تحول الفضاء الإلكتروني خلال السنوات الأخيرة من مساحة للتفاعل وتبادل الآراء إلى ساحة مواجهة حقيقية تدار فيها معارك خفية تستهدف العقول قبل المؤسسات، وتصنع فيها الشائعات وتضخ فيها المعلومات الموجهة وتعاد فيها صياغة الأحداث بشكل يخدم أهدافًا سياسية واضحة. ومع اتساع نطاق هذا النمط من حروب الوعي، لم يعد التأثير قائمًا على حدث عابر أو منشور منفرد، بل على شبكات كاملة تعمل بتزامن دقيق لإنتاج حالة إدراكية مشوشة لدى الجمهور.
في هذا السياق، جاء قرار النيابة العامة بحجب حسابات 12 شخصًا على منصات التواصل الاجتماعي، بالتنسيق مع الجهات المختصة ومخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ليؤكد أن الدولة المصرية تتعامل مع هذا الفضاء باعتباره ساحة أمنية لا تقل خطورة عن أي مجال تقليدي، خاصة مع تزايد استخدامه في بث الشائعات وتزييف الحقائق وإثارة البلبلة.
وضمت قائمة الحسابات المشمولة بالقرار إيدي كوهين، عبد الله الشريف، محمد ناصر، أسامة جاويش، هيثم أبو خليل، يحيى موسى، سامي كمال الدين، شريف عثمان، وغيرهم من الأسماء التي ارتبط حضورها الرقمي خلال السنوات الماضية بخطاب يقوم على التحريض وإعادة تدوير المحتوى الموجه والتشكيك المستمر في مؤسسات الدولة.
القراءة المتأنية لهذه القائمة لا تتوقف عند حدود الأسماء، بل تمتد إلى نمط الخطاب المشترك بينهم، حيث يظهر تشابه واضح في طريقة تناول الأحداث، وتوقيت إثارتها، وآلية تضخيمها عبر منصات متعددة.
هذا النمط يعتمد على ثلاث أدوات رئيسية: تضخيم الحدث، إعادة تدوير الرسالة، وتوحيد المفردات المستخدمة، بما يخلق حالة من التناغم المصطنع الذي يوحي بوجود رأي عام واسع، بينما هو في حقيقته محتوى يُعاد إنتاجه داخل دائرة مغلقة.
ومع الوقت، تتحول هذه الآلية إلى ما يشبه صناعة إدراك بديل، حيث تختلط المعلومة بالشائعة، ويصعب الفصل بين الخبر الحقيقي والمحتوى الموجه، وهو جوهر ما يُعرف بحروب الجيل الخامس وحروب الوعي الحديثة.
في هذا السياق، يظهر إيدي كوهين كنموذج لحالة إطلاق الرسالة داخل الفضاء الرقمي، حيث يتم تداول محتواه وإعادة نشره وتفكيكه وإعادة صياغته عبر شبكات متعددة، ما يحول أي منشور إلى موجة تضخيم تتجاوز مصدرها الأول.
هذا النمط لا يقوم على مصدر واحد، بل على شبكة إعادة إنتاج سريعة تجعل الرسالة تنتشر في وقت قصير عبر منصات مختلفة، بما يمنحها قوة تأثير أكبر من حجمها الحقيقي.
كما تضم القائمة أسماء مثل عبد الله الشريف ومحمد ناصر وأسامة جاويش وهيثم أبو خليل، الذين يمثلون نمطًا آخر من التأثير يعتمد على إعادة تقديم المحتوى في إطار إعلامي أو تحليلي، رغم أن جوهره في كثير من الأحيان يقوم على نفس المادة الأولية المتداولة داخل الفضاء الرقمي.
هذا التحول من نقل الخبر إلى إعادة إنتاج الرسالة يعكس تطورًا في أدوات التأثير، حيث لم يعد الهدف مجرد نقل معلومة، بل تشكيل تصور كامل لدى المتلقي حول الأحداث، حتى لو كان هذا التصور مبنيًا على روايات غير مكتملة أو غير دقيقة.
وفي هذا السياق قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن ما يجري على الفضاء الإلكتروني لم يعد مجرد خلافات إعلامية أو سياسية، بل أصبح جزءًا من حرب وعي شاملة تستهدف إدراك الشعوب قبل استهداف الدول نفسها.
وأضاف "البرديسي" خلال تصريحه ل "اليوم السابع" أن الأخطر في هذا النوع من الحروب ليس نشر الشائعة فقط، بل إعادة تدويرها وتكرارها عبر عشرات الحسابات حتى تتحول من خبر كاذب إلى حقيقة متداولة في وعي الجمهور، مشيرًا إلى أن هذا النمط يمثل جوهر حروب الجيل الخامس التي تعتمد على التأثير غير المباشر بدل المواجهة المباشرة.
وشدد على أن حماية الفضاء الإلكتروني أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي، وأن مواجهة هذا النوع من التأثير لا تعتمد فقط على القرارات القانونية، بل على وعي مجتمعي قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
يمثل قرار النيابة العامة خطوة واضحة في اتجاه ضبط الفضاء الإلكتروني، من خلال استهداف الحسابات التي يتم استخدامها في بث الشائعات وإعادة تدوير المحتوى الموجه.
تتجاوز المعركة الرقمية اليوم حدود الأخبار والمنشورات، لتصبح معركة على الوعي ذاته، حيث تصنع الحقائق داخل شبكات متداخلة، وتعاد صياغة الإدراك العام عبر أدوات رقمية متقدمة، وهو ما يجعل مواجهة تزييف الحقائق ضرورة مرتبطة مباشرة بالأمن والاستقرار.
المصدر:
اليوم السابع