تكشف " حركة ميدان " التابعة للجماعة الإرهابية عن استراتيجية دقيقة ومدروسة في اختيار الفئات المستهدفة، حيث لم يكن الاستقطاب يتم بشكل عشوائي، بل وفق رؤية تعتمد على تحليل سلوك الجمهور داخل الفضاء الرقمي، وفهم طبيعة كل شريحة عمرية من حيث القابلية للتأثير والتفاعل.
وفي قلب هذه الاستراتيجية جاءت الفئة العمرية بين 20 و25 عامًا باعتبارها الهدف الأساسي والأكثر أهمية في منظومة التأثير، هذه الفئة تمثل مرحلة انتقالية حساسة في حياة الأفراد، حيث يبدأ فيها الشباب في إعادة تشكيل هويتهم الفكرية والاجتماعية، والبحث عن الذات، وتكوين مواقف تجاه قضايا الدولة والمجتمع والسياسة، وهذه الحالة من "إعادة التقييم" تجعلهم أكثر قابلية لتقبل الأفكار الجديدة، خاصة تلك التي تُقدم في إطار نقدي أو يبدو في ظاهره إصلاحيًا أو تغييريًا، حتى وإن كانت تحمل في جوهرها أهدافًا موجهة، خاصة أن هذه الفئة العمرية لم تعاصر فترة الجماعة الإرهابية في مصر فكانوا في سن الطفولة حينها وهو ما يعتبر الحل الأمثل للجماعة الإرهابية لاستغلاله لمحاولة العودة إلى المشهد.
وفقًا لما ورد في اعترافات الإرهابي علي عبد الونيس، فإن عملية الاستهداف داخل "مؤسسة ميدان" لم تقتصر على معيار السن فقط، بل امتدت لتشمل طبيعة الخلفيات التعليمية والمهارية، فقد تم التركيز بشكل واضح على الشباب الذين يمتلكون مهارات تقنية مثل البرمجة، إدارة المحتوى الرقمي، التصميم، أو حتى التحليل الإعلامي، باعتبارهم أكثر قدرة على التفاعل مع البيئة الرقمية، والأهم من ذلك قدرتهم على إعادة إنتاج المحتوى ونشره داخل دوائر أوسع.
هذا التحول يعكس تطورًا جوهريًا في مفهوم "التجنيد"، حيث لم يعد قائمًا على استقطاب أفراد للقيام بمهام ميدانية مباشرة فقط، بل أصبح يعتمد على بناء كوادر رقمية تمتلك القدرة على التأثير عبر الإنترنت، وإدارة المحتوى، وصناعة الرأي العام داخل الفضاء الافتراضي. وهو ما يمثل نقلة نوعية في طبيعة عمل مثل هذه التنظيمات.
وفي هذا السياق، لعب البودكاست دورًا محوريًا في الوصول إلى هذه الفئة المستهدفة، نظرًا لطبيعته الحوارية الطويلة التي تسمح بعرض الأفكار بشكل ممتد، بعيدًا عن الاختزال أو الرسائل السريعة، وهذا النوع من المحتوى يخلق نوعًا من العلاقة غير المباشرة بين المتلقي وصانع الرسالة، حيث يشعر المستمع أنه أمام نقاش فكري أو تحليل موضوعي، بينما يتم في الواقع تمرير رسائل محددة بشكل تدريجي ومدروس.
كما أن الاعتماد على اللغة العصرية والأسلوب غير الصدامي ساهم في زيادة قدرة هذا المحتوى على الانتشار بين الشباب، خاصة في ظل اعتماد هذه الفئة بشكل كبير على المنصات الرقمية كوسيلة أساسية لتلقي المعلومات وتكوين الآراء.
الأخطر في هذه الاستراتيجية أنها لا تعتمد على التأثير الفوري، بل على التراكم التدريجي، حيث يتم بناء القناعات عبر التعرض المستمر لنفس الرسائل بأشكال مختلفة، ما يؤدي مع الوقت إلى إعادة تشكيل طريقة التفكير دون وعي مباشر من المتلقي.
المصدر:
اليوم السابع