آخر الأخبار

3 سنوات من التنفيذ.. وثيقة ملكية الدولة: هل فقدت البوصلة اتجاهها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

هل تمكين القطاع الخاص في مصر وعد مبهر أم وهم بيانات؟
 تطرح الدولة رؤية تستهدف تقليص دورها المباشر في النشاط الاقتصادي، وتمنح القطاع الخاص موقعًا جديدًا؛ لا باعتباره "مُساعدًا" على الهامش بل "بطلًا قوميًّا" يُعوَّل عليه في قيادة النمو وخلق فرص العمل، مع مستهدف معلن لرفع مساهمته في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 65% بحلول 2030؛ ضمن برنامج إصلاح اقتصادي أوسع مدعوم باتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.

لكن بعد ثلاث سنوات من محاولة تحويل هذه الرؤية إلى واقع عبر وثيقة ملكية الدولة، تبدو القصة أكثر تعقيدًا مما تقوله العناوين؛ فالأرقام تكشف حركة لا يمكن إنكارها، وصفقات بمليارات الدولارات، لكنها لا تعكس حتى الآن تحولًا كاملًا في تمكين القطاع الخاص، بقدر ما تشير في جانب معتبر منها إلى إعادة هيكلة في أنماط الملكية، أكثر من تغيير جذري في قواعد اللعبة الاقتصادية.

هذا التحقيق المدفوع بالبيانات يغوص في أرقام تنفيذ وثيقة ملكية الدولة؛ بحثًا عن المسافة بين الوعود والنتائج، استنادًا إلى تقارير المتابعة الحكومية حتى التقرير الثالث، وتقارير صندوق النقد الدولي الأحدث ضمن برنامج التسهيل الائتماني الممتد.

تجدر الإشارة إلى ان هذا التحقيق تم تنفيذه في إطار منحة إنتاج المحتوى المعزز بالبيانات واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، من مؤسسة هيكل للصحافة العربية، بالتعاون مع مركز التدريب بنقابة الصحفيين المصرية في الفترة من 1 نوفمبر 2025 الى 15 يناير 2026، وقد تم اختيار الموضوع ضمن افضل 6 موضوعات تم تنفيذها في إطار المنحة.

- بوصلة الوثيقة: 3 سنوات من الوعود والفجوات

صدرت " وثيقة سياسة ملكية الدولة للأصول " في ديسمبر 2022 بموافقة رئاسية، وهي أول مبادرة من نوعها في الشرق الأوسط بشهادة البنك الدولي، تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والناتج والتشغيل والتصدير عبر "الحياد التنافسي" وإصلاحات حوكمة.

أصدرت الحكومة ثلاثة تقارير سنوية لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، في أغسطس من كل عام، وبحسب التقرير الثالث، بلغت حصيلة الطروحات والتخارج خلال الفترة من مارس 2022 إلى يونيو 2025 نحو 5.86 مليار دولار، بما يعادل قرابة 48% من مستهدفات تلك المراحل؛ لكن دلالة الرقم تبقى محدودة؛ إذ إن جانبًا كبيرًا من التنفيذ جاء عبر بيع حصص جزئية أو إدخال مستثمرين، لا عبر تخارج كامل ومنتظم من قطاعات أو أنشطة.

يشكّل تمكين القطاع الخاص أحد المحاور الرئيسية في الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تتبناها الدولة، إذ تستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 65% بحلول 2030، وجعله المحرك الرئيسي للنمو وخلق فرص العمل، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي أوسع مدعوم باتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار. وتأتي وثيقة ملكية الدولة كأداة رئيسية لتحقيق هذا الهدف، عبر آليات تشمل الطروحات الحكومية في البورصة، أو إتاحة فرص استثمارية استراتيجية أمام المستثمرين.

مصدر الصورة

- من الزخم إلى التباطؤ.. ماذا يكشف تقرير المتابعة الثالث؟

لكن تقارير المتابعة الحكومية، ومعها تقارير صندوق النقد الدولي، تقول إن الطريق أكثر تعقيدًا. هناك حراك فعلي في ملف التخارج والطروحات، وصفقات وشراكات لا يمكن تجاهلها، لكن السؤال الأهم يظل: هل يكفي هذا الحراك للقول إن القطاع الخاص انتقل فعلًا من الهامش إلى موقع القيادة؟

هنا لا تكفي حصيلة الصفقات وحدها، ولا تكفي التدفقات التمويلية، ما لم تُقاس بما تحقق فعليًا من أهداف معلنة في الاستثمار والتشغيل والنمو.

يكشف التقرير الثالث لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة أن برنامج الطروحات حقق نتائج قوية في مراحله الأولى، ثم بدأ يفقد الزخم تدريجيًا في المراحل اللاحقة؛ ففي المرحلة الأولى، استهدفت الحكومة التخارج الكلي أو الجزئي من 6 شركات بحصيلة مستهدفة 3.3 مليارات دولار، وحققت بالفعل نحو 3.11 مليارات دولار، بنسبة إنجاز 94.2%. وفي المرحلة الثانية، استهدفت التخارج من 7 شركات بحصيلة 2 مليار دولار، وحققت نحو 1.99 مليار دولار، بنسبة إنجاز 99.5%.

لكن الصورة اختلفت بوضوح في المرحلتين الثالثة والرابعة؛ فالمرحلة الثالثة استهدفت التخارج من 6 شركات/أصول بحصيلة 5 مليارات دولار، لكنها لم تحقق سوى 625 مليون دولار، بنسبة إنجاز 12.5% فقط. أما المرحلة الرابعة، التي استهدفت التخارج من 4 شركات بحصيلة 1.9 مليار دولار، فلم تحقق سوى 142 مليون دولار تقريبًا، بنسبة إنجاز 7.5%.

مصدر الصورة

بهذا المعنى، لا تكمن دلالة التقرير في إجمالي الحصيلة فقط، بل في التفاوت الواضح بين بدايات قوية ومراحل لاحقة بطيئة. الحكومة نفذت خلال الفترة من مارس 2022 إلى يونيو 2025 نحو 19 عملية طرح فعلي، بحصيلة إجمالية 5.86 مليارات دولار من مستهدف 12.2 مليار دولار، أي بنسبة إنجاز 48%؛ وهو ما يعزز فرضية أن ملف الطروحات شهد حراكًا فعليًا، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار تخارج واسع ومنتظم قادر وحده على إثبات انتقال القيادة الاقتصادية إلى القطاع الخاص.

وتظهر هذه الملاحظة أيضًا في طبيعة بعض الصفقات؛ فصفقة فنادق إيجوث EGOTH (الشركة المصرية العامة للسياحة والفنادق)وHOTAC (الشركة القابضة للسياحة والفنادق)، جاءت عبر آلية تمويلية لزيادة رأس المال وضخ استثمارات بالعملة الأجنبية، وليست بيعًا مباشرًا كاملًا للأصول.

لذلك، يظل السؤال الأهم: هل نحن أمام نقل فعلي للسيطرة الاقتصادية إلى القطاع الخاص، أم أمام مزيج من طروحات جزئية وزيادات رأسمال وترتيبات تمويلية تعيد هيكلة الملكية أكثر مما تنهي حضور الدولة؟

- انحسار بصمة الدولة.. كيف يُقاس التمكين الحقيقي للقطاع الخاص؟

بعد إقرار الوثيقة في ديسمبر 2022، انتقل السؤال من إعلان الالتزام بتمكين القطاع الخاص إلى كيفية قياس هذا التمكين على أرض الواقع.

ولا تقتصر الوثيقة على كونها أداة للتخارج، بل ترتبط بحزمة إصلاحات لتعزيز جاذبية بيئة الأعمال وتنافسيتها، مع التركيز على الحياد التنافسي وحوكمة الأصول المملوكة للدولة وفق معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

مصدر الصورة

والتزامًا بمبدأ الشفافية في إطار برنامج صندوق النقد الحالي، تتبنى الحكومة إصدار تقارير دورية تتابع تطورات برنامج الطروحات ومسار الإصلاحات الداعمة لقطاع الأعمال؛ وقد صدر منها حتى الآن ثلاثة تقارير، بواقع تقرير في أغسطس من كل عام منذ 2022.

وبقراءة نص الوثيقة، يتضح أنها لا تستهدف مجرد بيع أصول أو تنفيذ طروحات، بل تسعى إلى تغيير هيكلي أوسع عبر رفع مساهمة القطاع الخاص في أربعة مجالات رئيسية: الاستثمارات المنفذة، والناتج المحلي الإجمالي، والتشغيل، والتصدير.

كما تكشف الوثيقة أن تمكين القطاع الخاص يرتبط بمسارين متوازيين: أولهما التخارج أو تقليل ملكية الدولة في بعض الأنشطة، وثانيهما إصلاح البيئة التشريعية والإجرائية، بما يعزز تنافسية السوق ويطبق مبدأ الحياد التنافسي بين شركات الدولة والقطاع الخاص.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المؤشرات الأربعة التي أعلنت الحكومة إعدادها لقياس تنفيذ الوثيقة، وتشمل: الاستثمار، والائتمان الموجه للقطاع الخاص، والتوظيف الخاص، ومساهمة القطاع الخاص في النمو؛ فهذه المؤشرات تنقل تقييم الوثيقة من مجرد حساب حصيلة الطروحات إلى قياس أثرها الفعلي على بنية الاقتصاد ودور القطاع الخاص داخله.

ورغم أن اعتماد هذه المؤشرات يمثل خطوة مؤسسية مهمة، فإنه يكشف في الوقت نفسه أن الوثيقة ظلت خلال سنواتها الأولى بحاجة إلى أدوات قياس أكثر وضوحًا، تسمح بتقييم أثرها الحقيقي لا الاكتفاء برصد عدد الصفقات أو حصيلتها المالية.

وبحسب التقرير الثالث لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، أعلنت الحكومة في فبراير 2023 قائمة أولية تضم 32 شركة وبنكًا وأصلًا، قبل إضافة 3 شركات أخرى هي: الشرقية للدخان، والعز الدخيلة، والمصرية للاتصالات، ليصل الإجمالي إلى 35 شركة ؛ ولكن لا تكشف القائمة حجم التقدم الفعلي في تنفيذ الوثيقة، بقدر ما تفتح سؤال التنفيذ: أي الشركات طُرحت فعلًا؟ وأيها ظل في مرحلة التجهيز؟ وأين انتهى التخارج إلى نقل فعلي للملكية أو الإدارة، وأين بقي في حدود الطرح الجزئي أو إعادة هيكلة الملكية؟

ويعزز هذا التقييم ما ذهب إليه الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق، خلال تصريحات تلفزيونية مع الإعلامية لميس الحديدي؛ انتقد فيها "محدودية ما نُفذ من وثيقة ملكية الدولة" بعد أكثر من ثلاثة أعوام على صدورها، معتبرًا أن جوهر الإصلاح لا يكمن في السرديات العامة، بل في تحديد واضح وملزم لدور الدولة داخل السوق، وأن الوثيقة رغم أهميتها لم تتحول بعد إلى خطوات تطبيقية مؤثرة بالقدر المأمول.

- الموقف التنفيذي لخطة الطروحات الحكومية (قائمة الـ 35 شركة)

قطعت الحكومة المصرية شوطًا ملموسًا في تنفيذ برنامج الطروحات، الذي شمل في طياته 35 شركة وبنكًا وأصلا، كجزء من استراتيجية أوسع لتمكين القطاع الخاص. وبحسب بيانات التقرير الثالث المشارإليه سلفا، فقد نجحت الدولة خلال المراحل الأربعة (من مارس 2022 حتى يونيو 2025) في تحقيق حصيلة إجمالية بلغت 5.86 مليارات دولار.

وتنوعت آليات التنفيذ لضمان أقصى استفادة اقتصادية، حيث شملت الطرح في البورصة المصرية، والبيع لمستثمرين استراتيجيين، وزيادة رؤوس أموال الشركات، وبينما تم الانتهاء من صفقات كبرى في قطاعات الأسمدة، والبتروكيماويات، والاتصالات، والفنادق التاريخية، والتبغ، لا تزال هناك ملفات حيوية في مراحل "التجهيز النهائي".

وفي ديسمبر 2024، أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نية الحكومة طرح حصص في 10 شركات مملوكة للدولة خلال 2025، بينها سايلو فودز، ووطنية، وصافي، وتشيل أوت، ومحطة رياح جبل الزيت، وبنك الإسكندرية، وبنك القاهرة. غير أن هذه القائمة ظلت، حتى مطلع 2026، أقرب إلى مرحلة التجهيز منها إلى التنفيذ المكتمل، باستثناء طرح المصرف المتحد بنسبة 30% في ديسمبر 2024 كخطوة أولية.

وحتى نشر هذا التحقيق، لم تكن النسخة المحدثة من وثيقة ملكية الدولة قد صدرت بعد، بصورة رسمية كما لم تُنشر القائمة النهائية المحدثة للشركات المخطط طرحها.

وفي المقابل، تشير المراجعتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد الدولي إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف إتمام 4 صفقات رئيسية قبل نهاية البرنامج، بعوائد متوقعة تقارب 1.5 مليار دولار؛ وهو ما يجعل برنامج الطروحات في لحظة اختبار بين التعهدات المعلنة والتنفيذ الفعلي؛ وجاءت المتابعة الحكومية الأخيرة لتؤكد أن الملف دخل مرحلة حسم إجرائي أوسع.

في أحدث متابعة حكومية للملف -مايو 2026- ، استعرضت المجموعة الوزارية الاقتصادية، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، موقف الاستعداد للمراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، مع التأكيد على استمرار السياسات الداعمة لتمكين القطاع الخاص، وفي مقدمتها برنامج الطروحات الحكومية وتحديث وثيقة ملكية الدولة. كما جرى عرض تعديلات النسخة المحدثة من الوثيقة، بما يشمل صياغة رؤية أوضح لدور الدولة في القطاعات المختلفة، سواء بالتخارج أو الاستمرار أو الشراكة، تمهيدًا لعرضها على مجلس الوزراء.

وعلى مستوى التنفيذ، أعلنت وحدة الشركات المملوكة للدولة قيد 12 شركة من أصل 20 شركة تابعة للشركات القابضة بوزارة قطاع الأعمال سابقًا في البورصة، مع تجهيز 8 شركات أخرى للقيد المؤقت، وتحضير 10 شركات من قطاع البترول للقيد، إلى جانب نقل ملكية عدد من الشركات إلى صندوق مصر السيادي.

وشدد رئيس الوزراء على ضرورة حسم مصير هذه الشركات قبل 30 يونيو المقبل، بما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا مباشرًا لقدرة الوثيقة المحدثة على الانتقال من إعادة التنظيم إلى التنفيذ الفعلي.

- التحديات والمعوقات المؤثرة على وتيرة التنفيذ

لا تبدو تحديات التنفيذ مرتبطة بعامل واحد، بقدر ما تتداخل فيها اعتبارات التقييم، وإجراءات الفحص والتدقيق، وتوقيتات الطرح، وقدرة الحكومة على الحصول على عروض سعرية تعكس القيمة الحقيقية للأصول.

كما شكلت التقلبات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية ضغطاً على شهية الاستثمار الأجنبي، فضلاً عن السعي الحكومي لتحقيق توازن دقيق بين سرعة التخارج وضمان الحصول على عروض سعرية تعكس القيمة الحقيقية للأصول، خاصة في ظل تحركات سعر الصرف التي فرضت واقعًا جديدًا على عمليات التقييم.

وبالتوازي مع برنامج الطروحات، فعلت الدولة إجراءات حاسمة لضمان "الحياد التنافسي" وتكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص . وتجلى ذلك في تشكيل "اللجنة العليا لتعزيز سياسة المنافسة والحياد التنافسي" برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وإنشاء إدارة متخصصة داخل جهاز حماية المنافسة لمتابعة اللوائح التي قد تعيق دخول القطاع الخاص للأسواق؛ وبذلك، تبدو التحديات أمام الوثيقة مزدوجة: تحديات تنفيذية مرتبطة بتوقيت الطروحات وتقييم الأصول، وتحديات مؤسسية تتعلق بضمان أن يؤدي التخارج إلى منافسة حقيقية لا إلى مجرد انتقال للملكية.

- الإصلاح الهيكلي لا يبدأ بالطروحات وحدها

في تحليل معمق لـ"وثيقة ملكية الدولة والاستثمار العام"، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، البرلماني والخبير الاقتصادي وعضو عدد من اللجان الاستشارية التابعة لمجلس الوزراء في مصر، أن الدولة تواجه تحديات هيكلية في دورها بالاقتصاد وكفاءة استثماراتها العامة، مشددًا على أهمية محورين مترابطين: إصلاح ملكية الدولة في النشاط الاقتصادي، وترشيد الاستثمارات العامة لتعظيم الأثر التنموي.

"الدولة تمتلك حصصًا مؤثرة في قطاعات عديدة رغم برامج الخصخصة، ما يؤدي إلى هيمنة الشركات العامة وضعف الكفاءة وتحميل الموازنة أعباء، ومزاحمة القطاع الخاص بسبب امتيازات تنافسية غير مبررة تحول دون تكافؤ الفرص"، يقول فؤاد، مضيفًا: "أطرح وثيقة سياسة ملكية الدولة كخارطة طريق للتخارج المنظم من أنشطة يقودها القطاع الخاص بكفاءة أعلى، مع الانتقال من لاعب مزاحم إلى ضابط إيقاع يضمن المنافسة العادلة والحوكمة".

يشدد فؤاد أن "السردية الوطنية تقر بضرورة تقييد الانخراط التشغيلي المباشر، لكن التطبيق يفتقر للاتساق، فبعض الشركات العامة تحتفظ بأفضلية تنظيمية"، محذرًا من "فجوة بينية بسبب غياب تعريف قانوني ملزم لملكية الدولة؛ ما يجعل حجمها غير قابل للقياس". ويثني على "المقاربة التدريجية بانتقال الأصول إلى أذرع استثمارية مؤسسية كتجارب المغرب وفيتنام".

"تعاني مصر من انخفاض كفاءة الاستثمار العام رغم حجمه الضخم، بسبب ضعف التخطيط وغياب تقييم الجدوى الصارم، وتأخر التنفيذ، وتركيز على البنية التحتية على حساب الاستثمار البشري"، يوضح فؤاد، مشيرًا إلى "فجوة بين الإنفاق والنمو المتحقق بسبب تباين جودة المشروعات"، واصفا السردية بأنها "تبنت حوكمة الاستثمارات لإفساح المجال للقطاع الخاص، لكنها تصريحية أكثر من كونها آليات قابلة للقياس".

يوصي فؤاد بتنقيح الوثيقة بجداول زمنية 3-5 سنوات وقوة قانونية، وتعزيز حوكمة الشركات بمجالس مستقلة وإفصاح، داعيًا إلى "ربط الاستثمار بالإنتاجية، ونشر تقارير دورية شفافة، وإعادة توجيه نحو قطاعات عالية المرود كالتصدير والطاقة".

"تنفيذ هذه التوصيات كفيل بنقلة نوعية، إعادة ضبط الدولة كممكن ذكي مع إنفاق حكيم، مستلهمًا تجارب البرازيل وإندونيسيا، لنمو مستدام يقوده القطاع الخاص"، يختم الدكتور محمد فؤاد تحليله، مؤكدًا أن الإصلاح عملية مستمرة تتطلب مثابرة سياسية.

- مقارنة مع برنامج صندوق النقد: دليل إضافي على الفرضية

في المراجعة الرابعة لاتفاق التسهيل الائتماني الممتد مع مصر ، اتخذ صندوق النقد الدولي موقفًا حذرًا من وتيرة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، معتبرًا أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية لا يزال "مختلطًا"، وأن تمكين القطاع الخاص ما زال دون المستوى المطلوب ليصبح محركًا رئيسيًا للنمو.

ويشير التقرير إلى عدم الإعلان عن طروحات جوهرية منذ أكتوبر 2022، وهو ما دفع الصندوق إلى خفض توقعاته لإيرادات البرنامج من 3 مليارات دولار إلى 0.6 مليار دولار فقط في السنة المالية 2024/2025، مع توصية صريحة بـ"تسريع الطروحات" باعتبارها أولوية لخفض الدين وتعزيز المنافسة.

ثم جاءت المراجعتان الخامسة والسادسة لتؤكدا استمرار مركزية هذا الملف؛ إذ أشار تقرير الصندوق إلى أن برنامج الطروحات واجه تأخيرات خلال العامين الماضيين بسبب الظروف الإقليمية والدولية الصعبة، لكنه لا يزال ركنًا أساسيًا في سياسة ملكية الدولة والموجة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية المدعومة من الصندوق، باعتبار حصيلته أداة مهمة لتمويل البرنامج وخفض الدين.

