وسط التحف والأنتيكات وأفيشات الأفلام النادرة، برزت مانشيتات صحفية حمراء اللون تجذب الانتباه، وأكثر ما يلفت النظر لها كلمة "إسرائيل"، فيتحول انتباهك نحوها سريعا باحثا عن ما تنقله هذه المانشيتات المنتشرة يمينا ويسارا على رصيف سوق ديانا بوسط القاهرة.
وتنقل العناوين أخبار الانتصار المصري على قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأخرى تُبرز الدور الأمريكي في استمرار إسرائيل بالشرق الأوسط، وبعضها ينفي إدعاءات إسرائيل ضد الجيش المصري، وتتراوح تواريخ الأعداد الصحفية وفقا للرصد العشوائي لأبرز العناوين على الأرصفة، منذ عام 1956 وحتى عام 1973.
وخلال تلك الجولة نأخذك في رحلة نحو الماضي نرى عبرها ما لم يتغير حتى الآن في العلاقة بين إسرائيل وأمريكا.
بخط عريض لونه أحمر يظهر عنوان صحيفة "الشعب" العدد رقم 384 بتاريخ 27 يونيو 1957، كُتب "حقائق خطيرة عن المعونة الأمريكية لإسرائيل"، وإلى جوار عمود الصحف الذي ترأسه هذه الصفحة يجلس رجل بسيط على أحد الأرصفة في السوق، ويعرض ما لديه للبيع.
في هذا التقرير الصحفي، الذي تتصدر صفحته الأولى، تركز الصحيفة على الدعم غير المشروط الذي تضعه أمريكا لإسرائيل، وكأن الزمن يعيد نفسه، وكأن الصحيفة تصدر اليوم في عام 2026، وليس عام 1957، حيث لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تقف كتفًا إلى كتف بجوار إسرائيل، وتدعمها في حرب الإبادة التي تشنها على قطاع غزة، والقصف الجوي الذي توجهه نحو جنوب لبنان، وغيرها من الدول.
وأشار التقرير، في عنوان فرعي "هدف السياسة الأمريكية الصهيونية هو التوسع على حساب الأمة العربية"، ويذكر المحرر مجموعة من الأرقام التي سوف تدفعها أمريكا كمعونة لإسرائيل في عام 1957، من بينها 25 مليون دولار لإقامة مشروع ميناء بهدف دعم اقتصاد إسرائيل، وتسلمت إسرائيل قروضًا وتسهيلات ضخمة عامي 1949 و1950 من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بقيمة 132 مليون دولار، بالإضافة إلى الأموال الأخرى التي تُجمع كمعونات بشكل مباشر، من بينها 45 مليون دولار في يناير 1957 جمعها وزير التجارة الإسرائيلي خلال زيارة إلى أمريكا.
وفي صحيفة "الأهرام" التي تظهر صفحاتها داخل كيس بلاستيكي يلمع في ضوء الشمس، تبدو أنها صدرت وقت حرب أكتوبر، برز عنوان "قائمة بشحنت السلاح الأمريكي لإسرائيل"، ويلفت النظر إلى أن الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون يطالب بدعم غير مشروط لإسرائيل: "يجب أن تكون كل الأسلحة منحة دون مقابل لإسرائيل"،
وأظهر التقرير، أن أمريكا أرسلت أسلحة بقيمة 850 مليون دولار إلى إسرائيل لمواجهة الحرب مع مصر.
بعد بضع خطوات داخل السوق، تجد عنوانًا آخر على أحد الأرصفة يجذب انتباهك، يتصدر عمودًا من الصحف التي تنقل أخبار حرب أكتوبر من الجبهة، ورد فيه "القائد الإسرائيلي في سيناء: المصريون يهاجمون بشراسة".
هذا العنوان هو أحد المانشيتات لصحيفة الأهرام، العدد رقم 31726، بتاريخ 21 أكتوبر 1973، وتضم الصحيفة في ذلك العدد بعض التصريحات العسكرية، وتفنيد ادعاءات إسرائيلية حول حقيقة الوضع على أرض الواقع في سيناء.
وكتب المحرر العسكري للأهرام في هذا العدد: "تقترب معركة الدبابات الكبرى داخل سيناء من مرحلتها الحاسمة.. فقد أجمع المراقبون العسكريون على أن العالم يشهد حتى الآن حربًا طاحنة بالمدرعات".
وذكر في التغطية الصحفية، أن "مغامرة العدو الإسرائيلي جرى تصفيتها"، وفي جزء آخر من الصفحة يتحدث المتحدث العسكري ويكذب ادعاءات إسرائيل حول قدرتهم على التسلل إلى المنطقة بين دمياط ورشيد.
كانت الفكاهة كجزء لا يتجزأ من التاريخ المصري على مر العصور، لذلك ليس من الغريب أنه إذا اطلعت على بعض صفحات الصحف التي سقطت عنها أجزاء وخفى الزمن جزء من تاريخها، سوف تجد أن محتواها ينم عن المرحلة التي صدر فيها، وستجد أن صلاح جاهين يوجه رسومه إلى قادة إسرائيل بأسلوبه الساخر المعتاد، إذ يقف العالم على شكل كرة أرضية بين شخصيتين، امرأة تبدو وكأنها جولدا مائير، رئيس وزراء إسرائيل وقت الحرب، وموشيه دايان رئيس أركان قوات الاحتلال، تحت عنوان "إسرائيل تستأجر جنودًا مرتزقة".
لا يضم الرصيف فقط إصدارات مصرية، بل أخرى عربية، اجتمعت فيما بينها على كشف أمريكا وفضح أكاذيب إسرائيل، ففي جولة بشارع فرعي يبعد عن سينما ديانا خطوات، يجلس رجل آخر بعدد من المجلات، كان في مقدمتها صورة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بأسلوب كاريكاتوري ساخر على غلاف مجلة الحوادث اللبنانية، بتاريخ يناير 1973.
يصحب صورة نيكسون عنوان بالخط الأحمر العريض: "ماذا يريد الأمريكي البشع من الشرق الأوسط"، هذا السؤال وكأنه جزء من حاضرنا اليوم، وليس ذكرى تُركت على الرصيف لتثبت لأجيال جديدة أن إسرائيل هي الابن المدلل للولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود.
في عام 2017، ذكر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، أمام مجلس الشيوخ خلال جلسة تصديق تعيينه: "في بعض الأحيان يستغرق الأمر جيلاً آخر لكي لا نعتل همًا لأمور من الماضي"، هذه العبارة ربما تنطبق على أشياء كثيرة، ولكنها تتحطم أمام رصيف سوق ديانا، حيث لا يزال الناس يشترون أعداد مجلات وصحف تعبر عن موقف مضاد لدولة الاحتلال.
ورغم مرور عقود على آخر حرب بين مصر وإسرائيل، لا تزال الأجيال الجديدة تتداول تلك الأخبار والصور، سواء على الأرصفة أو على منصات التواصل الاجتماعي التي لها لغتها الخاصة في التعبير عن الرفض، حيث لا يمر منشور لأحد من متحدثي الاحتلال بدون سيل من التعليقات المناهضة لهم، حتى تسبب هذا الرفض في تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال فيه: "سنلاحق من يسخر من إسرائيل عبر الإنترنت"، ومن كاريكاتير الصحف وحتى تعليقات الفيسبوك تستمر السخرية وتزداد بشكل متواصل.
المصدر:
الشروق