آخر الأخبار

شباب دمياط يحولون موائد رمضان إلى جسور من التكافل والرحمة: «الخير فينا ليوم الدين» - الوطن

شارك

مع حلول شهر رمضان الكريم، تتغير ملامح الحياة اليومية في الشارع، وتبرز مشاهد إنسانية تحمل طابعاً خاصاً لا يظهر بنفس الزخم في أي وقت آخر من العام، ومن هذه المشاهد موائد رحمن، ومطابخ خيرية، وشباب يحملون صناديق الطعام، وأيادٍ تمتد بالعطاء دون انتظار مقابل، وفي محافظة دمياط، لم يكن المشهد مختلفاً، بل حمل طابعاً لافتاً يُبرز روح التضامن المتجذّرة في المجتمع، تتحرّك فيه المبادرات الشعبية بعفوية وتنظيم، يقودها الشباب والأهالى الذين قرروا أن يكون الشهر الكريم مساحة للفعل لا الاكتفاء بالشعارات.

من بين تلك المبادرات، يبرز اسم مبادرة «مطعم المحروسة» كنموذج حىّ لجهود أهلية استطاعت أن تصنع أثراً ملموساً على أرض الواقع، وداخل المطبخ الخيري التابع للمبادرة، تبدأ الحركة منذ ساعات مبكرة من اليوم، لا صوت يعلو فوق صوت العمل من تجهيز وطهى وتعبئة وتنظيم مجموعة من الشباب، إلى جانب سيدات وفتيات متطوعات، يعملون بوتيرة متواصلة لإعداد ما يزيد على ألف وجبة إفطار يومياً، يتم توزيعها على الأسر الأكثر احتياجاً في قرى ومدن محافظة دمياط.

الوجبات تُجهّز بالكامل عبر جهود ذاتية

اللافت في التجربة ليس فقط عدد الوجبات، بل طبيعة الجهد المبذول، فالوجبات تُجهّز بالكامل عبر جهود ذاتية، بدءاً من إعداد المكونات وحتى الطهى، حتى الخبز، أحد العناصر الأساسية في الوجبة المصرية، يُخبَز بأيدي المتطوعين داخل المبادرة، في مشهد يعكس روح المشاركة الحقيقية.

لا يتوقف دور المبادرة عند الإفطار فقط، إذ يمتد ليشمل إعداد وجبات سحور يومية، بهدف توفير احتياجات الأسر المستفيدة على مدار اليوم الرمضانى، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تجعل توفير وجبتين يومياً عبئاً على كثير من الأسر.

تقوم فلسفة العمل داخل المبادرة على فكرة الوصول المنظم والعادل للمستفيدين، في هذا السياق، أوضح الشيخ عماد عوض، مؤسس المبادرة ورئيس مجلس إدارة إحدى الجمعيات الخيرية لـ«الوطن»، أن العمل لا يقتصر على توزيع الطعام، بل يعتمد على آلية دقيقة لدراسة الحالات.

وأشار إلى أن فرقاً ميدانية ومناديب تابعين للمبادرة يتولون مهمة حصر ودراسة أوضاع الأسر، للتأكد من وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً بالفعل.

وأكد أن توصيل الوجبات إلى المنازل يُمثل أولوية، مراعاة لكبار السن والمرضى وغير القادرين على الحركة، مضيفاً: «نحرص على أن يصل الدعم بشكل كريم ومنظم، بما يحفظ كرامة الأسر ويضمن عدالة التوزيع».

ما يمنح هذه المبادرات قيمتها الحقيقية هو الدور المتزايد للشباب، فالكثير من المشاركين في مطبخ المحروسة من الفئات العمرية الشابة، الذين وجدوا في العمل التطوعى مساحة عملية للتعبير عن قيم الانتماء والمسئولية.

العمل بروح الفريق

وقال أحمد نصر، أحد المتطوعين في المبادرة، إن العمل داخل المطبخ يبدأ يومياً قبل ساعات طويلة من موعد الإفطار، موضّحاً أن الفريق يعمل بروح جماعية واضحة، حيث يتقاسم الجميع المهام دون تمييز. وأضاف أن المشاركة في إعداد الطعام تمنحه شعوراً مختلفاً برمضان، قائلاً: «إحساس إنك بتشارك في تجهيز وجبة هتوصل لبيت محتاج، بيخلي أي تعب بسيط جداً قدام الفرحة اللى بنشوفها».

وقالت مروة جمال، إحدى المتطوعات بالمبادرة، إن العمل الخيرى خلال رمضان يُمثل تجربة إنسانية ثرية، موضحة أن المشاركة لا تقتصر على إعداد الطعام فقط، بل تشمل متابعة التفاصيل اليومية للمبادرة.

وأضافت: «كل يوم بنشوف حالات مختلفة، وأسر ظروفها صعبة، وده بيخلينا نحس إن اللى بنعمله مش مجرد وجبات، لكن رسالة دعم حقيقية». وأشارت إلى أن روح التعاون بين المتطوعين تُمثل أحد أهم عوامل نجاح المبادرة، مؤكدة أن الجميع يعمل بدافع إنساني خالص.

من جانبه، أوضح محمد السعيد، أحد المشاركين في أعمال التوزيع، أن اللحظات الأكثر تأثيراً هى أثناء تسليم الوجبات للأسر، قائلاً: «فيه بيوت بتعتبر الوجبة دى حاجة أساسية جداً، وردود الفعل بتكون مؤثرة بشكل كبير». وأكد أن المبادرة تسعى للوصول إلى أكبر نطاق جغرافى ممكن داخل المحافظة، مع استمرار العمل يومياً طوال الشهر الكريم.

تعكس هذه المشاهد صورة أوسع للمجتمع المصرى خلال الشهر الكريم، حيث تتحول قيم التكافل إلى ممارسة يومية، فالمبادرات الأهلية، الكبيرة منها والصغيرة، أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الرمضاني، تُسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر غير القادرة، وتدعم فكرة التكاتف المجتمعى.

فى دمياط، كما في كثير من المحافظات، لا تقتصر مظاهر الخير على جهة واحدة أو مبادرة بعينها، بل تمتد عبر عشرات الجهود الفردية والجماعية، التي يجمعها هدف واحد، ألا يمر رمضان دون أن تصل يد العون إلى المحتاج، وفى ظل تلك الجهود، يظل المشهد الأبرز هو قدرة المجتمع على إنتاج حلول إنسانية من داخله، عبر مبادرات تنطلق من الإحساس بالمسئولية، وتُترجم قيم الرحمة والتراحم إلى أفعال.


*
*
*
*
الوطن المصدر: الوطن
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا