توقع الخبير الاقتصادي المغربي سامي أمين حدوث "صدمات" اقتصادية في مجالات الطاقة واللوجستيات على المستوى العالمي نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة منذ أسبوع على إيران.
وفي مقابلة مع "الأناضول"، قال الخبير الاقتصادي إن الحرب على إيران تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة، الأمر الذي زاد من كلفة الإنتاج والنقل والتأمين، وزيادة أسعار الغذاء والسلع.
ومنذ 28 فبراير الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، أسفرت عن مقتل مئات الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسئولون أمنيون كبار، فيما ترد طهران على تل أبيب بشن هجمات بالصواريخ والمسيرات.
وتسببت الحرب على إيران في تضرر إمدادات الطاقة، في ظل التراجع الحاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، مع تقارير عن تكدس مئات السفن على جانبي المضيق نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة.
الخبير الاقتصادي قال إن تداعيات الحرب على إيران "لا تُقاس بعدد الضربات فقط، بل بمدى اقترابها من أركان النظام الاقتصادي العالمي، مثل الطاقة والممرات البحرية والتأمين والتمويل".
وأوضح أن التداعيات الاقتصادية المتوقعة عالميا تتمثل في ثلاث موجات متزامنة، أولها موجة تضخم في الاستيراد، حيث إن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل والتأمين، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الصناعية.
إضافة إلى ذلك، يتوقع الخبير موجة "تباطؤ" في النمو الاقتصادي؛ حيث ستؤجل الشركات الاستثمار وتزيد مخزونها الاحتياطي بدلا من التوسع، تماشيا مع الظروف المتقلبة مع الحرب.
وثالثا، توقع الخبير موجة "إعادة تموضع" تجاري، وذلك من خلال ارتفاع في سوق التجزئة عبر تحويل مسارات التوريد، وعقود طويلة الأجل، ومزيد من "التكتلات" الصغيرة بدلا من السوق العالمية.
ولفت إلى أن "الخطر الحقيقي ليس ارتفاع سعر برميل النفط فقط، بل ارتفاع كلفة كل شيء، مثل التمويل والشحن والتأمين وزمن العبور ومخاطر تعثر التسليم".
اعتبر أمين، أن مضيق هرمز الذي ينقل نحو 20% من إمدادات النفط، بنحو 27 مليون برميل، ليس مجرد مضيق، بل "بوابة تسعير العالم".
وقال: "عندما تتعطل أو تتهدد حركة العبور في مضيق هرمز، تتأثر قرارات الشحن حول العالم".
وأوضح أن أي اضطراب في المضيق "يجمد قرارات الشحن، حيث تُعلق أو تُقلص شركات الشحن أو المتعاملون معها حركة المرور، فتظهر فجوة فجائية في الإمداد، حتى قبل أن يقل إنتاج النفط فعليا".
وأشار إلى حدوث "قفزة" في تأمين الحرب، حيث يصبح التأمين "ضريبة حرب" على كل شحنة، موضحا أن هذا وحده "يرفع كلفة السلع حتى لو بقي إنتاجها ثابتا".
وتوقع الخبير المغربي حدوث "اختناق في الحاويات والمواد الأولية"، منوها بأن "النفط ليس وحده الذي يمر عبر مضيق هرمز، بل يشمل ذلك البتروكيماويات واللدائن البلاستيكية ومدخلات الأسمدة وبعض المعادن والكيماويات".
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ويقع عند مدخل الخليج العربي، ويربط صادرات الشرق الأوسط من النفط والغاز الطبيعي المسال بالأسواق العالمية عبر بحر عُمان والمحيط الهندي.
ويمر عبر المضيق، الذي تسيطر عليه إيران، نحو 20% من الاستهلاك العالمي اليومي من النفط، معظمها قادم من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران.
وتتجه نسبة كبيرة من هذه الإمدادات إلى دول آسيوية، بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وتوقع أمين حدوث ما أسماه "صدمة صامتة" في الأسواق مع اضطراب في المخزون والطلبيات؛ موضحا أنه عندما ترتفع حالة عدم اليقين في الأسواق، تزيد الشركات من المخزون ويصبح التمويل قصير الأجل أغلى، وعليه يطلب الموردون دفعات مسبقة أو شروطا أشد، ما يضعف التجارة الحقيقية.
ولفت الخبير المغربي إلى أن "إغلاق الأجواء يضرب ارتباط القيمة العالية مع الزمن الحساس"، حيث يؤدي إغلاق أو تفريغ أجواء إيران والمنطقة إلى إعادة رسم خطوط الطيران بين آسيا وأوروبا.
وبالتالي يصبح الزمن اللازم لتوصيل الشحنات أطول، مع وقود أكثر، وبالتالي ارتفاع كلفة الشحن الجوي، وتأخر قطع الغيار والإلكترونيات والأدوية والطرود السريعة، كما يؤدي ذلك إلى تكدس في مطارات محورية وتعطل جداول الطائرات، ما يدفع إلى اضطراب يمتد لأيام أو أسابيع وفق اتساع الإغلاق، بحسب الخبير.
وأدت الهجمات المشتركة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ أسبوع، وما تبعها من ردود إيرانية، إلى وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ يناير 2025.
وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 10% الجمعة، حيث بلغ سعر خام برنت في التداولات 94 دولارا للبرميل بزيادة 8.6 دولارات تمثل زيادة بنسبة 10.1% مقارنة بنهاية تداولات الخميس.
في حين سجل خام "غرب تكساس" الوسيط نحو 92.3 دولارا بزيادة 11.3 دولارا تمثل زيادة بنسبة 14% مقارنة باليوم السابق.
وقال الخبير المغربي إن هناك 3 سيناريوهات تتعلق بأسعار الطاقة؛ حيث يتمثل السيناريو الأول في "احتواء سريع يدوم أسبوعين"، حيث ستشهد الأسواق "قفزة أولية ثم تذبذبا مرتفعا"، متوقعا أن تقوم منظمة "أوبك" للدول المنتجة للنفط بتعويض النقص جزئيا، كما ستسهم المخزونات الاستراتيجية في تهدئة السوق نفسيا.
وبخصوص السيناريو الثاني، توقع الخبير الاقتصادي أن استمرار الحرب لأسابيع سيسهم في ارتفاع الأسعار عموما نتيجة ارتفاع كلفة الشحن والتأمين بشكل مستمر، مضيفا أن "دول آسيا ستتضرر أكثر من غيرها، لأنها أكبر وجهة لتدفقات النفط والغاز عبر هرمز".
ولفت إلى أن سيناريو ثالث يتمثل في "تعطيل واسع لمضيق هرمز، أو ضربات مباشرة للبنية الطاقية" في المنطقة، وهو السيناريو الأسوأ، منوها بأن هذا السيناريو سيسفر عن "أزمة إمداد عالمية"، حيث سيصبح جزء كبير من تدفقات النفط المنقول بحرا في خطر، كما سيواجه إنتاج الغاز المسال "ضغطا حادا" إذا تعطلت صادرات الخليج، ما يرفع أسعار الكهرباء والصناعة في آسيا وأوروبا.
والجمعة، توقع وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل، والغاز إلى 40 دولارا لكل مليون وحدة حرارية، إذا استمرت الحرب في المنطقة.
والأربعاء، أعلنت شركة "قطر للطاقة" أنها أبلغت عملاءها بإعلان "حالة القوة القاهرة"، إثر توقف إنتاجها تحت وطأة الحرب على إيران.
وقالت الشركة: "عطفا على قرار الشركة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة، ستوقف إنتاج بعض منتجات صناعاتها الكيماوية والبتروكيماوية والتحويلية في قطر، بما في ذلك اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم وغيرها".
ويُقصد بحالة "القوة القاهرة" مادة قانونية توجد في العقود تسمح للطرف المورد (قطر للطاقة) بإعفاء نفسه من الالتزامات التعاقدية (مثل تسليم شحنات الغاز في موعدها) دون دفع غرامات مالية.
المصدر:
الشروق