يُعد أحد أفضل الممارسات للاستثمار في الأبنية التاريخية هو تأهيلها وإعادة استخدامها بما يحافظ على طابعها التاريخي، مع الترويج لها كمرافق سياحية أو ثقافية تجذب الاستثمارات وتحقق عوائد مادية؛ ففي منطقة وسط البلد، تلك المنطقة ذات الطابع المتفرد، تتوزع ملكيات الأبنية التاريخية ما بين القطاع العام والقطاع الخاص والسكان الأصليين، ومع التحولات التي فرضتها مشروعات التطوير في المنطقة، وخاصة مشروع تطوير القاهرة الخديوية منذ منتصف العام 2015، فرضت تلك التحولات إحداث تغييرات في طبيعة الأنشطة في وسط البلد لتواكب المشروعات القائمة.
وأعرب عدد من خبراء السياحة والاقتصاد والمهتمين بشئون التراث عن تطلعاتهم لملاءمة الأنشطة الجديدة لطبيعة منطقة وسط البلد كمنطقة حيوية ذات طابع تاريخي وسياحي متفرد.
ولفتت سهير إلى أن الفنادق استعمال مناسب لبعض المباني التراثية في وسط البلد في حال التنوع في مستوياتها ما بين فنادق كبيرة و5 نجوم فأقل، سواء بوتيك أوتيل أو فنادق 3 نجوم أو بنسيونات، شريطة مراعاة توفير الخدمات المختلفة ووسائل انتقال سهلة للسياح للربط بين وسط البلد والأماكن السياحية المختلفة، كما أن النشاط التجاري والسكني هو جزء أصيل في منطقة وسط البلد وتم تخطيط وسط البلد لهذا الغرض، و"علينا ألا نغفل هذه النكهة، لأن الاستعمالات الأصلية لأي مكان هي جزء أساسي من الطابع الخاص به".
وتابعت: "لا بُد من حظر أي استعمال ملوث وضار داخل العقارات التراثية في وسط البلد مثل المخازن والورش وغيرها، مع الالتزام بضوابط خاصة بأنشطة إعادة الاستخدام يكون هدفها حماية العقار من الإتلاف والمحافظة عليه".
فيما قال المهندس عمر نجاتي رئيس مختبر عمران القاهرة "كلاستر"، وهو مبادرة متخصصة في مجالات العمران والدراسات الحضرية والتصميم المعماري في القاهرة، لـ"الشروق": "فكرة تحويل بعض المباني التاريخية إلى فنادق سياحية أو بنظام البوتيك أوتيل هي فكرة جيدة، ولكن ينبغي تنويع الأنشطة لضمان حدوث التناغم الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة، فرواد منطقة وسط البلد كُثر ومن طبقات مختلفة، حيث يأتي إليها الطلبة والموظفون وحديثو الزواج، ولا بد من مراعاة توفير وإضافة أنشطة ترفيهية إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والتجارية والسياحية التي تخدم رواد المنطقة".
ويشير نجاتي إلى ضرورة التفكير في إعادة الاستثمار في المبنى الواحد بتقسيمه ليضم عدة أنشطة، فيمكن مثلا توفير وحدات إدارية في بعض الطوابق، وتوفير أماكن "Co-working space" في طوابق أخرى، واستغلال المساحات المتبقية كغرف فندقية، لإحداث تنوع في الاستخدام.
من جانبها أشارت الدكتورة ميرفت حطبة، الرئيس السابق للشركة القابضة للسياحة والفنادق "إيجوث"، إلى أن فكرة إعادة استغلال المباني التاريخية في وسط البلد كفنادق سياحية هي فكرة ممتازة، فمنطقة وسط البلد تحتاج إلى مزيد من الغرف الفندقية بما يحقق عوائد اقتصادية وسياحية كبيرة للدولة.
وفي سياق متصل، تواصلت "الشروق" مع طاهر المحمدي، وهو من سكان منطقة وسط البلد منذ الستينات من القرن الماضي، وعاش مراحل مختلفة من حياته في المنطقة، حيث أشار إلى أن الإهمال الذي آلت إليه وسط المدينة هو نتاج تحول شققها وشوارعها إلى طبيعة تجارية وصناعية.
ولمواجهة زحف الأنشطة التجارية داخل المباني التراثية في وسط البلد، طرح "المحمدي" حلا رئيسيا لاستعادة وسط البلد لرونقها يتمثل في إلغاء كل أشكال استخدام الشقق في الأنشطة التجارية وإعادة استخدامها للنشاط السكني والسكن السياحي فقط، مع ضرورة إخلاء الأبنية التراثية في وسط البلد من الورش، ويمكن استثناء الطابق الأول بالمباني ليكون للأنشطة التجارية أو المكاتب الإدارية، إضافة إلى منع البناء أو التعلية تماما في وسط المدينة، وتحويل أي قطعة أرض فضاء إلى جراج.
وقال الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، في تصريح خاص لـ"الشروق": "من حيث المبدأ فإن منطقة وسط البلد تعد من أجمل المناطق في العالم كله، ومبانيها تضاهي أجمل مباني العالم بفضل مشروع الخديوي إسماعيل، ولا بُد من استعادة رونقها وتعظيم الاستفادة من أبنيتها لتحقيق عوائد اقتصادية، من خلال تعظيم دور القطاع الخاص المصري وليس الأجنبي".
وتابع رشاد: "وسط البلد مخنوقة، وإذا تحولت المباني لفنادق فإنها تستقطب مزيدا من السيارات التي تتسبب في مزيد من الزحام الشديد، لذا لا بُد من توفير جراجات خاصة في كل مبنى، يمكن تخصيص طابقين داخل المبنى نفسه للجراج، وإلا تتحول وسط البلد إلى منطقة عشوائية".
وأشار إلى أن الفنادق هي أفضل استثمار يحقق المزيد من الإيرادات الممكنة لإنعاش الاقتصاد، لكن على الحكومة أن تحدد كيفية توظيف عوائد الاستثمار التوظيف الأمثل، فيمكن أن توجهها لسد عجز الموازنة، مع تخصيص 50% من العوائد بحد أدنى لإنشاء مصانع جديدة تخلق فرص عمل جديدة للشباب وتوفر عملة أجنبية للبلاد.
المصدر:
الشروق