فرنسا تمنحه وسام الفنون والآداب تكريما لمشواره الفني
تُوِّج الفنان العالمي رمزي يسى بوسام «فارس» في وسام الفنون والآداب من الجمهورية الفرنسية، منذ ساعات، تكريما لمسيرة إبداعية استثنائية حملت مصر إلى أهم المسارح وقاعات الموسيقى في العالم.
لم يكن هذا التكريم مجرد وسام يُعلَّق على الصدر، بل هو شهادة دولية على رحلة فنان مصري أصيل صاغ من موهبته لغة عالمية، ومن موسيقاه جسرًا بين الحضارات؛ ليؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدودًا، وأن الفن الصادق قادر دائمًا على عبور القارات دون استئذان.
هو فنان ومبدع من طراز خاص، يحمل بين أنامله عبق مصر، ويعزف للعالم لحنًا من حضارة تمتد لسبعة آلاف عام. الفنان العالمي رمزي يسى ليس فقط عازف بيانو استثنائيًا، بل هو سفير للقوة الناعمة المصرية؛ رفع اسم بلده في المحافل الدولية، ووضعها على خريطة الموسيقى العالمية.
ورغم شهرته الواسعة ونجوميته في أهم العواصم الثقافية، يبقى رمزي يسى نموذجًا نادرًا للفنان الإنسان: البسيط، المتواضع، الذي لم تغيّره الأضواء. رمزي يسى هو واحد من هؤلاء… من أبناء هذه الأرض التي لا تنضب. هو من «ريحة مصر»، ومن ملامح وجهها الثقافي الأصيل.
إلى رحلة رمزي يسى مع الإبداع، وإلى مزيد من الفخر بقامات مصرية تُعطي ولا تنتظر، وتبدع في صمت، وتترك للعالم صدى لا يُنسى.
الصعيدي الجذور، وصاحب الاسم الفرعوني… تدرّب على أيدي كبار الأساتذة في أوروبا، وعزف في أكبر القاعات العالمية، ليصبح أحد أبرز من حملوا اسم مصر في الموسيقى الكلاسيكية.
رمزي يسى هو النموذج الأجمل للفنان المصري الذي وصل إلى العالمية دون صخب أو شو إعلامي. يتحدث معك عبر الهاتف دون وسيط «مدير أعماله» يردّ، بل يجيب بتواضع الكبار، وهو ما جعله محل احترام الجميع.
نستعرض هنا مشوار رمزي يسى: من شارع البستان إلى باريس عاصمة النور والجمال.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود كما يتخيّل البعض، بل بدأ في مصر طالبًا في الكونسرفتوار، ثم سافر في منحة إلى روسيا، وبعدها ذهب إلى فرنسا في إجازة صيفية للاطلاع والعمل، وهناك قرر الاستمرار.
في أوروبا، كان عليه أن يثبت نفسه بالعمل والموهبة معًا، لأن الغرب لا يمنح الفرص لأنصاف المواهب. وعندما اكتشفوا فيه الموهبة الحقيقية، فتحوا له أبواب الدراسة مجددًا، ثم تم تعيينه في المعهد الذي درس فيه، في شهادة تقدير نادرة لمسيرته.
مشوار رمزي يسى جدير أن يكون مرجعًا لشباب اليوم الباحثين عن فرصة، كما أنه درس مهم وملهم في مواجهة دعاوى «العالمية السهلة» التي يروّج لها البعض دون أساس حقيقي.
تبدأ الحكاية من منزل الأسرة في شارع البستان، على بعد خطوات من ميدان التحرير، ومن هناك خرجت موهبة استثنائية صنعت لنفسها مكانًا في العالم، حتى أصبح اسمه اليوم علامة مضيئة في الموسيقى الكلاسيكية العالمية.
والدته كانت كل شيء في حياته، وهي التي غرست فيه البذرة الأولى للموسيقى منذ الطفولة؛ بل يُقال إنها كانت تضع له الموسيقى وهو ما يزال في بطنها، لتبدأ الحكاية قبل الميلاد الفني بسنوات.
«يسى» يتحدث عن رحلته من منزل الأسرة في شارع البستان، الذي يقع على بعد خطوات من ميدان التحرير، حتى وصل إلى منزله في باريس.
في البداية قال: أنا صعيدي خالص. والدي ووالدتي من قنا والأقصر، واسم يسى ربما يكون اسمًا فرعونيًا.
ثم تحدث رمزي عن نشأته بقوله: نشأت في منزل الأسرة على حب البيانو. كانت والدتي تعزف عليه، وبالتالي كانت حريصة أن تعلّمني العزف، وهو الأمر الذي جعلني أرتبط به كثيرًا. وقد بدأت وأنا طفل الدراسة قبل افتتاح الكونسرفتوار. وكان أستاذي إيطاليًا مقيمًا في مصر، والجميل أنه ظل معي حتى ما بعد التخرج.
تقدمت إلى اختبارات القبول، وأتذكر أن وزير الثقافة ثروت عكاشة كان يقوم بجولة لمتابعة المولود الجديد، وهو الأكاديمية، وكان الامتحان في قصر هدى شعراوي. وبعد أن أعجب بأدائي، سألني عن اسمي، وتعرّف عليّ لأنه كان يعرف والدي؛ حيث كان طبيبًا في القوات المسلحة وقتها.
وقتها اتبعوا نظامًا مبتكرًا يعتمد على أن يحصل الطالب على الدروس من خلال الذهاب إلى الأستاذ في المنزل أو العكس؛ حتى يسهل على الموهوبين دخول الأكاديمية. كان الأمر أشبه بدرس خصوصي تتكفل الدولة بدفع أجره.
وما زال متحدثًا عن دور الدولة وقتها في دعم المواهب، حيث كان الأهم لديهم هو مستوى الطلاب وليس الحضور والغياب، لأنك في النهاية ستخضع لامتحان. لكن الوضع اختلف بعد المرحلة الأولى، حيث انتظمنا في الذهاب إلى المعهد لأننا بدأنا نتلقى دروسًا نظرية.
درست ثلاث سنوات إعدادي، وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، كنت أمام أمرين: إما الاستمرار في المعهد أو الانتقال إلى الدراسة العادية. ووقتها كنت أسأل نفسي: هل أصبح مهندسًا أو طبيبًا مثل والدي أم موسيقيًا؟ كان الأمر صعبًا، خاصة أننا في بداية الستينيات، حيث كان البعض يرى أن الموسيقى ليست مهنة. وفي النهاية دخلت الكونسرفتوار بتشجيع من أبو بكر خيرت. وللأسف، بعد أيام من الالتحاق رحل، وشعرت بعد رحيله بنوع من الحزن والغربة، لكنني تغلبت على ذلك.
ويواصل كلامه: ثم كانت رحلة السفر إلى أوروبا. تخرجت بامتياز في أواخر الستينيات. وقتها كانت علاقة مصر بالعالم الغربي ليست على ما يرام لأننا كنا بعد النكسة، وتحديدًا عام 1968، وبالتالي كانت إمكانية سفر مصري يدرس في أوروبا مسألة صعبة. لكن الجانب المضيء في الأمر أن علاقة مصر كانت جيدة مع الاتحاد السوفيتي. وكان العميد بعد أبو بكر خيرت إيطاليًا، ثم روسيا، والأخير كان من حظي لأنه جس نبض الأسرة في سفري إلى روسيا؛ ولأنهم كانوا محبين للفن ووالدتي أستاذة بيانو، وافقوا.
وما بين التخرج والدراسة، كنت قد ذهبت إلى إيطاليا لحضور مسابقة للمشاهدة فقط. كنت أريد أن أرى نفسي: وصلت إلى أي مرحلة؟ وشاء الحظ أن يشارك فيها عازفون روس، ووقتها كان خروج الروس إلى أوروبا صعبًا، فانبهرت بهم. وحصل ثلاثة عازفين روس على الجوائز الأولى والثانية والخامسة. وقتها تحمست جدًا بعد أن وجدت هذا المستوى، ثم جاءتني المنحة من روسيا.
وأضاف: سافرت إلى روسيا للدراسة بمعهد تشايكوفسكي، وكانت المنحة لعامين. وفي آخرها سافرت للمشاركة في مسابقات في فرنسا وحصلت على جائزتين دوليتين، وبعد أشهر شاركت في مسابقة أخرى في إيطاليا وحصلت على جائزة أخرى. هنا شعر الروس أنني أستحق أن يمدوا لي البعثة بمعهد تشايكوفسكي، أعرق معهد في العالم، ووصلت إلى خمس سنوات. وبالمناسبة، هذا المعهد يضم عددًا من المواهب غير الموجود في العالم.
خلال هذه الفترة كان هناك مصريون معي، منهم حسن شرارة وجمال سلامة ومصطفى ناجي وجابر البلتاجي، وقبلنا كان الجيل الأكبر مثل طه ناجي وسيد عوض وشعبان أبو السعد.
ويضيف يسى: بالفعل عدت إلى الكونسرفتوار، وعملت لمدة عام ونصف العام. وكان لدي إحساس بداخلي يقول إنني يجب أن أدرس العزف والتعليم في أماكن أخرى غير روسيا. وفعلاً سافرت إلى فرنسا في البداية بنية العمل لفترة والعودة خلال إجازة صيف؛ يمكن القول إنها كانت هروبًا من حر مصر.
جلست في باريس، وخلال الأشهر القليلة جاءتني فرصة لتسجيل برنامج موسيقي في الإذاعة. فقلت: أجلس فترة أخرى طالما حصلت على عائد مادي. لكن الوسيلة المتاحة لي للاستمرار كانت البحث عن سبب يمنحني الإقامة في فرنسا، ولم أجد غير الدراسة مرة أخرى.
وبالفعل عدت طالبًا مرة أخرى، ودرست في معهد «إيكول نورمال دي ميوزيك». وهناك وجدوني جاهزًا، فأعطوني منحة للدراسة. جلست سنة، وجربت دخول مسابقة في العزف. والمسابقات ليست مثل السينما؛ في الموسيقى والبيانو لها سن معين لا يزيد عن 30 عامًا، رغم أنني لم أكن أحب المسابقات لأن الفنون ليست مثل الرياضة. فالحافز دائمًا فني، والهدف ليس التفوق على الزملاء بقدر إثبات الموهبة. لكنني قررت أن أفتح بابًا جديدًا للإقامة هناك.
أرسلت خطابات إلى العديد من المسابقات، وجاءني منشور لبعضها. وكانت البداية في إسبانيا، وهناك حصلت على الجائزة الأولى، وكانت نقطة تحول في حياتي؛ لأنها كانت بمثابة اعتراف دولي بموهبتي يشجعني شخصيًا ويفتح باب الحفلات.
الجائزة المالية وقتها جعلتني أعيش سنة في فرنسا، وبدأت أعمل حفلات على سمعة هذه الجائزة.
ثم تعرفت على زوجتي، وهي ليست فنانة لكنها متذوقة جدًا وتعزف بشكل جيد. عندما تزوجت أصبحت لي صفة رسمية هناك، ولم أعد الأجنبي الذي انتهت تأشيرة دخوله. وبدأت أعمل حفلات مع أوركسترات عالمية، وتم تعييني كمدرس في المعهد الذي درست به. ومن وقتها وأنا أدرّس فيه منذ أواخر السبعينيات، ولي طلبة من كل العالم، وأشارك في تحكيم مسابقات دولية.
بعد ذلك، والكلام ما زال له عن القاعات التي عمل بها: هناك قاعات كثيرة جيدة لها جمهورها، لكن هناك قاعات لها نجومية، مثل قاعة الشانزليزيه في فرنسا، وقاعة ألبرت هول في بريطانيا، ومانسكي في سان بطرسبرج في روسيا، وغيرها.
لكنني في كل الجولات التي قمت بها، أعجبت بالتجربة الصينية؛ لأنهم جادون جدًا في عملهم. لدي في فرنسا طلاب من الصين، كل يوم يقومون ببناء قاعات كثيرة. هم يعتبرون أن الموسيقى تراث عالمي، لذلك كل البنية التحتية الموسيقية موجودة.
وأضاف: نعم يمكننا تكرار التجربة الصينية، لكن الأمر يحتاج إلى أموال. مصر فيها 100 مليون، والأكاديمية بكل ما فيها عدد قليل جدًا. كم عدد الخريجين منها؟ ولو حسبتها نسبة وتناسب تجد أننا متأخرون جدًا.
وعن يومه في فرنسا قال: يبدأ مبكرًا. ولدت في بيت يستيقظ مبكرًا. ومنذ الصغر كنت كذلك. والدي يقرأ الصحف، وتعودت على هذا الأمر. وأنا أدرس في موسكو كنت أكون في السابعة صباحًا في المعهد. وهذا الوقت هناك تكون الدنيا شبه مظلمة، لكنني كنت حريصًا على ذلك. الدراسة كانت تبدأ التاسعة، وقبل ذلك من يريد التدريب يذهب مبكرًا من السابعة حتى التاسعة، حيث تعمل على بيانو محترم وفي حجرة نظيفة تقوم بحجزها.
فترة الصباح هي أكثر فترة يكون ذهني فيها حاضرًا، ثم أبدأ مشواري مع التدريس أو التحضير للحفلات أو الرد على المراسلات.
وأجلس أمام الآلة أمارس التدريب يوميًا ما بين 3 و4 ساعات.
وعن مواصفات عازف البيانو قال: السينما فيها ممثل ومخرج. الموسيقى: العازف يكون مثل الممثل والمخرج معًا؛ لأنك تعزف العمل وتخرجه، لأنك تختار شكل إخراج العمل للناس.
بالإضافة إلى مواصفات شخصية منها أن اليد الكبيرة تسهل العزف لأن النوت كلها تحت يدك. لكن هناك من لديهم يد صغيرة ويعزفون بشكل جيد جدًا، إلى جانب ثقافة العازف، والدراسة مهمة.
وعن عازفي البيانو في مصر وتقييمهم قال:
فيه ناس أخجل أن أذكرهم؛ لأنهم كبار الآن في العزف وتخطوا مرحلة التقييم، منهم وائل فاروق، وميريت حنا، ومحمد شمس، وماجدة عمارة.
وعن تقييمه للحالة الفنية في مصر قال: إذا كان الجمهور يعرفني الآن، فعندما بدأت العزف منذ أيام المعهد قبل 50 سنة كان الناس تسمع وتستمتع بالأعمال الكلاسيكية. الآن هناك من لا يعرف عبد الوهاب ولا عبد الحليم حافظ. أحد أصدقائي استقل تاكسي واستمع إلى عمل مبني على أغنية «أهواك»، فسأل السائق عن صاحب هذا العمل، ولم يعرف أصل الأغنية لمَن. وهذا يؤكد عدم الوعي بتراث البلد؛ ليس مجرد اسم الفنان. فهل هناك ما هو أكثر من أن شخصًا لا يعرف تراث بلده؟
وأشار إلى أنه حريص على الإقامة في منزل الأسرة في شارع البستان عند حضوره إلى القاهرة؛ لأن هذا المكان هو الأنسب له. فهو يقع في وسط القاهرة، وعملي عند الحضور يكون بين الأوبرا والأكاديمية، لذلك فهو مناسب جدًا. بالإضافة إلى أنه عاش فيه كل ذكريات الأسرة وذكريات الدراسة في المعهد.
كما أنه يذهب أحيانًا إلى منزلهم القديم في مصر الجديدة، لكن شكل البلد يتغير بسرعة غريبة، لذلك أحيانًا لا يستطيع أن يتعرف عليه.
أما عن أولاده فقال: ابني في أمريكا، وعمله له علاقة بالفن لكن في مجال الإنترنت؛ حيث يقوم بتسجيلات خاصة بالموسيقى التي نسمعها في بعض الهواتف المحمولة، وهو درس الجيتار. وابنتي درست البيانو لكنها لا تعمل بالفن.
وعن المرأة في حياته قال: والدتي هي كل شيء. كانت أثناء الحمل تعزف لي وأنا في بطنها، وعندما ولدت شجعتني جدًا وكانت تنصحني، وكانت حريصة على تربيتي. وكانت دائمًا تقول لي: أي عمل تقوم به يجب أن تمنحه وقتك. واجب المدرسة مهم، والبيانو أو التنس مهم. الأم هي الداعم.
والزوجة مقدّرة جدًا، وتُفرق كثيرًا عندما تعي جيدًا طبيعة عملك.
المصدر:
الشروق