بين جدران حي اللبان القديم بالإسكندرية، وفي أزقة تفوح منها رائحة الماضي، لا يزال صدى صرخات مكتومة يتردد في الذاكرة الشعبية المصرية.
هنا في هذا الحي الساحلي، تحولت غرف النوم العادية إلى "مقابر جماعية" في واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ الجنائي العربي، حكاية مقابر "ريا وسكينة" ليست مجرد قصة سينمائية، بل هي واقع دموي دُفنت تفاصيله تحت بلاط المنازل.
بدأت الرحلة من "بيت الجمالية" وصولاً إلى "حارة النجا"، حيث استغلت الشقيقتان ريا وسكينة همام الطبيعة المعمارية لبيوت الإسكندرية القديمة في مطلع القرن العشرين، كانت الأرضيات تتكون من طبقات من الرمل تليها "بلاطات" حجرية سهلة الرفع، وهو ما منح العصابة فرصة ذهبية لتحويل "أرضية الغرف" إلى مدافن سرية لا يمكن للعين المجردة اكتشافها.
لم تكن المقابر مجرد حفر عشوائية، بل كانت "هندسة للموت"، فبمجرد استدراج الضحية وخنقها، كان يتم رفع البلاط وحفر التربة الرملية لعمق كافٍ، ثم وضع الجثة وردمها بالرمل والتراب، وفي لمسة شيطانية لإخفاء رائحة التعفن التي قد تثير الشكوك، دأبت الشقيقتان على حرق كميات كبيرة من "البخور" بشكل دائم، فضلاً عن رش مياه غنية بالملح والمواد المطهرة فوق البلاط، لتبدو الغرفة طبيعية تماماً لمن يدخلها.
المثير في حكاية هذه المقابر، أن الضحايا اللاتي وصل عددهن لـ 17 سيدة، دُفنّ في غرف كانت تمارس فيها العصابة حياتها اليومية من طبخ ونوم واستقبال الزبائن، فكانت ريا تجلس ببرود فوق "البلاطة" التي تواري جثمان جارتها أو صديقتها، في مشهد يجسد أقصى درجات الجمود الإنساني.
انتهت أسطورة "مقابر الغرف" حين بدأت رائحة الموت تنتصر على البخور، وحين اكتشف أحد الملاك أثناء عملية ترميم "ريحة غريبة" وشكوكاً في تربة الأرضية، لتتكشف الفظائع وتخرج الجثث واحدة تلو الأخرى من تحت أقدام السفاحتين، وتتحول هذه البيوت إلى مزارات شاهدة على أبشع "مقبرة منزلية" في تاريخ مصر الحديث، تذكرنا دائماً بأن الموت قد يسكن أحياناً تحت أقدامنا ونحن لا نشعر.
المصدر:
اليوم السابع