ويشير التقرير إلى أن وثيقة سياسة ملكية الدولة، المنشورة بنهاية 2022، تستهدف تقليل دور الدولة في القطاعات غير الاستراتيجية وتعزيز تكافؤ الفرص، مع التزام حكومي بالتخارج من هذه القطاعات بحلول 2027. ورغم بيع حصص في 9 شركات بقيمة تقترب من 2.2 مليار دولار خلال 2023 و2024، فإن هذا المسار ظل أقل من الطموح الأصلي للبرنامج.

مصدر الصورة

في هذا السياق، قدمت وزارة المالية في أكتوبر 2025 برنامجًا محدثًا للطروحات إلى صندوق النقد الدولي، يركز على عدد محدود من الصفقات الرئيسية في قطاعات المال والتأمين والمطارات والطاقة المتجددة واللوجستيات، قبل أن يوضح تقرير المراجعتين الخامسة والسادسة أن المرحلة المقبلة تستهدف إتمام أربع صفقات رئيسية قبل نهاية البرنامج بعوائد متوقعة تقارب 1.5 مليار دولار.

ويعكس تركيز البرنامج المحدث على عدد محدود من الصفقات الكبرى أن التنفيذ ما زال يميل إلى صفقات ذات أثر تمويلي سريع، أكثر من كونه مسار تخارج واسعًا ومنتظمًا يعيد رسم دور الدولة في قطاعات متعددة. ويتقاطع هذا المسار مع اعتماد أوسع على صفقات استثمارية كبرى ذات أثر دولاري مباشر، لكنها لا تكفي وحدها لقياس مدى تحقق هدف الوثيقة في تقليص بصمة الدولة وتمكين القطاع الخاص.

- الأثر المباشر على الدين

أدى تأخر برنامج الطروحات إلى تقليص الموارد المتاحة لخفض الدين، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات التمويلية الإجمالية لمصر مرتفعة؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن تدور حول 40% من الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وأن تظل أعلى من 30% على المدى المتوسط.

ويشير الصندوق إلى أن مسار خفض الدين يعتمد، بين ركائز أخرى، على استخدام حصيلة بيع أصول الدولة، مع تعهد السلطات بتوجيه ما لا يقل عن 50% من حصيلة التخارج المستقبلية إلى خفض الدين المحلي قصير الأجل.

لذلك، فإن تباطؤ الطروحات لا يضغط فقط على ملف تمكين القطاع الخاص، بل يقلل كذلك من الموارد التي كان يمكن استخدامها لتخفيف عبء الدين، في ظل كلفة فوائد مرتفعة بلغت نحو 9.8% من الناتج المحلي في 2023/2024.

- الآثار غير المباشرة

يمتد أثر التأخير إلى ما هو أبعد من الدين المباشر؛ فاستمرار الاحتياجات التمويلية المرتفعة، والاعتماد الكبير على أدوات الدين المحلي، يعمّقان العلاقة بين المالية العامة والقطاع المصرفي، في ظل احتفاظ البنوك بحصة كبيرة من الأوراق الحكومية.

ومع تباطؤ الطروحات، تتراجع الموارد التي كان يمكن أن تخفف هذا الضغط، بما يزيد صعوبة خفض الدين، ويرفع كلفة التمويل، ويحد من هامش المناورة المالية في مواجهة الصدمات الخارجية، مثل تراجع إيرادات قناة السويس.

مصدر الصورة

واستهدفت موازنة 2025/2026 تحقيق فائض أولي بنحو 4% من الناتج المحلي، مع التزام لاحق بالوصول إلى 5% في 2026/2027، ضمن مسار أوسع لخفض الدين واحتياجات التمويل.

وفي هذا السياق، يطالب صندوق النقد بتسريع الطروحات باعتبارها ركيزة في استراتيجية إدارة الدين متوسطة الأجل، وأداة لتخفيف مخاطر التمويل وتعزيز المنافسة. فاستمرار التأخير لا يضغط فقط على الاستدامة المالية، بل قد يحد أيضًا من قدرة الاقتصاد على بلوغ معدلات النمو المتوقعة على المدى المتوسط.

- الطروحات الحكومية في مصر.. فجوة التنفيذ لا النوايا!

يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي هاني أبو الفتوح، أن برنامج الطروحات الحكومية في مصر يعكس مفارقة واضحة بين الطموح المعلن والنتائج المحققة؛ إذ لم تتجاوز نسبة التنفيذ 48% خلال الفترة من مارس 2022 إلى يونيو 2025، بحصيلة 5.86 مليارات دولار من مستهدفات أكبر، ما يثير تساؤلات حول قدرة البرنامج على تمكين القطاع الخاص مقابل دوره في سد فجوات تمويلية عاجلة.

ويشير أبو الفتوح إلى أن الصفقات الكبرى تظل ضرورية لدعم الاستقرار المالي وتوفير موارد دولارية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد تنافسي مستدام؛ فحتى مع دخول صفقات ضخمة ذات أثر دولاري مباشر، مثل رأس الحكمة، يظل السؤال قائمًا حول ما إذا كانت هذه التدفقات تعكس تمكينًا هيكليًا للقطاع الخاص، أم حلولًا تمويلية مهمة لا تغيّر بالضرورة قواعد المنافسة داخل السوق.

وفي القطاع المصرفي، يؤكد أن استمرار اعتماد الدولة على التمويل المحلي يكرّس ظاهرة المزاحمة، حيث تظل البنوك من أكبر حائزي الأوراق الحكومية، بما يحد من المساحة المتاحة لإقراض الشركات الخاصة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يؤدي، في تقديره، إلى تفاقم ما يسميه بـ"الأنيميا التمويلية"، وحرمان الشركات الخاصة، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، من فرص النمو.

ويرى أبو الفتوح أن طرح بعض الشركات المملوكة للدولة يمثل مؤشرًا مهمًا على جدية تنفيذ البرنامج، إلا أن التأخير في حسم ملفات مثل وطنية وصافي وتشيل أوت، رغم إعلان الحكومة إدراجها ضمن خطط الطرح وتعيين مستشارين لبعض الشركات، يرسل رسالة سلبية للمستثمرين بشأن صعوبة تقليص بصمة الدولة، ويؤثر على ثقة السوق في انتظام البرنامج وجدوله الزمني.

وفي ملف الحياد التنافسي، يوضح أن إلغاء الإعفاءات الضريبية والرسوم المقررة لبعض شركات الدولة، في ضوء القانون رقم 195 لسنة 2023، يمثل خطوة مهمة لتعزيز المنافسة العادلة. كما تشير بيانات حكومية إلى أن تطبيق هذا المسار أسفر عن تقديرات ضريبية إضافية بمليارات الجنيهات، بالتوازي مع فحص جهاز حماية المنافسة نحو 1350 حالة ضمن استراتيجيته 2021–2025. غير أن أبو الفتوح يرى أن التعقيدات التنظيمية والبيروقراطية ما زالت تميل الكفة لصالح الشركات العامة، بما يجعل الحياد التنافسي غير مكتمل فعليًا.

وعلى مستوى المؤشرات الكلية، يلفت أبو الفتوح إلى تحسن عدد من الأرقام المرتبطة بدور القطاع الخاص؛ إذ بلغ متوسط مساهمته في الناتج المحلي نحو 76% خلال عامي 2022/2023 و2023/2024، وارتفع متوسط مساهمته في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 49.2% بعد تنفيذ الوثيقة، مع تسجيل نسب أحدث أعلى في الاستثمارات الخاصة خلال 2024/2025 و2025/2026.

كما ارتفعت مساهمته في التشغيل إلى نحو 81.7% في المتوسط لعامي 2023 و2024، وتراجع معدل البطالة إلى 6.6% في 2024، قبل أن تظهر بيانات لاحقة انخفاضًا أكبر خلال 2025.

وفي المقابل، يؤكد أن هذه المؤشرات لا تخلو من ملاحظات جوهرية؛ فمتوسط صافي الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفع إلى 28.1 مليار دولار خلال عامي 2022/2023 و2023/2024، لكنه تأثر بقوة بالقفزة الاستثنائية الناتجة عن صفقة رأس الحكمة. كما تباطأ التضخم السنوي في المدن إلى 12.3% في نوفمبر 2025، وارتفع رأس المال السوقي للبورصة وفق التقرير الثالث إلى نحو 1.95 تريليون جنيه، لكن هذه الأرقام لا تكفي وحدها للحكم بحدوث تمكين هيكلي كامل للقطاع الخاص.



الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا