في أقصى شرق الإسكندرية، وتحديدًا حي المنتزه ثان، حيث كان البحر يمتد بلا حدود، تولد الآن مدينة جديدة في قلب المياه؛ مدينة لا تُبنى على اليابسة، بل تخرج من البحر نفسه، في مشروع يُعد الأول من نوعه في مصر، ويحمل اسم "مدينة أبو قير الجديدة".
مدينة أبو قير الجديدة ليست مجرد توسع عمراني أو إنشاء تجمع سكني حديث، بل رؤية كاملة تعيد رسم ملامح شرق الإسكندرية، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ التنمية على ساحل البحر المتوسط، عبر أول مدينة مصرية تُقام داخل جزيرة صناعية.
هنا في أبو قير يبدو المشهد استثنائيًا؛ معدات وحفارات عملاقة تعمل وسط البحر، وحواجز أمواج تمتد لعدة كيلومترات، وأرض جديدة تتشكل تدريجيًا فوق المياه، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أكبر المشروعات التنموية واللوجستية المنتظرة في مصر.
تقام مدينة "أبو قير الجديدة" على مساحة 1400 فدان، ضمن مشروع متكامل يمتد لنحو 2770 فدانًا، يضم المدينة الجديدة وميناء أبو قير البحري والمنطقة الشاطئية المحيطة، في إطار خطة الدولة لتطوير شرق الإسكندرية وتحويلها إلى مركز اقتصادي ولوجستي متطور.
ويحيط بالمشروع حاجز أمواج ضخم يتجاوز طوله 9 كيلومترات، لحماية المدينة والمنشآت من تأثيرات البحر والتغيرات المناخية، فيما تتواصل أعمال الردم وتجهيز البنية الأساسية والمرافق المختلفة.
وفي قلب المشروع، يتصدر "ميناء أبو قير البحري" المشهد، باعتباره أحد أهم الموانئ الجديدة المخطط لها على البحر المتوسط، والذي يقع على مساحة 3 ملايين متر مربع من الأرض المكتسبة، بأطوال أرصفة تبلغ 6.25 كيلومتر وغاطس يصل إلى 22 مترًا، بما يسمح باستقبال السفن العملاقة وتعزيز حركة التجارة الدولية.
ويشمل ميناء أبو قير الجديد، منطقة لوجستية متكاملة على مساحة 125 فدانًا، منها 45 فدانًا مخصصة لساحات تداول الحاويات ومباني التحكم والسيطرة لإدارة الميناء ، إلى جانب تنفيذ شبكات الطرق والكباري والمرافق بالميناء والمنطقة اللوجستية وفق أعلى المعايير العالمية.
ويمنح الموقع الاستراتيجي للمشروع، بالقرب من قناة السويس، أهمية خاصة، إذ يُنظر إليه كبوابة جديدة لحركة الترانزيت والتجارة العالمية في شرق المتوسط، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
لكن "أبو قير الجديدة" لا تتوقف عند حدود الميناء، بل تمتد لتشكل مدينة ذكية متكاملة تعتمد على تكنولوجيا الجيل الخامس وإنترنت الأشياء، لتصبح واحدة من أوائل مدن الجيل الخامس في مصر.
ويشمل المخطط العمراني للمدينة أبراجًا سكنية وفنادق ومناطق سياحية وتجارية ومطاعم ومستشفيات ومؤسسات تعليمية وأندية رياضية، إلى جانب كورنيش جديد ومساحات مفتوحة تطل على البحر مباشرة.
ويخدم المدينة الطريق الدائري الجديد المؤدي إليها، الجاري تنفيذه، بطول 23 كيلومترًا، منها 10 كيلومترات طرق و13 كيلومترًا أعمالًا صناعية تضم خمسة كباري رئيسية، أبرزها "كوبرى البحر" بطول 4.2 كيلومتر، يمتد جزء منه داخل مياه البحر لمسافة كيلومتر كامل.
ويتضمن المشروع تنفيذ عدد من الكباري والأنفاق والمعابر فوق المصارف وخطوط السكك الحديدية، بما يضمن سهولة الحركة ودعم النشاط التجاري واللوجستي المتوقع بالمنطقة.
كما يجري العمل على ربط المدينة بشبكات النقل الحديثة، عبر القطار الكهربائي السريع ومترو الإسكندرية، فضلًا عن تنفيذ محاور مرورية وكباري جديدة تربط الميناء بالطريق الدولي الساحلي ومناطق شرق الإسكندرية المختلفة.
وتتضمن المدينة الجديدة نفسها تنفيذ شبكة متكاملة من الطرق والكباري بإجمالي أطوال تصل إلى 76.5 كيلومتر، إلى جانب محطات المرافق الرئيسية، ومنها محطة كهرباء بقدرة 500 ميجا فولت أمبير، ومحطة لمعالجة مياه الصرف بطاقة 64 ألف متر مكعب يوميًا، ومحطة لتحلية مياه البحر بطاقة 80 ألف متر مكعب يوميًا، فضلًا عن شبكات بنية تحتية تمتد لنحو 650 كيلومترًا.
ويرى خبراء أن المشروع يمثل نقلة نوعية في مفهوم التنمية الساحلية بمصر، من خلال خلق ظهير عمراني واستثماري جديد بشرق الإسكندرية، وتعزيز قدرات الدولة في مجالات النقل البحري والتجارة والخدمات اللوجستية.
هكذا تتحول المياه إلى أرض، والبحر إلى مدينة كاملة تنمو يومًا بعد آخر؛ "أبو قير الجديدة" ليست مجرد مشروع على الساحل، بل حكاية مكان لم يكن موجودًا، قبل أن تقرر الدولة أن ترسم مستقبلًا جديدًا فوق الماء.
المصدر:
مصراوي