في أحد البيوت الريفية البسيطة، تجلس ستينية أمام فرنها البلدي، تتابع النار المتوهجة بعينين تحملان الكثير من الحنين لسنوات مضت، بينما تنبعث رائحة الطعام البلدي التي تعيد للأذهان تفاصيل الحياة القديمة في الريف المصري.
"الفرن البلدي ده حكاية من ريحة الزمن الجميل في بيوتنا.. متربيين عليه وما نعرفش نستغنى عنه، وزمان مكنش فيه بيت يخلو منه، وكانت البنت لازم تتعلم أصوله قبل الجواز".. بهذه الكلمات المفعمة بالحنين، بدأت الحاجة عطيات بسيوني الدهشوري حديثها لـ "مصراوي".
السيدة الستينية، ابنة مركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، لم تكتفِ باستعادة الذكريات، بل رصدت تفاصيل علاقة الأجيال بهذا الركن الأصيل في البيت الريفي، مستعرضةً الفوارق بين الماضي القريب والواقع الحالي، وكيف صمد "الفرن البلدي" كرمز للبركة والأصالة في قلب القرى المصرية.
وكشفت الحاجة عطيات أن "الفرن البلدي" لم يعد مجرد إرثٍ قديم، بل عاد ليكون ركيزة أساسية لدى أغلب الأسر في القرى والأوساط الريفية؛ فربات البيوت وجدن فيه الملاذ الآمن لطهي الطعام والخبز، مدفوعاتٍ بميزتين لا تُخطئهما عين: جودة طعام متميزة تعجز أفران الغاز الحديثة عن مضاهاتها، وتكاليف تشغيل بسيطة تكسر حدة الارتفاع المتتالي في أسعار أسطوانات الغاز.
وكانت أسعار أسطوانات الغاز (البوتاجاز) في مصر، شهدت زيادة جديدة في مارس 2026، لتصبح الأسعار الرسمية 275 جنيهًا للأسطوانة المنزلية (12.5 كجم) من المستودع، وتصل إلى حوالي 285-300 جنيه عند التوصيل للمنازل، بينما سجلت الأسطوانات التجارية (25 كجم) 550 جنيهًا.
وفي سياق حديثها لـ "مصراوي"، لمحت "الدهشوري" إلى عودة قوية للفرن البلدي في الآونة الأخيرة؛ حيث دفع الارتفاع الملحوظ في أسعار "الأنبوبة" وشكاوى الأسر المتكررة الكثيرين إلى إعادة بناء الأفران الطينية في منازلهم مجدداً، مؤكدة أن الاعتماد عليه أصبح ضرورة اقتصادية قبل أن يكون رفاهية تراثية.
بثقة الخبيرة، ترى الحاجة عطيات أن "النفس" في الأكل يبدأ من نار الفرن البلدي، موضحة أن أفران الغاز "تلتهم" الوقود وتُخرج طعاماً باهت المذاق، بينما يمنح الفرن الطيني نكهة خاصة لأشهر الأكلات الريفية، وعلى رأسها "برام الأرز الدس" (الأرز المعمر بالفلفل الأسود)، وطواجن الخضار والطيور، وصولاً إلى المخبوزات التي تشتهر بها الدلتا مثل "الفطير، الرقاق، والقرص الفلاحي (البكاكين)".
وتشرح السيدة الستينية الجدوى الاقتصادية من استخدام الفرن البلدي قائلة: "تكاليف الفرن البلدي بسيطة جداً.. بنستخدم قش وحطب ومخلفات قصب، كلها حاجات متوفرة ومش محتاجين نلاحق على سعر الأنبوبة اللي بقى بمئات الجنيهات"، لافتة إلى أن "عفش الأرض" يتحول في فرنها إلى طاقة طهي جبارة بلا تكلفة تُذكر.
وبحنين جارف، استعادت ذكريات التجمعات القديمة، حين كان الخبز "عيداً" أسبوعياً لنساء القرية، حيث تخصص كل سيدة يوماً لخبز "العيش الرَحّ" و"البتاو"، في أجواء تملؤها المودة: "كنا بنتجمع جيران وقرايب.. اللي تخبز الكل يساعدها، وفي الآخر نفرح العيال الصغيرة بـ (بتاوي بالسكر والسمن الفلاحي)".
تؤكد الحاجة عطيات أن "عفش" العروسة قديماً كان لا بد أن يتضمن أدوات الخبز كـ "المطارح" وألواح العجين، فتعلم أصول الفرن كان معياراً لـ "ست البيت الشاطرة"، وتضيف بلهجة حاسمة: "كان يبقى عيب في حق البنت وأهلها لو راحت بيت جوزها وما بتعرفش تقعد قدام الفرن البلدي.. دي كانت أصول التربية".
عقدت "الدهشوري" مقارنة حزينة بين ماضٍ كان يقدس المسؤولية والترابط الاجتماعي رغم صعوبة الحياة، وحاضرٍ تغيرت فيه المفاهيم، حيث كانت "لمة الفرن" تمنح البيوت دفئاً افتقده الكثيرون اليوم وسط صخب الحياة الحديثة.
وفي ختام حديثها لـ "مصراوي"، لم تخلُ كلمات الحاجة عطيات من "قفشة" مصرية ضاحكة، قارنت فيها بين أمهات الأمس واليوم، قائلة: "هات لي النهاردة أم تعرف يعني إيه فرن بلدي! أمهاتنا زمان علمونا الطبخ والخبز عشان البنت ترفع رأسها في بيت جوزها.. إنما الأم النهاردة بتجوز بنتها وتجيب لها المحمول ومعاه كارت الشحن".
المصدر:
مصراوي