انتهى الموسم الرمضانى، ولم تنته الأحاديث والجدل عن مستوى ما تم تقديمه واختيار الأفضل والأسوأ، وبينما النقاد منهمكون فى تحليل النتائج سارع صناع بعض المسلسلات بإعلان تميزهم وملأوا الفضاء ضجيجاً بانتصاراتهم، وأنهم الأفضل على الإطلاق، والحقيقة أنهم أصحاب نجاح زائف والذى يهمنا فى هذه الحالة مصارحة الذات لدى الجهة المسؤولة عن الإنتاج لأنها فى النهاية من تتحمل اللوم أو الثناء، وبرؤية متعقلة وموضوعية فإن هناك مميزات متعددة تضمنتها دراما هذا العام، منها منح الفرص لعدد كبير من الوجوه الجديدة أو الوجوه التى كانت غائبة، وإعادة اكتشاف بعض ما كان موجودا على الساحة، ولكنه لم يجد الفرصة للتألق، بالإضافة إلى منح فرص ذهبية لمخرجين جدد على الدراما ومؤلفين، الحصيلة النهائية لا يمكن إنكار جودتها بل بعضها وصل إلى درجة ملحوظة من التميز، وترك أثرا لن يخبو، وسوف يضاف إلى كلاسيكيات الدراما التليفزيونية، وقد يتخطاها من حيث اتباع الأسلوب العصرى فى السرد، بالإضافة إلى جرأة المحتوى.
ومن هذا النوع لا يمكن أن يُسقط مسلسل "أصحاب الأرض" للمخرج بيتر ميمى من الاعتبار رغم أن المخرج وفريق العمل أثار ضجة، وهلل لنجاحه، بل قدم حالة من الإبداع ومضى، وترك الحُكم للجماهير والنقاد، ومعظمهم وضعه فى مكانة متميزة ونادرة الجودة، وكذلك الحال بالنسبة للنجمين منة شلبى وإياد نصار.
أما المسلسل الاجتماعى الذى كان مثل عصى موسى التى التهمت منافسيها فقد كان حكاية نرجس ، التى برع فيه المخرج سامح علاء الذى حفر بهذا المسلسل اسمه بين أهم مُبدعى الدراما التليفزيونية رغم بدايته السينمائية، وكان " حكاية نرجس " فرصة ذهبية لتعريف الجمهور والنقاد بعمل من اإبداع عمار صبرى، هذا مع حشد كبير من الممثلين برز منهم ريهام عبد الغفور، حمزة العيلى، سماح أنور، تامر نبيل، أحمد عزمى، وكنت أتمنى ألا يلتزم السيناريو بوضع نفس النهاية التى انتهت بها عزيزة صاحبة القصة الأصلية، فالإصابة بالسرطان ليست عقابا إلهيا، والانتحار قد يكون حدث فى الواقع، ولكنه يُنهى سريعاً معاناة نرجس، وكنت أتوقع أن يحدث لها ما كانت تخشى حدوثه، وهو تخلى الجميع عنها لتذبل وتموت وحيدة، ومع ذلك فالنهاية التى صادفتها مؤلمة، وقد تجعل نسبة كبيرة من المشاهدين يتعاطفون معها، متناسين ما اقترفته من مصائب بحرمان عشرات الأسر من أطفالهم، وخاصة مع يوسف الذى تدعى أنها أحبته كطفلها، ومع ذلك فقد جنت عليه وعلى مستقبله، بعد أن اكتشف أن كل ما كان يعيشه هو حياة زائفة تركته بلاهوية ولامستقبل، ولذلك فهو أكثر الجميع كراهية لها، وسوف يظل المسلسل مثار جدل ونقاش طويل، فهو ليس من الأعمال التى تسقط من الذاكرة بمجرد انتهاء عرضها.
لم يأخذ مسلسل عرض وطلب حقه من الاحتفاء الذى يستحقه، وهو من تأليف محمود عزت وإخراج عمرو موسى، وهو إضافة جديدة للدراما التليفزيونية، وقدم حالة إبداعية أقرب للمستوى السينمائى فى صياغة الصورة وتشكيل حركة الممثلين داخلها، ثم إضافة بعد إنساني لأبطاله، بحيث ينتفى التصنيف المعتاد بين الأشرار والطيبين، فكل إنسان محتمل أن يُقدِم على فعل شرير تحت ضغط الظروف، ويبدو أبطال المسلسل جميعا وكأنهم يخلعون عنهم أرديتهم التقليدية التى ظهروا بها فى أعمال سابقة، ويبدون وكأنك تتعرف عليهم للمرة الأولى، وقصة المسلسل ربما سبق طرحها بشكل مختلف فيما سبق، ولكنها هنا تعالج بشكل أكثر ضراوة من خلال عصابات شديدة الخطورة.
