لم يعد غياب إقامة «موائد الرحمن» بحاجة إلى رصد بصرى بقدر ما يحتاج إلى إنصات لأحاديث الناس، فالمائدة التى كانت علامة مسجلة فى ركن ما كل عام، تراجعت هذا الموسم ليس بقرار، بل تحت وطأة ضغوط اقتصادية أعادت رسم حدود العطاء وشكله.
تلك المظاهر لم تختف فجأة، لكنها انحسرت تدريجيا بعدما باتت تكاليفها تفوق قدرة المنظمين، مما غيّر من شكل التكافل الاجتماعى المعتاد، وفى بعض المناطق استبدلت بشنط تحتوى على وجبات ساخنة أو كراتين لسلع غذانية.
فمنذ ثلاث سنوات ماضية، كان متوسط تكلفة الوجبة الواحدة لمائدة الرحمن يتراوح ما بين 40 و45 جنيها، إلا أن هذه التكلفة تضاعفت خلال الفترة الحالية، لتتراوح ما بين 90 و100 جنيه للوجبة الواحدة، فى ظل الارتفاع المستمر فى أسعار السلع والمواد الغذائية، بحسب ما قاله حمادة على، صاحب مائدة مقامة بمنطقة أكتوبر، لـ«الشروق» خلال جولة فى محافظتى القاهرة والجيزة.
وأضاف أن الارتفاع المستمر فى الأسعار دفعه على مدار السنوات الماضية؛ إلى تقليل كميات الوجبات المقدمة، بعدما كان يقدم نحو 300 وجبة يوميا فى بعض المواسم، ليصل العدد إلى 150 وجبة، وأحيانا 100 فقط حاليا.
وأكد بعض المواطنين بمنطقة فصيل بالجيزة، أن موائد الرحمن بدأت فى التقلص منذ عامين حتى انقطعت تماما فى بعض المناطق، دون أن تحل محلها أنشطة اجتماعية بديلة، باستثناء مبادرات فردية بسيطة لتوزيع وجبات جافة أو تمر، وهى محاولات رغم نبلها، إلا أنها لا تعوض دفء وحجم الموائد المقامة من قبل.
ويقول عبد الفتاح أحمد، أحد سكان حى شبرا: «من الملاحظ اختفاء موائد الرحمن ببعض شوارع شبرا، الأمر الذى جعل بعض الجمعيات الخيرية بالمنطقة تكثف من توزيع وجبات الخير على الأهالى الأكثر احتياجا، لكن تبقى فئة من العمالة وبعض المغتربين لا يزالون بحاجة للموائد، مضيفا: "أكيد الناس عاوزه تعمل خير، لكن زيادة التكلفة سنة تلو الأخرى جعل البعض غير قادر على تحمل نفقات مائدة تسد جوع المئات من المارة، وبات بعضهم يلجأ إلى توزيع وجبات بعدد محدود".
يتفق معه مواطن أخر يقطن بمنطقة "أبو قتادة" بالجيزة، موضحا أن الأمر لم يقتصر على مائدة واحدة فى شارع بعينه، بل اختفت الموائد من أغلب الشوارع، مقارنة بالمواسم الماضية كانت توجد أكثر من مائدة بالمنطقة، وكان الناس يعرفون أماكنها.
وتقول إحدى السيدات بمنطقة بولاق الدكرور، والتى اعتادت المشاركة فى إعداد الطعام خلال الأعوام الماضية: «كنا نطبخ معا، كل بيت يشارك بما يستطيع، وكانت المائدة تخرج ببركة المشاركة، لم نكن نحسب كثيرا، لأن الأسعار كانت تسمح بذلك، لكن الآن، كل شيء تغير، فأى كمية تحتاج إلى ميزانية كبيرة».
وتحدث (ص. سمير)، عامل نظافة، يعمل فى نطاق وسط القاهرة لـ«الشروق»، قائلا: «كنا نعتمد اعتمادا أساسيا على موائد الشارع، خاصة فى وقت الإفطار أثناء نوبات العمل، وكنا نفطر على المائدة ونستريح قليلا ثم نكمل عملنا، المائدة كانت توفر لنا طعاما جيدا، لكن الآن أصبحنا نمشى لمسافات بعيدة جدا للعثور على إحدى الموائد الرمضانية، ونجدها مكتظة بالزحام».
ويؤكد أشرف علاء، عامل نظافة آخر بالمنطقة، أن التراجع لم يقتصر على الموائد الكبيرة فقط، قائلا: «حتى الوجبات الجاهزة التى كان يوزعها المواطنون قلّت بشكل واضح»، موضحا أنه فى السابق، كان يمر عليه أكثر من شخص يوزعون الوجبات، أما الآن فالعدد قل، والكميات انخفضت، وبعض الأيام لا نحصل على شىء لذلك نضطر أحيانا لاستكمال العمل دون إفطار، ونؤجل الأكل لحين العودة إلى المنزل".
وتابع أحد أصحاب الموائد السابقة، رفض ذكر اسمه فى تصريح لـ«الشروق»: «النية ما زالت موجودة لدى الناس، لكن القدرة لم تعد كما كانت»، موضحا أن المائدة تحتاج إلى مصاريف كبيرة، ومع الغلاء، أصبح الاستمرار فيها أمرا صعبا، حتى على من اعتادوا ذلك لسنوات طويلة.
وقال مصدر بمحافظة الجيزة، إن الإقبال على موائد الرحمن خلال شهر رمضان الحالى أقل مقارنة بالعام الماضى، مرجعا ذلك إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف إقامة الموائد.
ولفت المصدر لـ«الشروق»، إلى أن هناك بعض المواطنين استبدلوا موائد الرحمن بواجبات ساخنة، موضحا أن إقامة موائد الرحمن داخل نطاق الحى لا تتطلب الحصول على تصريح رسمى مكتوب، والأمر يقتصر على الإخطار فقط دون تحصيل أى مقابل مادى من القائمين عليها.
وأضاف المصدر أن بعض الأهالى يتقدمون لإبلاغ الحى بنيتهم إقامة مائدة رحمن فى نطاق الشارع أو المنطقة السكنية، مشيرا إلى أنه يتم التعامل مع الأمر فى إطار التنظيم والمتابعة فقط، دون إصدار تصاريح ورقية، طالما لا توجد مخالفات أو تعديات على الطريق العام.
وأشار إلى أن رؤساء الأحياء مع اقتراب شهر رمضان ينفذوا حملات ميدانية بالتنسيق مع مديرو الإشغالات ومديرو المتابعة، لحصر الفروشات والموائد المقامة فى الشوارع والتأكد من عدم إعاقة الحركة المرورية أو التسبب فى إشغالات مخالفة.
كما أكد مصدر مسئول آخر بمحافظة القاهرة، أن هناك توجيهات مشددة من المحافظ لرؤساء الأحياء بضرورة تقديم جميع التسهيلات اللازمة للمواطنين والجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدنى الراغبين فى إقامة موائد الرحمن فى جميع مناطق العاصمة، وذلك طوال شهر رمضان، حيث تدعم الدولة كافة المبادرات المجتمعية التى تخدم المواطنين خلال الشهر الكريم.
وأشار المصدر لـ«الشروق»، إلى أن إقامة موائد الرحمن هذا العام ستكون معفاة تماما من أى رسوم، وذلك تيسيرا على المساهمين فى أعمال الخير، قائلا: «كل من يرغب فى إقامة مائدة رحمن يذهب إلى المركز التكنولوجى للحى التابع له ويقدم طلب لإقامتها بدون رسوم نهائيا وسيوافق الحى طالما لن يعرقل مكانها الحركة المرورية أو مضايقة المارة».
من ناحيته، قال مصدر بوزارة الأوقاف، إن إقامة موائد الرحمن فى محيط المساجد تتطلب التنسيق المسبق مع الوزارة، مشيرا إلى أن عدد الأشخاص المستفيدين من المائدة لا يحدد مسبقا.
وأضاف المصدر لـ«الشروق»، أن الوزارة هذا العام رصدت 269 مائدة رحمن مقامة داخل المساجد بأنحاء الجمهورية، لافتا إلى أن هذا العدد شهد زيادة مقارنة بالعام الماضى، ما يعكس حرص المساجد على خدمة المواطنين وتوسيع مظلة المساعدات الغذائية خلال شهر رمضان.
وأكد المصدر أن التنسيق مع الوزارة يضمن الالتزام بالضوابط التنظيمية والحفاظ على الانضباط داخل المساجد ومحيطها، مع تسهيل تقديم المساعدات للمحتاجين دون أى عوائق.
المصدر:
الشروق