على بُعد مئات الكيلومترات من صخب العاصمة، وحيث تكتسى الجبال بلون الذهب، تقف «وحدة الجدى الصحية» بمركز الحسنة بوسط سيناء كحصن منيع ضد المرض، فلم تكن رحلتنا إلى هناك مجرد زيارة عابرة، بل كانت معايشة لواقع يثبت أن الدولة المصرية حاضرة بقوة فى كل شبر من أرض الفيروز، تحت إشراف وزارة الصحة والسكان.
ما إن تطأ قدماك الوحدة الصحية، حتى تستقبلك زينب محمد عبدالغنى، مشرفة ومنسقة مبادرات إدارة الحسنة الطبية، بابتسامة أصيلة تعكس روح العزيمة، فهنا الوقت لا يُقاس بالساعات، بل بالخدمات التى تُقدّم.
تستهل «زينب» حديثها وهى تتحرك بخفة بين غرف الوحدة الطبية، قائلة: «نحن هنا لسنا مجرد موظفين، فنحن أهل لهؤلاء المرضى، ودورنا فى وحدة الجدى يمتد ليشمل كل شبر فى وحدات وسط سيناء الصحية، فنبدأ من الاستقبال، مروراً بالطوارئ، وصولاً إلى المعامل المتخصّصة، وحتى الأشعة التى باتت متوافرة فى وحداتنا لخدمة الأهالى فى أماكنهم.
فى طرقات الوحدة الصحية، تلمح ملصقات المبادرات الرئاسية التى غيّرت وجه الصحة فى مصر، وتؤكد «زينب» أن ما يحدث هو طفرة حقيقية بدعم من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، مضيفة: «بفضل التنسيق المستمر مع القوات المسلحة، تصل إلينا القوافل الطبية المحمّلة بأمهر الأطباء وأحدث الأجهزة والعلاجات المجانية، وهذه القوافل تخترق الدروب الجبلية لتصل إلى كل التجمعات، لضمان ألا يظل مواطن واحد دون رعاية».
سألناها عن ساعات العمل فى هذه المنطقة النائية، فأجابت بحسم: «نحن نعمل 24 ساعة.. فوسط سيناء لا ينام». وكشفت عن نظام دقيق لتقسيم العمل، فالتمريض والأطقم الطبية يقسّمون أنفسهم لورديات متصلة (من 8 لـ2، ومن 2 لـ8، ومن 8 لـ8)، ولا توجد لحظة واحدة تخلو فيها الوحدة من طبيب، أو ممرض، أو فنى معامل، أو كاتب.
واللافت فى هذه المعايشة هو «التنوع الإنسانى» داخل الطاقم، فهناك أبناء القرى المحيطة الذين يخدمون أهلهم، وهناك مغتربون جاءوا من الإسماعيلية والعريش، اتخذوا من «استراحات الوحدة» سكناً لهم، ليظلوا على أهبة الاستعداد لأى طارئ.
وتنتقل بنا «زينب» إلى قسم رعاية الأمومة والطفولة، وهنا تظهر معالم «معركة الوعى»، قائلة: «فى بيئة صحراوية لها طبيعة خاصة، قد لا يدرك البعض أهمية التطعيمات، ودورنا هنا هو التثقيف الصحى الشامل، وبمجرد أن تطأ قدم الأم الحامل الوحدة، نفتح لها كراسة المتابعة، ونوفر لها الحديد والفيتامينات، ونجرى تحاليل السكر والهيموجلوبين».
وضمن مبادرة «الأم والجنين»، يتم فحص الحالات لاكتشاف أى عوامل خطورة خفية قد تهدّد حياة الأم أو طفلها، أما المواليد، فلهم رعاية خاصة، حيث تُسحب عينات الغدة الدرقية ويُجرى مسح السمع فوراً، لضمان حماية أطفال سيناء من أى إعاقات مستقبلية، والتعامل المبكر مع أى عيوب خلقية قد تُكتشف.
وفى حال واجهت الوحدة حالة فوق طاقتها الاستيعابية، لا يترك المريض لقدره، فبجوار الوحدة، تتمركز نقطة إسعاف دائمة، وبمجرد الاتصال، تتحرك السيارة لنقل الحالة إلى مستشفى نخل أو مستشفى العريش العام، لضمان استكمال الرحلة العلاجية فى أسرع وقت.
وعند سؤالنا عن التكلفة، كانت الإجابة صادمة فى بساطتها: «كل المبادرات والفحوصات مجانية تماماً، المريض لا يدفع سوى سعر رمزى هو (5 جنيهات) قيمة التذكرة، للحصول على العلاج المتوافر فى صيدلية الوحدة».
المصدر:
الوطن