وربما انزلقت قدم هبة "سلمى أبو ضيف" للمرة الأولى فى رحلتها للبحث عن متبرع بالكلية لإنقاذ والدتها من موت محقق بعد إصابتها بالفشل الكلوى، ولكنها بعد ذلك تجد أنها أصبحت ضمن عصابة تتاجر فى الأعضاء تحت زعم أنها تساعد الآخرين على الاستشفاء، وهذا ما يجعلنا نتعرف على مجموعة من الأشخاص يرتكبون نفس الفعل بطرق مختلفة، والنتائج كارثية ومؤلمة، كل له أهدافه ويبرع من ضمن فريق الممثلين على صبحى، رحمة أحمد، علاء مرسى، مصطفى أبو سريع، ومن أروع مشاهد سماح أنور التى تتفوق فيه على دورها فى نرجس، عندما تذهب لقسم الشرطة للإبلاغ عن ابنتها خوفا عليها من مطاردة عصابة لا ترحم، حيث تقول للضابط "هى غلطت وأنا عايزاها تتعاقب مش تموت" هذه السيدة كلما وصلت إلى قمة الإبداع، ونتصور أن هذا آخر ما يمكن أن تصل إليه تفاجئنا بأداء أكثر تميزًا وإبداعًا! وجودها فى أى عمل يضيف ألقاً وطزاجة ودهشة لا تحدث بدونها.
عين سحرية يؤكد نجومية عصام عمر، ويضع المخرج سدير مسعود ضمن مكاسب دراما هذا العام، وطبعا الحديث عن باسم سمرة أو محمد علاء لا يحتاج تأكيد فكل منهما صاحب شخصية متفردة ونجاحات سابقة، ولكن المسلسل يبروز موهبة الطفل عمر شريف الذى توحى موهبته بأنه سوف يكون من نجوم الغد إذا أجاد العناية بموهبته ورعايتها.
- المخرج كريم العدل والكاتبة شيرين دياب يناقشان بهدوء وبصيغة فنية حالة انفصال زوجين بعد سنوات من العشرة وصراعهما للاحتفاظ بالابنة المراهقة التى تتمزق نفسيا بين أبويها، وقضية المسلسل تتم مناقشتها هذا العام فى أكثر من مسلسل، بعضها لجأ للصراخ والمبالغات الدرامية والقبح الفنى والبعض الآخر لجأ للون الكوميدى فى استعراض المشكلة التى قد تكون هاجسا لكثير من الأسر، وفيها غبن على حق الأب فى أن يكون له دور إيجابي، فى رعاية أبنائه بعد الطلاق وعدم الحرمان من رؤيتهم بحجة أن الأم تخشى عليهم من محاولة الأب اختطافهم، القضايا الإنسانية تناقش على الشاشة بصيغة فنية، وليس بمرافعات نارية ولا أسلوب ميلودرامى بغيض، وعلى هذا ترتفع أسهم ماجد كدوانى؛ لأنه قدم الحالة باحتراف وبدون مبالغة، بينما خان محمد فراج التوفيق فى الاختيار والأداء أيضا.
- أما مسلسل فرصة أخيرة فقد شهد مباراة شيقة بين محمود حميدة القاضى المتزن الذى لا يحيد عن مبادئه وبين طارق لطفى رجل الأعمال الداهية الذى يعتقد أنه يستطيع شراء الذمم والضمائر، ويخرج من كل معركة منتصرا مهما كان عدد الضحايا الذين يتساقطون فى تلك المعارك، وقد انتهى المسلسل بانتصار الحق وهروب رجل الأعمال للخارج قبل أن تمتد إليه يد العدالة، وهو حل فنى جيد، فالصراع بين الخير والشر يحتاج جولات قد ينتصر أحدهما فى جولة، ولكن هذا لا يعنى نهاية مطلقة للطرف الآخر.
المصدر:
اليوم السابع