حقق مسلسل حكاية نرجس صدى واسعا وردود فعل إيجابية، سواء من الجمهور أو النقاد، منذ بداية عرضه في النص الثاني من شهر رمضان، وهو من بطولة ريهام عبد الغفور، وحمزة العيلي، وسماح أنور، وأحمد عزمي، تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء.
يمكن الحديث عن مسلسل حكاية نرجس من أكثر من زاوية نقدية، سواء على مستوى الإخراج أو التصوير، أو السيناريو، ولكن هناك زاوية اجتماعية من المهم التطرق لها، لأنها تمنح فرصة لفهم التشريح الاجتماعي الضاغط الذي عاشته البطلة لكي تصل إلى هذه الحالة النفسية الضارة لمن حولها.
تدور أحداث مسلسل حكاية نرجس حول الشخصية الرئيسية وهي امرأة مطلقة لم تنجب، وتعود لمنزل أسرتها، وتتزوج من رجل آخر، تخدعه أنه هو المسئول عن عدم الإنجاب، ومن هنا يصبح شريكا لها في كذبتها الكبرى وهي الأمومة، حيث تدعي الحمل ثم تخطف طفل وتنسبه لها، ثم تكرر الفعل مرة أخرى.
وفي محاولة لتفكيك البيئة الاجتماعية التي ولدت وعاشت فيها نرجس، سوف نجد أنها بيئة تقدس الأمومة خاصة للذكور، وتمنحهم قيمة إنسانية هم بدونها لا شيء، وقد ركز السيناريو والإخراج على هذه النقطة في أكثر من مشهد لإبراز قيمة نرجس كإنسانة قبل وبعد الأمومة.
ويطرح المسلسل سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين قيمة المرأة في المجتمع وقدرتها على الإنجاب، فالشخصية لا تُقدم فقط باعتبارها امرأة تعاني من أزمة نفسية، بل أنها نتاج مباشر لضغط اجتماعي طويل الأمد، تراكم عبر سنوات من الوصم والتنميط، فـ"نرجس" ليست مجرد شخصية مخادعة تسعى إلى تحقيق حلم الأمومة بأي ثمن، بل امرأة وجدت نفسها محاصرة بمنظومة قيم لا ترى في المرأة سوى دورها البيولوجي كأم.
ويُظهر العمل بذكاء كيف يمكن للوصم الاجتماعي أن يتحول إلى قوة مدمرة للنفس، تظهر على ملامح نرجس وشعرها الذي امتلأ بالفراغات، فالمجتمع الذي يحيط بنرجس لا يتعامل مع عدم الإنجاب باعتباره ظرفًا طبيًا أو إنسانيًا، بل باعتباره نقصًا في القيمة الإنسانية للمرأة نفسها، ولذلك تتكرر في العمل عبارات وإشارات تجعل من الأمومة معيارًا للقبول الاجتماعي، مثل الحوار بين نرجس ووالدتها، والذي قالت فيه الأخيرة أنها يمكن تبديل بناتها الثلاث بذكر واحد إذا كان ذلك مناسبا، لذلك نرجس تخطف ذكور فقط، فهي تخلق سردية بديلة لحياتها، حتى وإن كانت قائمة على الكذب والجريمة.
لا يكتفي المسلسل بعرض مأساة نرجس من الداخل، بل يضعها أيضًا داخل شبكة من العلاقات العائلية التي تُعيد إنتاج هذا الضغط بشكل يومي، فالعائلة، التي يفترض أن تكون مساحة للحماية والدعم، تتحول أحيانًا إلى مصدر إضافي للضغط، من خلال المقارنات أو التلميحات أو حتى الصمت الذي يرسخ فكرة العيب الاجتماعي المرتبط بعدم الإنجاب، وذلك يظهر في أول حلقة عندما دخلت أم نرجس عليها الغرفة ووجدتها تضع لونا يخفي سقوط حواجبها، واندفعت في وجهها بكلمات تقلل منها وجذبت الحجاب من على شعرها لتذكرها بنقصها وعيوب جسدها.
وعلى مستوى المعالجة الدرامية، يحاول السيناريو أن يجعل من فعل الخطف ذروة مأساوية لمسار طويل من التهميش النفسي والاجتماعي، وليس مجرد حدث بوليسي، فالجريمة هنا ليست منفصلة عن السياق الاجتماعي، بل هي نتيجة متطرفة لمنظومة كاملة من التوقعات والضغوط التي تحاصر المرأة، ومن هذا المنطلق لا يدفع المسلسل المشاهد إلى إدانة نرجس بشكل فوري ومباشر، بقدر ما يجعله يتساءل عن الحدود الفاصلة بين المسئولية الفردية والمسئولية الاجتماعية، وإلى أي مدى يمكن تحميل الفرد وحده تبعات اختلالات اجتماعية عميقة؟ كما تدفعه لتفكيك العادات الاجتماعية ومدى تأثيرها على الفرض.
في هذا السياق، يصبح مسلسل "حكاية نرجس" أقرب إلى تشريح اجتماعي لفكرة الأمومة بوصفها قيمة مطلقة في الثقافة الشعبية، لا مجرد حكاية درامية عن جريمة خطف أطفال، فهو يفتح باب النقاش حول الطريقة التي يتم بها تعريف المرأة في المجتمع، وحول الأثمان النفسية التي قد تدفعها بعض النساء حين تتحول الأمومة من اختيار إنساني إلى شرط للقبول الاجتماعي.
المصدر:
الشروق