آخر الأخبار

الدراما بين صورة الأسرة وحقيقة الإنسان.. من الضحية الآباء أم الأبناء؟

شارك

لم تعد الدراما مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت مساحة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي، خاصة في مجتمعاتنا التي لا تزال تنظر إلى الأسرة باعتبارها القيمة الأعلى التي يجب الحفاظ عليها مهما كان الثمن.

ومع تصاعد نسب الطلاق وتغير أنماط العلاقات، صار السؤال أكثر إلحاحًا هل بقاء الأسرة أهم من سعادة أفرادها؟ وهل الأبناء ضحايا الانفصال دائمًا، أم قد يكونون ضحايا استمرار علاقة فقدت معناها؟

في موسم دراما رمضان 2025، تناول عملان بارزان هذه الإشكالية من زاويتين مختلفتين، كل منهما يحمل رؤية ورسالة ضمنية.

اتنين غيرنا

في مسلسل "اتنين غيرنا" بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني، يتناول العمل قصة حسن، الأب المنفصل الذي يجد نفسه بين خيارين، استعادة زواجه حفاظًا على صورة الأسرة من أجل ابنه، أو المضي قدمًا في علاقة حب جديدة تعيد إليه توازنه النفسي.

المسلسل يطرح الصراع التقليدي بين الواجب الأبوي والرغبة الإنسانية، ورغم أنه مال في ذروة الأحداث إلى تكريس الفكرة الشائعة بأن "التضحية من أجل الأبناء هي المسار الأخلاقي الأسمى"، وبدت عودة حسن إلى زوجته، للوهلة الأولى، انتصارًا لقيمة الأبوة، واستجابة لما يتوقعه المجتمع من الأب المسئول، غير أن العمل تراجع عن هذا الطرح تدريجيًا، فاستمرار العلاقة القديمة يكشف هشاشتها، وأن التضحية الشكلية قد تتحول مع الوقت إلى عبء نفسي على الجميع، وفي النهاية، عاد حسن إلى نور، في رسالة تبدو واضحة، أنه لا يمكن بناء استقرار حقيقي على مشاعر منتهية.

العمل نجح إجمالًا في كشف زيف "الحلول الآمنة" في عودة الآباء من أجل الأبناء، لكنه في الوقت نفسه وقع جُزئيًا في فخ الإرضاء العاطفي؛ إذ جاءت النهاية الرومانسية أكثر نعومة مما يحتمله الواقع، كما أن حضور الابن ظل رمزيًا أكثر من كونه فاعلًا دراميًا، وكأن القضية تُناقش من منظور الكبار فقط، رغم أن الأبناء هم محور الصراع.

كان ياما كان

على الجانب الآخر، اختار مسلسل كان ياما كان بطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، مواجهة الفكرة ذاتها بجرأة أكبر، مصطفى الزوج التقليدي الذى يعيش حياة مستقرة ظاهريًا، لكنه يفاجأ بطلب زوجته داليا الطلاق، ومن هنا تتحرك الأحداث تصاعديًا، لكن الدراما هنا لا تُقدَّم القرار بوصفه نزوة، بل نتيجة تراكم طويل من التآكل الداخلي.

العمل من الوهلة الأولى يضع المشاهد أمام مرآة صريحة، ويضعه أمام مجموعة من التساؤلات، هل الاستقرار الظاهري كافٍ لحياة أسرية مستقرة؟ وهل الصمت الطويل فضيلة أم تأجيل للانفجار؟

العمل لم يُصور داليا كضحية كاملة، ولا كأنانية مطلقة، بل كشخص يبحث عن ذاته بعد سنوات من التنازل والتآكل النفسي، تمسكها بقرارها حتى النهاية، رغم نظرة المجتمع القاسية للمطلقة، منح الشخصية بعدًا واقعيًا نادرًا حدوثه وجرأة ربما يتجنبها الكثيرين.

لكن على النقيض من النهاية السعيدة لـ "اتنين غيرنا" جاءت النهاية المفتوحة في "كان ياما كان" أكثر صدقًا من أي مصالحة درامية متوقعة، فالحياة لا تقدم دائمًا حلولًا مريحة، ولا تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، لكن العمل أعطى مساحة حقيقية للابنة فرح، وللآباء أنفسهم، والذين بدوا عالقين بين نموذجين للحياة "الاستمرار بلا روح، أو الانفصال بسلام اجتماعي ونفسي".


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا