آخر الأخبار

أول تطبيق لقانون الإجراءات الجنائية الجديد: التصالح يلغي الإعدام

شارك

- النقض تخفف عقوبة مدانين بـ"القتل مع سبق الإصرار" من الإعدام إلى المؤبد والمشدد.. بعد تصالحهما مع ورثة المجني عليه

- المحكمة اعتبرته القانون "الأصلح للمتهمين" وفعّلت المادة 22 على الرغم من تأجيل نفاذه حتى أول أكتوبر المقبل

- المادة 22 ترسم واقعًا قانونيًأ جديدًا يسمح بالتصالح في جرائم الدم ويلزم المحاكم بتطبيق قواعد الرأفة

مبكرًا وقبل التطبيق الرسمي لقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 المقرر بدء تفعيله رسميًأ في أول أكتوبر المقبل عند بداية العام القضائي الجديد (2026-2027) أرست محكمة النقض مبدأ جديدًا بتطبيق نص المادة 22 من القانون التي تعتد لأول مرة في تاريخ التشريع المصري بالتصالح في جرائم الدم بين الجاني وورثة المجني عليه، وترتب على هذا الصلح –إلزاميًا- تخفيف العقوبة من الإعدام إلى السجن المؤبد أو المشدد، ومن المؤبد إلى المشدد أو السجن، ومن السجن المشدد إلى السجن أو الحبس ستة أشهر على الأقل، ومن السجن إلى الحبس ثلاثة أشهر على الأقل.

يفتح الحكم السبيل أمام إبرام التصالح بين الجناة وورثة المجني عليهم في قضايا القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت، وإثباته أمام المحاكم بدرجاتها المختلفة حتى صدور الحكم البات غير القابل للطعن.

وتنص المادة 22 المنظمة للتصالح في جرائم الدم على أنه "مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات".

والحالات المتاح فيها بهذه المادة التصالح تتعلق بالجرائم التالية: القتل العمد مع سبق الإصرار أو الترصد (230) والقتل باستخدام جواهر مخدرة أو السم (233) والقتل العمد دون سبق إصرار أو ترصد، وإذا اقترنت بجناية أخرى (234) والاشتراك في القتل الذي يستوجب الحكم على فاعله بالإعدام (235) والضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة المفضي إلى الموت مع سبق الإصرار أو الترصد أو دونهما (236). واستثنت مادة التصالح الفقرات الخاصة بالأغراض الإرهابية في تلك المواد العقابية.

التطبيق الأول للمادة 22

وفي حكم هو الأول من نوعه قضت المحكمة بالاعتداد بأثر التصالح الذي أبرمه دفاع متهمين مدانين اثنين بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد مع ورثة المجني عليه المقتول، وقررت في حكمها البات تخفيف العقوبة من الإعدام للاثنين إلى السجن المؤبد للمتهم الأول والسجن المشدد 10 سنوات للمتهم الثاني.

صدر الحكم من دائرة الخميس (و) برئاسة القاضي أحمد سيد سليمان، وعضوية القضاة عطية أحمد عطية وأشرف فريج ومحمود عاصم درويش ود. عاصم عسران، نواب رئيس المحكمة، وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض المستشار علي ماهر، وأمانة سر طارق عبدالمنعم (الطعن رقم 11458 لسنة 94 ق).

وكانت النيابة العامة قد أسندت إلى المتهمين بعد القبض عليهما أنهما قتلا عام 2022 شخصًا بعدما عقدا العزم وبيّتا النية على إزهاق روحه جزاء له على فعلته بالاستيلاء على مال المتهم الأول، بعدما أوهمه بمشروع ربح وهمى وانكشفت له خديعته، حيث حضرا له من أجل مخططهما من بلدتهما وتقفيا أثره حتى عثرا على محل إقامته بقسم ثالث أكتوبر.

فأعدا سلاحين أبيضين بهدف الإجهاز عليه إن لم يذعن لهما برد تلك الأموال، وقصداه في محل سكنه مرات عدة فلم يكن متواجدًا، لكن ذلك لم يمنعهما من تكرار الحضور للبحث عنه، حتى تأكدا من تواجده بالمسكن، فاقتحماه، وأفزعاه من نومه، فأجهز عليه المتهم الأول بطعنة في عنقه بينما كان المتهم الثاني موجودًا بجواره على مسرح الواقعة للشد من أزره، فحققا غرضهما بإزهاق روحه.

وفي ديسمبر 2023 صدر حكم محكمة جنايات الجيزة بإعدام المتهمين الاثنين بعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية. ثم طعن دفاع المتهمين بالنقض وأوصت نيابة النقض برفض الطعن وإقرار الحكم بالإعدام.

وفي حكمها رفضت محكمة النقض جميع أوجه الطعن على الحكم مثل الإخلال بحق الدفاع وخلو محضر الجلسة من إثبات دفاع الخصم كاملًا وصدور الحكم من ثلاثة قضاة مع ذكر اسم عضو رابع في محضر الجلسة.

لكن ثبت للمحكمة من أوراق القضية أن الدفاع تقدم بما يفيد إثبات ورثة المجني عليه المقتول تصالحهم مع القاتلين وفقًا للمادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، فاعتبرته قانونًا أصلح للمتهمين، فطبقت المحكمة هذه المادة وقضت بتعديل الحكم بتخفيف عقوبة الأول من الإعدام إلى السجن المؤبد، وتخفيف عقوبة الثاني من الإعدام إلى السجن المشدد 10 سنوات.

لماذا التطبيق المبكر للمادة 22؟

وإذا كان هذا الحكم هو الأول الذي يطبق المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، فإنه لم يكن الأول الذي يشير إلى تلك المادة وصلاحيتها للتطبيق قبل حلول موعد سريان القانون في أول أكتوبر المقبل مع بداية السنة القضائية الجديدة.

ففي أول ديسمبر الماضي أصدرت دائرة دائرة الاثنين (أ) بالمحكمة برئاسة القاضي مصطفى محمد وعضوية القضاة هشام الشافعي ويوسف قايد ونبيل مسعود وعبدالفتاح غنيم، حكمًا يفتح الباب للاعتداد بالتصالح وفقًا للمادة 22 قبل موعد سريان القانون ذاته بشرط التحقق من إبرام الصلح بالفعل بين الجناة وورثة المجني عليه، لكنها لم تطبق المادة نظرًا لعدم إبرام الصلح، وتبعتها في ذلك بعض الدوائر الأخرى بمحكمة النقض في حالات لم يتوافر بها الصلح أيضًا.

استندت المحكمة إلى أن القانون من لحظة صدوره (في 12 نوفمبر 2025) وليس من موعد سريانه هو "القانون الأصلح للمتهم" تطبيقًا للمادة 5 من قانون العقوبات التي تنص على تطبيق القانون الأصلح للمتهم –إذا صدر- واتباعه دون غيره، مما يعني استفادة المتهم منه "بمجرد صدوره وبصرف النظر عن التاريخ الذي حُدد لسريانه والعمل به".

وقالت المحكمة إنه "لا محل هنا لتطبيق قاعدة عدم سريان القانون إلّا من تاريخ العمل به، لأن الأمر لا يتعلق بضمان علم الناس بالقانون قبل مساءلتهم عما تضمنه من أحكام، بل إنه واجب التطبيق باعتباره قانونًا أصلح للمتهم، بمجرد صدوره، وحتى دون الحاجة لنشره في الجريدة الرسمية أو فوات مدة معينة بعد النشر".

وبذلك ميّزت المحكمة بين نفاذ القانون وسريانه بشكل عام وبين تطبيقه بمجرد صدوره كقانون أصلح للمتهم، وقالت إن هذا الفارق كان واضحًا في ذهن المشرع (في المادة 95 من الدستور والمادة 5 من قانون العقوبات) عندما اشترط النفاذ لتطبيق القانون بأثر فوري ومباشر، بينما اكتفى فقط بالإصدار لتطبيقه بأثر رجعي واعتباره قانونًا أصلح للمتهم.

كما استندت المحكمة إلى مبدأ أصدره المجلس الدستوري الفرنسي يقضي بـ"عدم جواز تأخير نفاذ النصوص الجنائية الأصلح للمتهم" وانتهت في حيثياتها إلى الإيذان بتطبيق المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد حال إبرام التصالح.

شروط الاعتداد بالتصالح

ولتطبيق المادة 22 والاعتداد بالصلح بين ورثة المجني عليه المقتول والجاني في جرائم الدم، تشترط أحكام النقض الصادرة مؤخرًا تقديم ما يفيد إثبات الصلح أو طلب أجل لذلك قبل صدور الحكم البات في الدعوى.

كما يُشترط أن تكون العقوبة المقررة على إدانة المتهم أو التي أدين بها بالفعل، تستند إلى حالات القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت سالفة الذكر والمنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، فلا يُعتد بالتصالح في غيرها من المواد الجنائية.

وعلى ضوء المادة 22 تلتزم المحكمة التي يُعرض عليها الصلح (بأي من درجات التقاضي) بتطبيق المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بإعمال قواعد الرأفة وتخفيف العقوبة، وهي لا تملك رفض إعمال الرأفة تطبيقًا لصريح نص المادة 22. لكنها تملك سلطة تقديرية في اختيار العقوبة البديلة المخففة:
1- السجن المؤبد أو المشدد بدلًا من الإعدام.
2- السجن المشدد أو السجن بدلًا من المؤبد.
3- السجن أو الحبس ستة أشهر على الأقل بدلًا من السجن المشدد.
4- الحبس ثلاثة أشهر على الأقل بدلًا من السجن.

إن المادة 22 التي بدأت محكمة النقض تطبيقها مبكرًا تصنع واقعًا قانونيًا جديدًا مغايرًا للأوضاع المستقرة منذ نشأة القضاء الحديث من عدم جواز الصلح في الجنايات حفاظًا على حق المجتمع وضمان تطبيق أقصى العقوبات للردع العام. حيث لم يُسمح بالتصالح في الدعاوى الجنائية إلّا عام 2006 عندما استُحدثت المادة 18 مكرر (أ) بقانون الإجراءات الجنائية القديم (والتي تقابلها المادة 21 من القانون الجديد) وهي تطبق على مجموعة محددة من الجرائم أبرزها جنحة القتل الخطأ عدا حالة التسبب في قتل أكثر من 3 أشخاص، والضرب البسيط والإصابة الخطأ وخيانة الأمانة والتبديد والإتلاف.

ومن المتوقع أن تؤدي المادة 22 إلى نشاط غير مسبوق في محاولات الدفاع لإبرام الصلح بين الجناة وورثة المجني عليهم واستغلال الفرص المختلفة لتخفيف العقوبة، من لحظة تحريك الدعوى الجنائية وحتى إصدار الحكم البات من النقض.

الشروق المصدر: الشروق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا