في أروقة أحد مراكز تأهيل ذوي الهمم التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي بمحافظة الوادي الجديد، لا يقاس الوقت بالدقائق، بل بمدى التحسن الذي ينتظره الأهالي لأبنائهم وأحفادهم.
وجوه شاحبة يغلفها الأمل، ونظرات تترقب خروج طفل من جلسة علاج أو تدريب، فيما تمتد أيادي الانتظار بصبر لا يعرف الشكوى.
هنا، التقت «الشروق» بعدد من الأسر، ورصدت قصصا إنسانية تكشف تفاصيل رحلة يومية من المعاناة والإصرار.
وقالت أم محمد، جدة طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، البالغة من العمر 61 عامًا، إنها تتولى رعاية حفيدتها بعد انفصال والديها منذ نحو 3 أشهر.
وأوضحت أن الطفلة ولدت مبتسرة ولها أخت توأم، إلا أن حالتها الصحية كانت الأصعب، حيث مكثت شهرا كاملا داخل الحضانة، وتعاني من مشكلات بصرية متعددة بينها ضعف شديد في الإبصار وانفصال شبكي، إلى جانب احتياجها لمتابعة في المخ والأعصاب.
وأضافت أن حفيدتها تتلقى خدمات العلاج الطبيعي، والبصريات، والسمعيات، والتخاطب، والتأهيل داخل مركز الدكتور حسن حلمي، مشيرة إلى أن الطفلة في عامها الخامس، وما زالت في مرحلة مبكرة من التعليم.
وأكدت الجدة أنها تقيم بمنطقة بعيدة عن المركز، وتضطر للحضور مرتين أسبوعيا باستخدام سيارة خاصة بسبب عدم قدرتها على حمل الطفلة، موضحة أن تكلفة المواصلات تصل إلى نحو 700 جنيه شهريا.
وأشارت إلى أنها كانت تعمل عاملة بالمستشفى وخرجت على المعاش، وتتقاضى معاشا شهريا يقدر بنحو 3 آلاف جنيه، وتعتمد جزئيا على مساعدات أهل الخير لتوفير احتياجات الطفلة.
وأكدت أن والد الطفلة يعمل بالأعمال اليومية غير المنتظمة، بينما لا تعمل الأم حاليا، موضحة أن رحلة العلاج صعبة لكنها مستمرة أملًا في تحسن الحالة.
قالت والدة جانا هشام، وهى طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، إن ابنتها تبلغ من العمر 12 عاما وتعاني من إعاقة حركية خلقية بالأطراف، مؤكدة أن رحلتها العلاجية بدأت منذ اليوم الأول للولادة.
وأوضحت أن الفحوصات الطبية وأشعة المخ أكدت سلامة المخ، إلا أن المتابعة كشفت ضعفا في الحركة ووجود خلع في مفصل اليد، ما استدعى الخضوع لعدة تدخلات جراحية وعلاجية حتى وصلت الطفلة إلى تحسن ملحوظ في الحركة.
وأضافت أن ابنتها تتلقى حاليا خدمات العلاج الطبيعي، وتنمية المهارات، والإبصار داخل مركز الدكتور حسن حلمي، مؤكدة أن جميع الخدمات تقدم بالمجان الكامل.
وأشارت إلى أنها تتردد على المركز منذ سنوات، حتى قبل تطويره وتحويله إلى مركز حسن حلمي، موضحة أنها تقيم بالقرب من المركز، ولا تستغرق الرحلة إليه أكثر من 10 دقائق باستخدام المواصلات.
وأكدت والدة الطفلة، وهي أخصائية اجتماعية بالتعليم الأساسي، أن زوجها توفي منذ 6 سنوات، ما جعلها تتحمل رحلة العلاج بمفردها، لافتة إلى أن لديها أبناء آخرين.
وأشادت بمستوى الرعاية داخل المركز، قائلة: "فيه اهتمام حقيقي بالأطفال، سواء في العلاج الطبيعي أو تنمية المهارات أو الإبصار، وكمان مجلس الإدارة بيتابع بنفسه، وعلى رأسهم الأستاذ ناصف، وده فرق جدًا مع بنتي".
وقال ناصف أنيسي محمد، رئيس مجلس إدارة جمعية التأهيل الاجتماعي بالوادي الجديد، المنبثق عنها مركز الدكتور حسن حلمي، إن الجمعية بدأت نشاطها بحضانة بسيطة ومركز محدود الإمكانيات، قبل أن تشهد توسعًا كبيرًا غطّى مختلف أوجه التأهيل الطبي والتربوي لذوي الإعاقة.
وأضاف أن الدعم استمر من خلال وزارة التضامن الاجتماعي، إلى جانب مساهمات رجال الأعمال والمستثمرين، حيث يتم تخصيص نسبة من عائدات بعض الأنشطة الزراعية، وتبرعات المدارس والأهالي، لدعم خدمات المركز.
وأكد رئيس مجلس الإدارة أن رسالة المركز الأساسية تقوم على تقديم الخدمة كاملة مجانيا لذوي الإعاقة، بداية من العلاج الطبي، مرورا بالعلاج الطبيعي، والتربية الخاصة، وصولا إلى الأنشطة الرياضية والترفيهية، دون تحصيل أي مقابل مادي.
وأشار إلى أن المركز يضم عيادات طبية متخصصة تشمل: الأنف والأذن والحنجرة، الباطنة، الأطفال، الأسنان، الرمد، والسمعيات، موضحًا أن عيادة السمعيات تعمل يومًا واحدًا أسبوعيًا لعدم وجود طبيب متخصص بالمحافظة، حيث يتم الاستعانة بطبيب من أسيوط، ويُقدَّم الكشف والتقارير اللازمة مجانًا لذوي الإعاقة.
وأضاف أن العلاج الطبيعي بالمركز يشهد إقبالا كبيرا، حيث ارتفع عدد الحالات اليومية من 37 حالة عند الافتتاح إلى ما بين 260 و270 حالة يوميًا، خاصة في فترات ما بعد العصر، نظرًا لطبيعة الحياة بالوادي الجديد. وأكد أن المركز يعالج حالات الجلطات مجانيًا تمامًا حتى في حال عدم امتلاك بطاقة خدمات متكاملة.
وأوضح أن مجلس الإدارة يملك صلاحية إعفاء الحالات غير القادرة ماليا من أي رسوم، لافتا إلى التعاقد مع هيئة التأمين الصحي التي تحول حالات للعلاج الطبيعي بالمركز، مع الالتزام بزيادة عدد الجلسات عند الحاجة وفق التقييم الطبي.
وكشف عن إطلاق ورش تأهيل مهني للأطفال الذين تجاوزوا سن التخاطب الفعال، حيث تعتمد الورش على تنمية المهارات اليدوية والعقلية، وأسفرت عن دمج عدد من الحالات بسوق العمل، من بينهم شاب من ذوي التوحد يعمل حاليًا نجارًا، وآخرون يعملون في أنشطة زراعية وحرفية.
وتابع أن المركز يهتم بتدريب أولياء الأمور، من خلال دورات متخصصة حول كيفية التعامل مع أبنائهم، خاصة أن عدد ذوي الإعاقة بالمحافظة يصل إلى 6625 حالة من إجمالي عدد سكان يقارب 300 ألف نسمة.
ولفت إلى أن المركز يخدم جميع مراكز الوادي الجديد، مع توفير إقامة كاملة وعلاج شامل للحالات القادمة من المناطق البعيدة، إلى جانب توفير أتوبيسات مجهزة، أحدها مزود بونش خاص بالكراسي المتحركة، لضمان الدمج الكامل في المجتمع.
وأوضح أن عدد المترددين يوميا على المركز يتراوح بين 300 و315 حالة، مؤكدا أن المركز لا يضع تسعيرًا لخدمات ذوي الهمم، رغم ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، التي تشمل الكهرباء، وصيانة الأجهزة الطبية المتخصصة.
وفي ختام حديثه، أشار إلى سعي المركز لتحقيق استدامة مالية من خلال مشروعات استثمارية، من بينها زراعة 65 فدانا تم تخصيصها للمركز، وزراعة أكثر من 700 نخلة حتى الآن، إضافة إلى تأجير محال تجارية وقاعات مناسبات، وتخصيص العائد بالكامل لدعم خدمات التأهيل والعلاج.
المصدر:
الشروق