في وقت أصبحت فيه مواقع التواصل ساحة مفتوحة للهجوم والسخرية والشتائم أكثر من كونها مساحة للنقاش، خرج صانع الموسيقى هاني محروس بمنشور حمل غضبًا حقيقيًا ووجعًا واضحًا، وكأنه لم يعد يتحدث فقط عن أغنية أو فيلم أو عمل فني، بل عن حالة كاملة أصابت الناس وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض. كلماته لم تكن مجرد رأي عابر على “فيسبوك”، بل بدت كصرخة رجل يرى الفن يُذبح يوميًا تحت اسم “حرية الرأي”.
المنشور الذي كتبه هاني محروس فتح بابًا واسعًا للنقاش، لأنه لمس نقطة حساسة جدًا يعيشها الوسط الفني والجمهور معًا؛ متى تحوّل الاختلاف في الذوق إلى إهانة؟ ومتى أصبحت الشتائم جزءًا طبيعيًا من النقد؟ ولماذا صار البعض يتعامل مع أي عمل فني لا يعجبه وكأنه معركة شخصية يجب تدمير أصحابها فيها بالكامل؟
الجملة الأكثر اشتعالًا في كلامه كانت: “إحنا مصريين مش صهاينة”، وهي العبارة التي حملت شحنة غضب ضخمة، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها خرجت من حالة إحباط واضحة تجاه القسوة التي أصبحت تحكم ردود الأفعال على أي عمل فني. وكأن هاني محروس أراد أن يقول إن المشكلة لم تعد في النقد نفسه، بل في الطريقة التي فقد بها الناس إنسانيتهم أثناء التعبير عن آرائهم.
ما كتبه هاني محروس لم يكن دفاعًا عن عمل واحد بعينه، بل دفاعًا عن فكرة “التعب” نفسها. عن الشخص الذي يسهر شهورًا ليخرج أغنية، أو مسلسلًا، أو إعلانًا، ثم يجد نفسه في مواجهة سيل من الإهانات الشخصية التي لا علاقة لها بالفن أصلًا. وكأن مواقع التواصل تحولت تدريجيًا إلى محاكم إلكترونية لا تبحث عن تقييم العمل بقدر ما تستمتع بتمزيق أصحابه.
اللافت أن هاني محروس لم يرفض النقد، بل بالعكس أكد بوضوح أن الأذواق مختلفة، وأن الاختلاف طبيعي وصحي، لكنه وضع خطًا واضحًا بين النقد وقلة الأدب. وهذه النقطة تحديدًا هي ما جعل منشوره يلامس قطاعًا كبيرًا من الناس، لأن كثيرين يشعرون بالفعل أن السوشيال ميديا أصبحت أكثر عنفًا من أي وقت مضى، وأن البعض بات يعتقد أن امتلاكه حسابًا على الإنترنت يمنحه الحق في إهانة أي شخص دون حدود.
الأخطر في كلامه أنه كشف عن أزمة أعمق من مجرد التعليقات السلبية، وهي فكرة “قتل المبدعين نفسيًا”. فالفنان أو صانع الموسيقى أو الكاتب لم يعد يخاف فقط من فشل العمل، بل أصبح يخاف من الإعدام المعنوي الجماعي الذي قد يتعرض له بمجرد عدم إعجاب البعض بما يقدمه. وهنا تحديدًا تظهر المأساة الحقيقية؛ لأن الفن بطبيعته قائم على الاختلاف، ولو أصبح الجميع يفكرون بنفس الطريقة لانتهى الإبداع أصلًا.
منشور هاني محروس حمل أيضًا حنينًا واضحًا لزمن كانت فيه الخلافات الفنية أكثر رقيًا. زمن كان الجمهور يقول فيه “الأغنية لم تعجبني” دون أن يتحول الأمر إلى سب وقذف وسخرية وإهانات شخصية. أما اليوم، فهناك حالة غضب عامة تتجاوز الفن نفسه، وكأن الناس تفرغ إحباطاتها الحياتية داخل أي مساحة متاحة، والفن أصبح أحد أسهل الأهداف.
البعض رأى في كلامه مبالغة، لكن آخرين اعتبروا أن صراحته كانت ضرورية، لأن الوسط الفني بالفعل يعيش ضغطًا هائلًا بسبب ثقافة “الهجوم للمتعة”. فحتى الأعمال الناجحة لم تعد تنجو من العنف الإلكتروني، وأصبح هناك سباق دائم لصناعة “التريند” عبر السخرية والتحقير أكثر من تقديم رأي حقيقي أو نقد محترم.
كما أن حديثه عن أن “الفن ملوش معايير” أثار نقاشًا آخر لا يقل سخونة، لأن الفن بطبيعته ليس معادلة رياضية ثابتة، وما يراه شخص تحفة قد يراه آخر عاديًا جدًا. لذلك فإن محاولة فرض رأي واحد باعتباره الحقيقة المطلقة تُفقد الفن أهم ما فيه، وهو حرية التذوق والتنوع.
لكن خلف غضب هاني محروس كان هناك شعور واضح بالخوف على شكل المجتمع نفسه، لا على الفن فقط. الخوف من اعتياد الإهانة، ومن تحول القسوة إلى أسلوب حياة يومي، ومن جيل كامل يرى الشتيمة نوعًا من “الجرأة” بدل أن يراها سقوطًا أخلاقيًا. ولهذا بدا المنشور وكأنه دعوة لإعادة اكتشاف الاحترام قبل إعادة تقييم الفن.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول الأغاني والأفلام والمسلسلات، لكن ما قاله هاني محروس أعاد طرح سؤال أكبر وأخطر: هل ما زلنا نعرف فعلًا كيف نختلف دون أن نؤذي بعضنا؟ أم أن السوشيال ميديا نجحت في تحويل كل رأي إلى معركة، وكل ذوق إلى سلاح، وكل فنان إلى هدف مفتوح للهجوم؟
المصدر:
الفجر