آخر الأخبار

إعادة إحياء مربع الوزارات.. خطة طموحة لتحويل قلب القاهرة التراثي إلى مركز سياحي واستثماري وثقافي

شارك

في إطار الجهود الرامية إلى استعادة الحيوية والرونق الحضاري لمنطقة وسط البلد – القاهرة الخديوية – أعلنت محافظة القاهرة عن خطة متكاملة لتطوير مربع الوزارات، أحد أبرز المواقع التاريخية والمعمارية في قلب القاهرة، وتحويله إلى مركز سياحي واستثماري وثقافي متميز، يجمع بين الفنادق الفاخرة والمرافق الخدمية المتطورة والأنشطة الثقافية المتنوعة، مع التزام صارم بالحفاظ على القيمة التراثية والمعمارية الأصيلة لهذه المنطقة.

يقع مربع الوزارات التاريخي في منطقة وسط البلد (جاردن سيتي/قصر العيني)، ضمن نطاق شوارع نوبار، وشارع مجلس الشعب (مجلس النواب حاليًا)، وشارع قصر العيني، وشارع الشيخ ريحان ومحمد محمود، بالقرب من ميدان التحرير، ويضم مجموعة من المباني الحكومية البارزة، ومن أبرزها مبنى وزارة الداخلية السابق – الذي يُعد الأكبر مساحةً والأعلى قيمًة معماريًة – إلى جانب مباني وزارات الإسكان، والإنتاج الحربي، والتموين، والعدل. ظلت هذه المباني مركزًا إداريًا رئيسيًا للدولة على مدار عقود طويلة، قبل أن تنتقل معظم الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة، مما أدى إلى إخلائها وتركها شاغرة، وبالتالي أصبحت في حاجة ماسة إلى خطة استغلال جديدة تحافظ على طابعها التاريخي وتعيد لها وظيفتها ضمن نسيج المدينة.

تأتي الخطة تحت إشراف صندوق مصر السيادي، وبالتعاون الوثيق مع وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية ومحافظة القاهرة. وأكد المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، خلال جولة تفقدية أجراها مؤخرًا برفقة اللواء خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التراثية، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن جميع الدراسات الفنية والاقتصادية الخاصة باستغلال مباني المربع قد اكتملت، وأن المباني جاري تسليمها إلى الصندوق السيادي تمهيدًا لبدء إجراءات الطرح أمام المستثمرين من القطاع الخاص من خلال شراكات بنظام حق الانتفاع، مع الاحتفاظ الكامل بملكية الدولة للأصول.

ويبدأ تنفيذ المشروع بمبنى وزارة الداخلية السابق كنواة أساسية، حيث يُخطط لتحويله إلى مشروع فندقي وثقافي متكامل يُعد نموذجًا لما سيتبعه من تطوير تدريجي لباقي المباني، ليصبح المربع بأكمله مجموعة من الاستخدامات الفندقية والخدمية والثقافية المتناسقة، في إطار استراتيجية أوسع لإعادة إحياء القاهرة التراثية بأكملها واستعادة هويتها البصرية والحضارية.

وفي تصريح خاص لـ”الشروق”، أكد المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، على الالتزام التام بالمعايير الفنية والتراثية في المشروع، قائلاً: “جميع المباني في مربع الوزارات سليمة إنشائيًا، حيث تجرى حاليًا اختبارات ودراسات إنشائية دقيقة من قبل خبراء واستشاريين متخصصين لتحديد مدى سلامتها وإمكانية إعادة توظيفها بأمان تام".

وأضاف: "بالنسبة للمباني المسجلة ذات الطراز المعماري المتميز، يتم اعتماد أي أعمال صيانة أو ترميم أو إعادة توظيف من قبل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. ولدينا لجنة متخصصة للمناطق التراثية والمباني المسجلة طرازًا معماريًا متميزًا، تضم كبار المتخصصين والمعماريين، تقوم بدراسة كل مشروع بعناية فائقة، سواء لإعادة التوظيف أو الترميم، مع تحديد المنهجية المناسبة للحفاظ على مكونات المبنى الأصلية".

وأشار إلى أن لكل مبنى تصنيف محدد حسب طبيعته وبيان سجله التراثي؛ فهناك مبانٍ نحافظ على واجهاتها فقط مع إمكانية تعديل الداخل، وأخرى نحافظ فيها على الواجهات والداخل مع إعادة توظيفها وفق تصميمها الأصلي. وبالتالي، يُحدد لكل مبنى فئة تصنيف وأسلوب تعامل خاص به يضمن الحفاظ على هويته.

وتابع أبو سعدة: "لدى الجهاز ضوابط ومعايير واضحة ومحددة للتعامل مع المباني المسجلة طرازًا معماريًا متميزًا أو الواقعة في مناطق مسجلة تراثيًا، وهي منشورة على صفحة الجهاز الرسمية. ونحن نتعاون بشكل مستمر مع الصندوق السيادي، من خلال تقديم الدعم الفني والمعلومات الخاصة بتسجيل المباني وآليات إعادة توظيفها وفق هذه المحددات والاشتراطات".

ولفت إلى وجود تجارب ناجحة سابقة في إعادة توظيف مبانٍ سكنية أو إدارية إلى فنادق أو شقق فندقية في منطقة وسط البلد، ومن أبرزها مبنى ‘تمارا’ الذي حاز جائزة أفضل الممارسات في إعادة التوظيف من الجهاز نفسه. هذه النماذج أصبحت مبادرات ناجحة يُحتذى بها، وتتوافق تمامًا مع أسلوب ومعايير الجهاز.

وصرح بأنه يمكن لأي استشاري أو جهة ترغب في التعاون في المشروع تقديم رؤيتها للتطوير، شريطة أن تكون مسجلة لدى الجهاز وتلتزم بالمعايير المحددة، على أن تُعتمد الرؤية من قبل لجنة المناطق التراثية المسجلة في الجهاز.”

من جانبها قالت الدكتورة سهير زكي حواس، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، في تصريح خاص لـ”الشروق”: “صُممت القاهرة الخديوية أصلاً لتكون منطقة ذات استعمالات مختلطة ومتنوعة، تجمع بين الوظائف الإدارية والسكنية والتجارية والثقافية. ويأتي مشروع تطوير مربع الوزارات في هذا السياق ليؤكد على استبعاد أي أنشطة قد تُسبب تلوثًا سمعيًا أو بصريًا أو بيئيًا، وذلك وفق اشتراطات صارمة تحمي الطابع التراثي والحضاري للمنطقة.”

وأضافت: “كان نسيج مربع الوزارات معماريًا متكاملًا في أصله، يتسم بوجود قصور أنيقة محاطة بحدائق خاصة، إلى جانب مبانٍ إدارية ذات طابع معماري مميز. وقد أهدى بعض ملاك هذه القصور عقاراتهم للدولة لتصبح مقرات وزارية في مراحل لاحقة. غير أن الإضافات العشوائية التي طرأت مع مرور الزمن – من مبانٍ ملحقة وأبراج غير متناسقة – أدت إلى تشويه هذا النسيج، وتقليص المساحات المفتوحة والحدائق لصالح الكتل البنائية الزائدة.”

وأوضحت أن الهدف الجوهري من المشروع يكمن في “إعادة توظيف المباني ذات القيمة المعمارية المتميزة بطريقة تحافظ على أصالتها، مع إزالة أو تعديل المباني غير المتوافقة مع الطابع التراثي، أو إعادة تصميمها لتتناسب مع هوية المنطقة التاريخية. ويتطلب ذلك قرارات جريئة بالاستغناء عن العناصر التي لا تضيف قيمة وظيفية أو جمالية، بل تُشكل عائقًا بصريًا وعمرانيًا. كما ينبغي اختيار الاستخدامات الجديدة لكل مبنى بعناية فائقة، بحيث تتكامل الأنشطة المختلفة وتدعم بعضها بعضًا، مساهمة في استعادة الوجه الحضاري الأصيل للمنطقة.”

وشددت على أهمية التوثيق التاريخي، قائلة: “يتوجب على الجهات المنفذة استرجاع التاريخ الكامل لمربع الوزارات عبر مراحله المختلفة، بما في ذلك تحديد المالك الأصلي لكل عقار، وتوقيت تحوله إلى مبنى حكومي، والأسباب والظروف التي أحاطت بهذا التحول. هذا التوثيق يُمكّن من اختيار الاستخدامات الأكثر ملاءمة، ويعزز من إمكانية استعادة الذاكرة الحضارية والقيمة التراثية للمكان.”

وبشأن تحويل المباني الإدارية إلى منشآت فندقية، أكدت: “لا توجد مخاطر جوهرية في هذا التحول، شريطة أن يقوم الاستشاري المختص بإعداد دراسات معمارية ووظيفية دقيقة، ووضع برنامج تصميمي مدروس يراعي طبيعة المبنى التراثي. كما يتعين إجراء دراسة مرورية شاملة، وتأمين المتطلبات الضرورية للمنشآت الفندقية، مثل توفير مواقف سيارات كافية، وإنشاء جراجات تخدم المنطقة بأكملها، بالإضافة إلى تطبيق أعلى معايير السلامة من الحرائق والطوارئ.”

واختتمت الدكتورة حواس حديثها بالقول: “إذا تم تنفيذ المشروع مع الالتزام الكامل بالخطوات العلمية والمهنية الصحيحة – بما يشمل الحفاظ على ذاكرة المكان وقيمته الحضارية، وإعادة التوازن في نسبة البناء إلى المساحات المفتوحة، واستكمال جميع الخدمات اللوجستية والمرافق اللازمة – فإنه سيُشكل نموذجاً رائداً وملهماً لعمليات إعادة توظيف المباني الحكومية السابقة في مشروعات تنموية تجمع بين الاقتصاد والحفاظ على التراث في القاهرة الخديوية، يعيد لها مكانتها كواحدة من أبرز المناطق التاريخية والثقافية في مصر.”

يُعد مشروع تطوير مربع الوزارات نقلة نوعية في مسيرة إحياء القاهرة الخديوية، حيث يجمع بين الالتزام الجاد بالحفاظ على التراث والانفتاح على فرص الاستثمار الحديث، مما يعزز جاذبيتها السياحية والاقتصادية، ويعيد لواحدة من أجمل مناطق وسط البلد مكانتها كرمز حضاري مشع للعاصمة المصرية.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا