آخر الأخبار

سلوى الشوان تواصل رحلة بحث وتحليل الموسيقى المصرية الحديثة

شارك

• الباحثة تتوصل إلى أن الأوبرا المصرية لا يوجد مثيل لها فى العالم
• لقاءات مع سمير فرج وعبد الدايم وابنة الحفنى وفاروق حسنى .. وتسجيل شهادات نادرة لرواد الموسيقى

تزور مصر حاليًا الدكتورة سلوى الشوان، الباحثة وأستاذة علم موسيقى الشعوب فى عدد من الجامعات والمعاهد العالمية، ومؤسسة معهد موسيقى الشعوب فى لشبونة بالبرتغال، وذلك فى إطار استكمال أبحاثها وكتابها المرتقب عن الموسيقى المصرية فى العصر الحديث، والذى بدأت العمل عليه منذ عام 2023.

وتأتى هذه الزيارة فى سياق مشروع علمى واسع النطاق، تسعى من خلاله إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة للموسيقى المصرية، عبر رصد تطورها التاريخى، واستكشاف تفاعلاتها مع الموسيقى العالمية، فضلًا عن تحليل أبعادها الاجتماعية والثقافية.

وخلال وجودها فى القاهرة، عقدت سلسلة من اللقاءات مع عدد من الشخصيات البارزة التى لعبت أدوارًا مؤثرة فى الحياة الموسيقية، من بينهم الدكتور سمير فرج، والدكتورة إيناس عبد الدايم، والدكتورة جيهان مرسى، إلى جانب لقاء خاص مع علا عبيد، ابنة الدكتورة رتيبة الحفنى.

وتركز هذه اللقاءات على استكمال فصل مهم فى كتابها يتناول تجربة دار الأوبرا المصرية، خاصة منذ افتتاحها فى شكلها الحديث، باعتبارها نموذجًا فريدًا على مستوى العالم. وتشير الشوان فى دراستها إلى أن الأوبرا المصرية تمثل حالة استثنائية، كونها المؤسسة الوحيدة تقريبًا التى تقدم مجموعة واسعة من الفنون الموسيقية، تشمل الموسيقى الكلاسيكية الغربية، والموسيقى العربية، والغناء الأوبرالى، إلى جانب فنون الباليه والعروض متعددة التخصصات، وهو ما يعكس تنوعًا ثقافيًا له دلالات اجتماعية عميقة.

ويتضمن الكتاب فصلًا خاصًا عن رؤساء دار الأوبرا السابقين، تحلل فيه فترات توليهم المسئولية، وما قدمه كل منهم من إضافات للحركة الفنية، مع رصد الفروق الفردية الواضحة بينهم، وتأثير هذه الفروق على تطور المؤسسة. كما تخصص فصلًا مستقلًا للدكتورة رتيبة الحفنى، تقديرًا لدورها الرائد كمغنية أوبرا ومؤسسة لـ مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، الذى أصبح أحد أهم المنصات للحفاظ على التراث الموسيقى العربى.

ولا يقتصر الكتاب على الجانب المؤسسى، بل يمتد ليشمل تحليلًا دقيقًا لبرامج الأوبرا خلال السنوات الأخيرة، وطبيعة الجمهور الذى يرتادها، وأنماط التلقى الفنى، وأنواع العروض التى تحظى بإقبال أكبر، فى محاولة لفهم العلاقة بين المؤسسة الثقافية وجمهورها، بوصفها علاقة ديناميكية تتأثر بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية.

كما يضم العمل فصلًا عن مؤلفى الموسيقى الجادة فى مصر، وفى مقدمتهم والدها الموسيقار عزيز الشوان، حيث تسعى إلى إعادة قراءة إسهامات هذا الجيل فى تأسيس هوية موسيقية مصرية معاصرة. ويتناول الكتاب أيضًا الموسيقى العربية من خلال دراسة تحليلية مدعومة بشهادات نادرة، من أبرزها حوار مسجل مع المايسترو عبد الحليم نويرة، أجرته الشوان قبل رحيله، ويمتد لثلاث ساعات، وتعتبره وثيقة فنية وتاريخية بالغة الأهمية.

وتعود الشوان فى كتابها إلى الجذور الأولى للمشروع الثقافى المصرى الحديث، متوقفة عند الخطة الطموحة التى وضعها الدكتور ثروت عكاشة خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والتى أسست لبنية ثقافية ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم، من خلال إنشاء مؤسسات مثل أكاديمية الفنون، وتأسيس الفرق الموسيقية القومية، وعلى رأسها الأوركسترا السيمفونى المصرى، إلى جانب فرق الأوبرا والباليه.

وفى سياق بحثها، تركز الشوان على الفترة الممتدة من الثلاثينيات إلى السبعينيات، باعتبارها مرحلة مفصلية فى تاريخ الموسيقى المصرية. وتوضح أن اختيارها لبداية الثلاثينيات يعود إلى انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية 1932، الذى شهد نقاشات عميقة حول مفهوم التراث الموسيقى وسبل الحفاظ عليه، بمشاركة باحثين من أوروبا والعالم العربى وتركيا، وهو ما جعله نقطة انطلاق علمية وفكرية لدراسة الموسيقى العربية.

أما السبعينيات، فتمثل نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث شهدت تحولات سياسية وثقافية كبرى، تزامنت مع نهاية الحقبة الناصرية، وبداية تغيرات أثرت على شكل الإنتاج الموسيقى والمؤسسات الثقافية.

ومن أبرز المحاور التى تطرحها الشوان فى كتابها، دور الجاليات الأجنبية فى تشكيل الحياة الموسيقية فى مصر، خاصة خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث تشير إلى أن التفاعل بين الموسيقيين المصريين والأجانب كان أكثر عمقًا مما كان يُعتقد. فقد ساهم أساتذة أجانب فى تأسيس التعليم الموسيقى الأكاديمى، سواء داخل الكونسرفتوار المصرى أو من خلال الدروس الخاصة، وكان لهم دور بارز فى تكوين أجيال من الموسيقيين.

وتؤكد أن هذا التفاعل لم يكن أحادى الاتجاه، بل كان تبادليًا، حيث درس موسيقيون مصريون الموسيقى الغربية إلى جانب العربية، مثل المايسترو عبد الحليم نويرة، وهو ما يعكس حالة من الانفتاح الثقافى والتكامل الفنى.

كما تتوقف الشوان عند معضلة نقص التوثيق، معتبرة أنها واحدة من أبرز التحديات التى تواجه الباحثين فى هذا المجال. وتشير إلى صعوبة الوصول إلى الأرشيفات، وقلة المواد الموثقة حول العديد من الشخصيات الموسيقية، فضلًا عن ضعف ثقافة التوثيق لدى بعض الفنانين أنفسهم، ما يؤدى إلى ضياع جزء كبير من الذاكرة الفنية.

وتشدد على أهمية التسجيلات الصوتية واللقاءات الشفوية، التى قد تكشف عن معلومات غير مدونة، لكنها فى الوقت نفسه تواجه صعوبات فى الوصول إلى عائلات بعض الموسيقيين أو الحصول على موافقتهم، وهو ما يعطل عملية البحث.

وتسعى الدكتورة سلوى الشوان، خلال وجودها الحالى فى القاهرة، إلى ترتيب لقاء مع الفنان والوزير الأسبق فاروق حسنى، فى إطار استكمال رؤيتها البحثية حول تطور السياسات الثقافية فى مصر، ودورها فى تشكيل البنية الموسيقية والمؤسسية.

ويأتى هذا اللقاء المرتقب نظرًا لما يمثله فاروق حسنى من حالة خاصة فى تاريخ الإدارة الثقافية، إذ تولى حقيبة الثقافة لنحو أربعة وعشرين عامًا (1987–2011)، وهى واحدة من أطول الفترات التى قضاها وزير ثقافة فى مصر، ما جعله شاهدًا رئيسيًا على تحولات كبرى شهدتها المؤسسات الفنية، وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية.

وترى الشوان أن هذه الفترة الممتدة تتيح قراءة عميقة لفلسفة إدارة الثقافة فى مصر، خاصة فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية للمؤسسات، وتوسيع قاعدة النشاط الفنى، والانفتاح على التجارب العالمية، وهو ما انعكس على طبيعة البرامج الفنية وتنوعها داخل الأوبرا، وكذلك على انتشار المهرجانات والفعاليات الثقافية فى مختلف المحافظات.

ومن المنتظر أن يتناول اللقاء عددًا من المحاور المهمة، من بينها رؤية فاروق حسنى لدور الدولة فى دعم الفنون، وكيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على العالم، فضلًا عن تقييمه لتجربة الأوبرا المصرية خلال فترة توليه المسئولية، وما شهدته من توسع فى الأنشطة وتعدد فى الفرق الفنية.

كما يمثل هذا اللقاء إضافة نوعية لمشروع الشوان، الذى يعتمد فى جزء كبير منه على الشهادات الحية لصنّاع القرار والمبدعين، بهدف تقديم صورة أكثر اكتمالًا ودقة عن تاريخ الموسيقى والمؤسسات الثقافية فى مصر، بعيدًا عن القراءة الأحادية أو التوثيق الناقص.

وتؤكد الشوان أن توثيق تجارب القيادات الثقافية، خاصة من امتد تأثيرهم لسنوات طويلة، يمثل ضرورة علمية، لأنه يربط بين السياسات العامة والنتائج الفنية على أرض الواقع، وهو ما تسعى إلى رصده وتحليله ضمن كتابها، الذى يتتبع مسار الموسيقى المصرية فى سياقها المؤسسى والتاريخى.

وفيما يتعلق بمسيرتها الشخصية، تشير الشوان إلى أنها تخرجت فى الكونسرفتوار عام 1970، ضمن دفعة ضمت عددًا من الأسماء البارزة، ثم سافرت إلى Manhattan School of Music لدراسة البيانو، قبل أن تكتشف شغفها بعلم موسيقى الشعوب، لتواصل دراستها فى جامعة كولومبيا، حيث حصلت على درجتى الماجستير والدكتوراه، وكانت رسالتها حول الموسيقى العربية فى مصر خلال نفس الفترة التى يتناولها كتابها الحالى.

وتخطط الشوان لإصدار كتابها باللغة الإنجليزية، والعربية إيمانًا منها بأهمية إتاحة هذا النوع من الدراسات للجمهور العربى، خاصة فى ظل الحاجة إلى مراجع علمية موثوقة توثق للتراث الموسيقى المصرى.

وتخلص الباحثة إلى أن التجربة المصرية، ممثلة فى المركز الثقافى القومى ودار الأوبرا، تقدم نموذجًا فريدًا يستحق الدراسة، ليس فقط من منظور فنى، بل أيضًا من زاوية اجتماعية وثقافية، تعكس طبيعة المجتمع المصرى وقدرته على استيعاب التنوع، وإنتاج صيغة خاصة به تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا