الأكثر تأثيرًا تهديفيًا فى تاريخ مصر بالمونديال، وليرفع رصيده الدولى إلى 66 هدفًا.

«المنتخب يوحد القلوب»..خبراء علم نفس: المصرى يرى انتصار المنتخب نصرًا شخصيًا

«المنتخب المصرى هو المظلة التى تجتمع تحتها كل الانتماءات، وفوزه يمثل لحظة ينسى فيها الجميع اختلافاتهم ويشعرون أنهم كيان واحد»، بهذه الكلمات استهلت الدكتورة جيهان النمرسى، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، المستشارة النفسية والعلاقات الأسرية، تحليلها لظاهرة التفاف المصريين حول المنتخب الوطنى، عقب فوز الأخير على نيوزيلندا فى كأس العالم.

محمود الخواص
فرحة المصريين بالفوز

ظاهرة الالتفاف تعود إلى أسباب نفسية واجتماعية عميقة تجعل من كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، بحسب ما ذكرته «النمرسى»، فى حديثها لـ«المصرى اليوم»، والتى أشارت إلى أن الفوز يمثل نقطة تجمع عاطفية، وتوحد الملايين فى لحظة واحدة، ويحدث ذلك من خلال عدة عوامل، يأتى فى مقدمتها الفوارق الطبقية والتعليمية والمكانية، والتى تختفى نتيجة الفوز فى مباراة نيوزيلندا، حيث يجد العامل، والموظف، ورجل الأعمال أنفسهم يشعرون بنفس الفرحة ويتشاركون نفس ردود الأفعال.

بحسب «النمرسى»، يمنح الهدف الذى يسجله المنتخب الجميع شعورًا بالانتصار المشترك، والفوز باسم مصر يعزز الفخر بالانتماء للوطن، إذ يشعر فى هذه اللحظة الفرد بأنه جزء من كيان أكبر وأقوى، مما يقلل من أى توترات أو ضغوط اجتماعية واقتصادية يعيشها فى يومه العادى.

وأشارت إلى أن الفوز يوفر مساحة آمنة لتفريغ الطاقات السلبية والضغوط اليومية، ويستبدلها بحالة من الفرحة الجماعية التى ترفع من الروح المعنوية للجميع فى نفس الوقت، والمنتخب الوطنى هو واحد من الرموز القليلة التى يتفق عليها الجميع بلا استثناء، وذلك لأنه تمثيل للوطن للجميع، المنتخب يلعب باسم مصر كلها، ولا يمثل محافظة معينة أو تيارًا محددًا، ويمكن اعتباره المظلة التى تجتمع تحتها كل الانتماءات، مما يجعله مساحة آمنة يتوحد فيها الجميع دون أى انقسامات.

وأوضحت أن كرة القدم بسيطة وممتعة، ولغة يفهمها الجميع، وتتجاوز حاجز العمر والتعليم، حيث يمكن للجد والأب والابن أن يجلسوا معًا لمتابعة المباراة، مما يخلق حالة من الترابط العائلى وذكريات مشتركة تدوم طويلًا، كما أنه وسط مشاغل الحياة السريعة، تجعل المباراة الجميع يركزون على هدف واحد، والملايين يتابعون نفس الشاشة، يشعرون بنفس التوتر، ويهتفون فى نفس اللحظة. هذه التجربة المشتركة تقوى الروابط الخفية بين أبناء المجتمع، ففى مباريات المنتخب، ينسى المشجع انتماءه لناديه المحلى (سواء كان أهلى أو زمالك أو غيره) ليصبح انتماؤه الأول والوحيد هو للمنتخب، مشيرًا إلى أن اللاعب الذى كان خصمًا بالأمس فى الدورى المحلى، يصبح بطلًا نهتف باسمه اليوم لأنه يرتدى قميص المنتخب.

من جانبه، أكد الدكتور وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، أن كرة القدم بالنسبة للمصريين تتجاوز كونها مجرد منافسة رياضية بين فريقين، موضحًا أنها تمثل وسيلة قوية لإشباع أحد أهم الاحتياجات الإنسانية، وهو الشعور بالانتماء، خاصة أن المواطن المصرى يبحث دائمًا عن المساحات التى تمنحه فرصة التعبير عن هويته والانتماء لوطنه، وهو ما يظهر بوضوح خلال مباريات المنتخب الوطنى، حيث تتوحد المشاعر وتتجه الأنظار نحو هدف واحد، فى مشهد يجمع مختلف الفئات والأعمار والانتماءات تحت راية واحدة.

وأوضح هندى لـ«المصرى اليوم» أن مشاهد الجماهير التى احتشدت لتشجيع المنتخب، سواء داخل الملاعب أو فى الساحات العامة، لا تعكس فقط حب كرة القدم، بل تعبر عن رغبة عميقة فى تأكيد الهوية الوطنية والانتماء الجماعى، لافتًا إلى أن التشجيع والهتافات والأعلام والأغانى الوطنية تمثل أدوات للتعبير عن هذا الشعور.

وأضاف أن المصريين ينظرون إلى الوطن باعتباره جزءًا من تكوينهم النفسى والوجدانى، لذلك فإن أى إنجاز يحققه المنتخب ينعكس مباشرة على مشاعرهم، ويمنحهم إحساسًا بالفخر والاعتزاز بالهوية المصرية، لافتًا إلى أن الانتصارات الرياضية الكبرى تمنح المواطنين شعورًا بما يُعرف نفسيًا بـ«الكفاءة النفسية»، حيث يشعر الفرد بأن نجاح فريقه الوطنى يمثل نجاحًا شخصيًا له، ويعزز لديه الثقة بالنفس والإحساس بالقدرة على الإنجاز.

وأوضح أن الفرحة الكبيرة التى صاحبت الفوز على نيوزيلندا جاءت لأنها ارتبطت بحلم طال انتظاره لدى أجيال متعاقبة من المصريين، مؤكدًا أن تحقيق حلم التتويج العالمى أو الاقتراب منه يخلق حالة من التفريغ العاطفى لمشاعر تراكمت على مدار سنوات طويلة، حيث كشفت الاحتفالات جانبًا مهمًا من الشخصية المصرية، يتمثل فى القدرة على التوحد خلف هدف وطنى جامع، حيث اختفت الانتماءات الرياضية الضيقة والفروق الاجتماعية، وحل محلها شعور جماعى بالسعادة والفخر.

وأشار «هندى» إلى أن مشاهد العناق والاحتفال بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا تعكس حالة نادرة من التلاحم المجتمعى، موضحًا أن المصريين فى مثل هذه اللحظات يتعاملون باعتبارهم فريقًا واحدًا وشعبًا واحدًا تجمعه مشاعر مشتركة تتجاوز أى اختلافات، وتؤكد أن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات تعزيز الروح الوطنية، وأن نجاح المنتخب لا يُنظر إليه باعتباره انتصارًا رياضيًا فقط، بل باعتباره رسالة تعكس قدرة المصريين على تحقيق الإنجازات وصناعة لحظات تاريخية تبقى راسخة فى الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة.

بين لقمة العيش وشغف المتابعة.. «يوسف» يسرق لحظات الفرح خلال المباراة

فرحة كبيرة عاشتها «أم محمد»، السيدة الستينية فى منطقة السيدة زينب مع أبنائها خلال متابعتها لمباراة المنتخب الوطنى ضد نيوزيلندا عقب تحقيقه أول فوز تاريخى للفراعنة فى كأس العام بنتيجة 3 -1.

يوسف على

الفرحة زارت بيت «أم محمد» حيث بدأ أبناؤها الثلاثة، تجهيز مشاهدة المباراة منذ منتصف الليل، والتحضير لها بداية من شراء بعض التسالى، وتجهيز الشاشة ووضعها فى منتصف الصالة، وكان الكل يراقب وينتظر الفرحة. السيدة التى اعتادت على النوم فى تمام الساعة التاسعة مساءً، لم يزرها النوم ليلتها «كل يوم كنت بنام من الساعة9، ولكن الليلة دى منمتش غير متأخر، وشايفة الفرحة فى عيون ولادى».

تضيف: «الفرحة مكنتش سايعة ولادى، والكل فرحان ومبسوط، حتى ابن ابنى اللى موجود فى البيت فضل سهران مع أبوه، والفرحة فى كل حتة»، بسبب فوز المنتخب وتحقيقه انتصارًا تاريخيًا.

لم تقتصر مظاهر الفرح على منزل السيدة «أم محمد» فقط، ولكن كانت أيضًا خارج المنزل، حيث بدأت بفرحة كبيرة من مجموعة من الشباب يحملون الأعلام المصرية، ويتجولون بسياراتهم ودراجاتهم البخارية فى كل أرجاء الحى الذى تسكن فيه: «الفرحة مكنتش كمان فى البيت، ولكن برضه فى الشارع، فى كل حتة، الشباب بالعربيات وماسكين أعلام، وقاعدين يلفوا، والفرحة مش سيعاهم».

وعندها قرر الجميع السهر حتى الصباح، وبعد ذلك الذهاب لقضاء أعمالهم، وكان كذلك أبناء أم محمد، التى تقول: «المفروض كانوا يناموا بدرى، ومن الفرحة محدش نام، وفضلت أقول: يا ابنى نام، عندكم شغل الصبح»، ولكن كانت الفرحة هنا أقوى من أى شىء.

وعلى الرغم من أن أم محمد غير متابعة باستمرار لكرة القدم، ولا تعرف عنها شيئًا، فإن لأبنائها نصيبًا كبيرًا فى معرفتها الشخصية عن المنتخب المصرى. وتقول: «بقيت مستنية المباراة الجايه لمصر علشان أشوف فرحة ولادى زى النهارده والله»، حيث من المقرر أن يلتقى منتخب مصر مع إيران تمام الساعة السادسة بتوقيت القاهرة السبت المقبل، وتتمنى أم محمد أن يحقق المنتخب فى المباريات القادمة الكثير من الإنجازات والفوز، قائلة: «والله نفسى الفرحة تكون كل يوم، ويارب يرزقهم مليون فرحة وفرحة».

«منمتش غير لما كسبنا».. حكاية «أم محمد» مع انتصار الفراعنة

فى الرابعة فجرا بتوقيت مصر، ومع انطلاق صافرة بداية الشوط الأول من مباراة منتخب مصر ونيوزيلندا فى كأس العالم 2026، كان يوسف على منشغلا بتجهيزات العمل داخل محل الفول والطعمية الذى يعمل به، وبينما كانت أنظار الملايين تتجه نحو شاشات التليفزيون لمتابعة المباراة المرتقبة، كان يوسف يحاول الموازنة بين مسؤوليات عمله وشغفه بمتابعة اللقاء.

«أم محمد»

كانت شوارع المدينة أكثر هدوءا من المعتاد، الأضواء خافتة والحركة محدودة فى الطرقات، لكن داخل محل الفول والطعمية كان المشهد يتخلله زحام أصوات الأوانى لتجهيز الطعام الساخن، والاستعدادات المبكرة لاستقبال الزبائن، كلها كانت تسير جنبا إلى جنب مع الحدث الذى استحوذ على اهتمام الجماهير.

وسط هذه الأجواء، وقف يوسف خلف أدوات العمل، يتنقل بين تجهيز الطلبات ومتابعة ما يحدث على أرض الملعب، لم يكن يملك رفاهية الجلوس أمام شاشة كبيرة أو متابعة اللقاء دون انقطاع، فطبيعة عمله تفرض عليه البقاء فى حركة مستمرة، لكن لم يمنعه ذلك من البحث عن أى فرصة تمنحه دقائق قليلة لمشاهدة المباراة.

لم تكن شاشة المباراة أمامه طوال الوقت، لذلك قرر يوسف أن يسرق دقائق قليلة من العمل، يخرج سريعا إلى المقهى القريب منه، يتابع ما جرى فى المباراة لدقائق معدودة، ثم يعود إلى المحل لمواصلة تجهيز الطلبات واستقبال الزبائن، وبين الذهاب والعودة، عاش المباراة بطريقته الخاصة، فى محاولة منه للموازنة بين مسؤوليات العمل وشغف التشجيع.

قال يوسف، لـ «المصرى اليوم»: «كنت عارف إن الشغل هيكون صعب أتابع الماتش فيه بشكل كامل، لكن برضه ما كنتش عايز يفوتنى، كل شويه أروح على القهوة اللى جنبى بسرعة أشوف إيه اللى حصل، وبعدها أرجع أكمل شغلى».

وخلال الدقائق الأخيرة من مباراة مصر أمام نيوزيلندا بدأت حالة الترقب تشتعل ليوسف، وصفها بالأكثر صعوبة خاصة فى ظل توافد الزبائن عليه، وقال: «كل هجمة خطيرة كانت بالنسبة لى لحظات توتر إضافية، خاصة عندما كنت أسمع أصوات التشجيع القادمة من المقهى القريب أو من بعض المارة الذين يتابعون المباراة، أشعر أن هناك شيئا حدث وكنت أحاول متابعة أداء اللاعبين بقدر المستطاع حتى وإن سرقت لحظات محدودة.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا