تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير شكري سرحان ، أحد أبرز أعمدة السينما المصرية في القرن العشرين، والذي استطاع بموهبته الاستثنائية وحضوره الطاغي أن يرسخ اسمه بين كبار نجوم الشاشة. تميز بأداء صادق وقدرة لافتة على تجسيد الشخصيات الإنسانية المركبة، فجمع في أدواره بين الرومانسية والتمرد والدراما الاجتماعية ليصبح واحدا من أبرز الوجوه التي شكلت ملامح العصر الذهبي للسينما المصرية على مدى اكثر من أربعة عقود.
ولد محمد شكري الحسيني سرحان في 13 مارس 1925 ، وينتمي لقرية الغار بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة تهتم بالفن، فهو شقيق الفنانين صلاح سرحان وسامي سرحان ، انتقل في طفولته إلى القاهرة وعاش في حي الحلمية، وبدأ اهتمامه بالتمثيل منذ سنوات الدراسة في مدرسة الإبراهيمية،عندما شارك في العديد من الأنشطة المسرحية المدرسية.
التحق بأول دفعات المعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج فيه عام 1947، لتبدأ بعدها خطواته الأولى في عالم الفن ، ورشح في بداية مشواره للمشاركة في فيلم «هارب من السجن»، لكن الدور ذهب في النهاية إلى الفنان فاخر فاخر، قبل أن يظهر لاحقا في دور صغير بفيلم «نادية» عام 1949.
كانت بدايته السينمائية عندما شارك في فيلم «لهاليبو» عام 1949 أمام الفنانة الاستعراضية نعيمة عاكف ومن إخراج حسين فوزي ، غير أن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1951 عندما اختاره المخرج العالمي يوسف شاهين لبطولة فيلم «ابن النيل»، وهو العمل الذي لفت الأنظار إلى موهبته وأكد قدرته على أداء الأدوار المركبة.
ومنذ ذلك الحين توالت بطولاته السينمائية ليصبح واحدا من نجوم الصف الأول ، ولقب في تلك الفترة بـ "فتى الشاشة" و "ابن النيل"، وقدم خلال مشواره الفني ما يقرب من 150 فيلما تنوعت أدواره فيها بين الرومانسي والاجتماعي والتراجيدي ، وكان من أبرزها : الأفوكاتو مديحة (1950) ، شباب امرأة ( 1956) ، رد قلبي (1957) ، قيس وليلى (1960) ، اللص والكلاب (1962) ، هارب من الحياة (1964) ، الزوجة الثانية (1967 ) ، النداهة (1975) ، ليلة القبض على فاطمة (1984)ٍ ، الأب الشرعي (1988) ، بينما كان فيلم الجبلاوي عام (1991 ) من آخر أعماله على الشاشة.
ولم يقتصر نشاطه الفني على السينما فحسب، بل امتد إلى الإذاعة والتلفزيون والمسرح ، حيث قدم أعمالا إذاعية عدة من بينها مسلسل «المعدية» مع الفنانة كريمة مختار والفنان حسن عابدين ، و "في بيتنا رجل" رواية الكاتب إحسان عبدالقدوس أمام الفنانين مريم فخر الدين وحسين رياض ومحمود المليجي ، كما شارك في عدد من المسلسلات التلفزيونية مثل «ملك اليانصيب» عام 1972، «محمد رسول الله» عام 1980، «الأنصار» عام 1986، «شموع لا تنطفئ» عام 1991.
كما كان للمسرح نصيب من نشاطه الفني ، إذ شارك في عدد من العروض المسرحية من بينها «الغيرة» عام 1948، «ياسين ولدي» 1971، «عائلتي» 1980، و«رجال الله» 1985.
حظي شكري سرحان بتقدير كبير خلال مسيرته الفنية، حيث حصل على جائزة أفضل ممثل عدة مرات في مهرجانات مصرية وعربية عن أفلامه المتميزة منها «شباب امرأة»، «اللص والكلاب»، «الزوجة الثانية»، «النداهة» ، و «رد قلبي» الذي حقق نجاحا كبيرا ونال عنه جائزة الدولة الأولى في التمثيل عام 1959 ، وكرمه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ومنحه وسام الدولة.
كما نال جائزة أفضل ممثل من المهرجان الآسيوي الأفريقي عن دوره في فيلم «قيس وليلى» عام 1960 ، وجائزة أفضل ممثل عن فيلم «ليلة القبض على فاطمة» أمام الفنانة فاتن حمامة عام 1984 .
ويعد الراحل من أكثر الممثلين حضورا في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، إذ شارك في نحو 15 فيلما من هذه القائمة ، وفي عام 1996 كرمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن مجمل مشواره الفني خلال الاحتفال بمئوية السينما المصرية، واختاره النقاد كأفضل ممثل في القرن العشرين.
وعلى الصعيد الشخصي ، تزوج شكري سرحان مرتين؛ الأولى عام 1959 من الراقصة الأرمينية المعتزلة هيرمين، لكن الزواج لم يستمر سوى عامين ، ثم تزوج لاحقا من السيدة ناريمان عباس عوف، وأنجب منها ولدين : الأكبر السفير يحيى شكري سرحان المقيم في أستراليا مع ابنه الفنان كريم سرحان ، والابن الثاني هو الفنان والسيناريست الراحل صلاح شكري سرحان الذي توفي عام 2015 .
عرف عن الراحل حبه الشديد لنادي الزمالك، حيث صرح ذات مرة قائلا: «محدش يبات في بيتي مش زملكاوي». كما اشتهر بتمسكه بمبادئه الفنية، إذ رفض المشاركة في أعمال لا تليق بتاريخه ـ رغم حاجته المادية لقلة الأعمال ، خاصة في عام 1967 مع تأميم السينما في مصر، عندما عرض عليه المشاركة في فيلم ببيروت مقابل ثمانية آلاف استرليني ، لكنه بعد قراءة السيناريو رفض العرض قائلا: "أنا أحترم تاريخي، اسمي، وجمهوري، ولا يمكنني قبول العمل فقط لحاجتي إلى المال" .
في السنوات الأخيرة من حياته ابتعد تدريجيا عن الوسط الفني، واعتزل التمثيل عام 1991 بعد مسيرة طويلة، مفضلا الابتعاد عن الأضواء ، وكرس وقته لقراءة القرآن الكريم والعبادة حتى عرف بين المقربين منه بلقب "عاشق القرآن".
وفي 19 مارس 1997 ،رحل الفنان شكري سرحان عن عمر يناهز 72 عاما، بعد مشوار طويل أثرى السينما المصرية والعربية بعشرات الأعمال الخالدة، ليظل من أبرز نجوم العصر الذهبي للسينما المصرية، وقد نجح بموهبته وأدائه الصادق في تقديم شخصيات متنوعة بقيت في ذاكرة الجمهور ، شاهدة على فنان استثنائي كتب اسمه بحروف بارزة في تاريخ الفن العربي.
المصدر:
الشروق