وكشفت الصعيدى فى حوارها لـ«الشروق»، عن ملامح سياسة الأزهر تجاه الوافدين، وتوزيعهم وجنسياتهم، وأبرز تحدياتهم، وآليات القبول والدعم التعليمى والنفسى والاجتماعى المقدم لهم، إلى جانب دور خريجى الأزهر فى مواجهة الفكر المتطرف فى مجتمعاتهم.
كما تحدثت عن خطط الأزهر المستقبلية لتطوير قطاع الوافدين باعتباره أحد المحاور الأساسية لرسالته العالمية فى نشر التعليم الوسطى وتعزيز التعايش الإنسانى، وفى إطار دوره باعتباره أداة من أهم أدوات القوة الناعمة لمصر.
وإلى نص الحوار..
ــ الطلاب الوافدون نعتبرهم سفراء الأزهر فى أوطانهم، ولا ننظر إلى الطالب الوافد كمتلقٍّ للعلم فحسب، بل كأمانة ومستقبل لأمته، وممثل للقيم الوسطية التى يحملها الأزهر فى بلده.
لذلك اعتمدنا رؤية شاملة ومتسقة من خلال عمل مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب، تجمع بين جودة التعليم، والدعم النفسى لمعالجة مشاعر الاغتراب، والدمج الاجتماعى والثقافى، بما يضمن بيئة تعليمية محفزة ومتوازنة، لبناء شخصية أزهرية متكاملة، قادرة على حمل رسالة الوسطية، ومواجهة التحديات المعاصرة، مع تعزيز الانتماء للمجتمع المصرى وللأمة الإسلامية.
ــ يحتضن الأزهر الشريف حاليا ما يقرب من 100 ألف طالب وافد من أكثر من 100 دولة حول العالم، يتوزعون بين معاهد البعوث الإسلامية (التعليم قبل الجامعى) وجامعة الأزهر بمختلف كلياتها، والدراسات العليا.
وتتصدر دول جنوب شرق آسيا (مثل إندونيسيا وماليزيا) القائمة من حيث العدد، تليها دول قارة إفريقيا (مثل نيجيريا والسنغال)، ثم دول آسيا الوسطى وأوروبا.
ــ يتم التوزيع وفق المستوى العلمى والشهادات الحاصلين عليها؛ فالطالب الذى يحمل شهادة معادلة لشهادة الأزهر يُسمح له بالالتحاق مباشرة بالجامعة، بينما يلتحق من لا يحملها بمعاهد البعوث الإسلامية لاكتساب الأسس اللازمة.
وفيما يخص القبول، يخضع جميع الطلاب لاختبارات تحديد المستوى فى اللغة العربية والعلوم الشرعية، لضمان وضع كل طالب فى الصف الدراسى الذى يتناسب مع قدراته الحقيقية، ويتيح له متابعة الدراسة بفعالية وتحقيق أقصى استفادة من المناهج الأزهرية.
ــ المحتوى العلمى والأساس الشرعى ثابت للوافدين والمصريين، لكننا نعيد صياغة القوالب التربوية، بحيث يكتسب الطالب الوافد مهارات اللغة العربية اللازمة لفهم النصوص، مع تبسيط المصطلحات التى قد تكون بديهية للطالب المصرى.
ومن أبرز هذه الجهود للوافدين، سلسلة «التحفة الأزهرية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها».
ــ من خلال برامج تمهيدية مكثفة ورعاية خاصة، وليس باعتباره تمييزا، بل دعما مخصصا يضمن للطالب التقدم بثقة وكفاءة؛ فالطالب الذى يواجه صعوبات لغوية أو منهجية يلتحق للدراسة بالأزهر حتى يصل إلى مستوى الكفاءة المطلوب.
كما نوفر له مجموعات تقوية، ومواد تعليمية ميسرة، وأنشطة تفاعلية تساعده على اللحاق بركب زملائه، مع الحفاظ على احترام قدراته وخصوصيته، بما يضمن اندماجا سلسا دون أى شعور بالتمييز.
ــ ينظم الأزهر برامج ودورات تدريبية دورية لأعضاء هيئة التدريس؛ أهمها (البرنامج الدولى لإعداد معلمى الناطقين بغير العربية)، تشمل التدريب على مهارات التواصل العابر للثقافات وسيكولوجية الطالب الوافد، لتمكينهم من فهم احتياجات الطلاب المتنوعة، والتعامل مع اختلاف خلفياتهم الثقافية بطريقة علمية ومهنية، واستثمار التنوع الثقافى لإثراء المحاضرات التعليمية، وتشجيع الحوار البناء بين الطلاب.
ــ «صدمة الاغتراب» فى البداية، وصعوبات التكيف مع البيئة الجديدة، وأحيانا الأزمات الاقتصادية الناتجة عن ظروف بلادهم مثل الصراعات؛ فطلاب إفريقيا خصوصا من دول مثل الصومال والكونغو قد يواجهون تحديات مادية أكبر، بينما طلاب شرق آسيا يتركز تحديهم فى إتقان اللغة العربية؛ ونحن بدورنا نكثف الرعاية الاجتماعية والمنح الدراسية لتذليل هذه العقبات.
ــ نعمل على كسر هذه الدوائر من خلال منظومة متكاملة للدعم النفسى والاجتماعى، تُعزز الشعور بالانتماء والاندماج، فننظم معسكرات صيفية، ورحلات ثقافية إلى المعالم الحضارية فى مصر، ومسابقات رياضية وفنية مشتركة تجمع الطلاب من جنسيات مختلفة، بما يخلق مساحات طبيعية للتفاعل والتعارف.
كما يحرص مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب على تنظيم «ملتقى ثقافات الشعوب»، والبرنامج التعريفى والإفطار الجماعى خلال رمضان.
ــ على مستوى السكن، يوفر الأزهر مدنا جامعية مجهزة تستوعب أعدادا كبيرة من الطلاب الوافدين وتراعى احتياجاتهم المعيشية والثقافية.
أما فى الجانب الصحى، فتتولى المستشفيات الجامعية التابعة للأزهر تقديم الرعاية الطبية المجانية للطلاب، بما يشمل الكشف والعلاج والمتابعة الصحية اللازمة.
كما يقدم الأزهر مساعدات مالية عاجلة، ومنحا شهرية للطلاب غير القادرين، لتمكينهم من التفرغ الكامل لطلب العلم.
ــ نعتبر الخريج الوافد بالفعل حائط الصد الأول ضد الغلو والتشدد فى مجتمعه، فهو يعود إلى بلاده مزودا بعلم رصين، ومنهج وسطى قائم على الفهم المقاصدى للنصوص، والتمييز بين الثوابت والمتغيرات، والقدرة على التعامل مع الواقع المعاصر بوعيٍ واتزان.
وقبل عودتهم، يشارك الطلاب الوافدون الدارسون بالأزهر فى برامج تدريبية متخصصة تُعنى بـ«تفكيك الفكر المتطرف» وتحليل جذوره الفكرية وآلياته الخطابية، إلى جانب برامج فى «فقه المستجدات» التى تمكّنهم من معالجة القضايا المعاصرة بمنهج علمى منضبط، وتُقدَّم هذه البرامج عبر أكاديمية «مواهب وقدرات» التابعة لمركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب.
ــ بكل تأكيد، تعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة لمصر، بل إنها من أعمقها أثرا وأكثرها استدامة.
الطالب الوافد حين يأتى لا يتلقى المعرفة الأكاديمية فقط، بل يعيش تجربة ثقافية وإنسانية كاملة؛ ويحمل معه عند عودته صورة واقعية عن مصر وأزهرها ورسالتها، فيصبح سفيرا للقيم التى تعلمها، وجسرا للتواصل بين بلاده ومصر.
ونحن ننظر إلى رعاية الطلاب الوافدين باعتبارها استثمارا استراتيجيا فى العلاقات الدولية، وفى تعزيز الحضور المصرى عالميا على المستويين الثقافى والدينى.
ــ نعمل خلال المرحلة المقبلة على تنفيذ رؤية متكاملة تقوم على التحول الرقمى الشامل فى مختلف خدمات الطلاب الوافدين، بما يضمن تسهيل الإجراءات، ورفع كفاءة الأداء، وتحقيق سرعة الاستجابة لاحتياجاتهم الأكاديمية والإدارية؛ ويشمل ذلك تطوير المنصات الإلكترونية، وإتاحة الخدمات التعليمية والإرشادية بصورة رقمية تفاعلية وآمنة.
كما نولى اهتماما خاصا بتوسيع نطاق التعليم عن بُعد عبر منصات تعليمية متطورة، تتيح للطلاب من مختلف دول العالم الاستفادة من برامج الأزهر العلمية واللغوية، دون عوائق جغرافية، فضلا عن تعزيز الشراكات مع المؤسسات والجامعات الدولية والمراكز الثقافية حول العالم.
ــ هناك فروع لمعاهد أزهرية ومراكز لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها فى عدة دول مثل إندونيسيا، الصومال، وتشاد وسيراليون وجامبيا وغيرها، وهناك بروتوكولات تعاون لإنشاء مراكز لتعليم العربية فى دول أخرى.
المصدر:
الشروق