آخر الأخبار

الحديدة في رمضان.. صمت المآذن وغياب "أيادي الخير" بفعل القمع الحوثي

شارك

تستقبل مدينة الحديدة الساحلية شهر رمضان المبارك هذا العام بملامح شاحبة تخلو من مظاهر التكافل الاجتماعي التي ما دام ميزت "عروس البحر الأحمر" وعرفت بها قبائل تهامة المسالمة، حيث خيم شبح الجوع والحرمان على آلاف الأسر التي كانت تنتظر هذا الشهر الفضيل لترميم رمق حياتها من خلال مساعدات الميسورين وصدقات التجار.

إن المشهد في شوارع المدينة لم يعد كما كان؛ فالحركة الإنسانية التي كانت تضج بالبذل والعطاء توقفت قسرًا بفعل قرارات أمنية متشددة اتخذتها مليشيات الحوثي، قضت بمنع توزيع الزكاة والمبادرات الفردية لفاعلي الخير بشكل مباشر للمحتاجين.

هذا الإجراء لم يكن مجرد تنظيم إداري كما تزعم الجماعة، بل تحول إلى أداة لتركيع المجتمع المحلي ومصادرة أموال التبرعات لتوجيهها حصريًا لصالح ما تسميه "الهيئة العامة للزكاة" التابعة لها، والتي تمنح الأولوية المطلقة لأسر قتلاها ومقاتليها على حساب المعدمين والفقراء الذين يسكنون العشش وبيوت الصفيح، مما خلق حالة من الشلل التام في شريان الحياة الإغاثي الذي كان يغذي الأحياء الأكثر احتياجًا في المحافظة المنكوبة.

مأساة حارة المحرقة وتغول الحرمان

تعتبر حارة "المحرقة" أو ما تُعرف رسميًا بحي "السلام" أنموذجًا صارخًا لهذه المأساة الإنسانية المتفاقمة، حيث تضم هذه المنطقة أكثر من 600 أسرة تعيش في ظروف لا تليق بالبشر داخل منازل مشيدة من القش والصفيح المتهالك.

وفي الوقت الذي كان يتسابق فيه فاعلو الخير في الأعوام الماضية للوصول إلى هذه الحارة لتقديم السلال الغذائية والوجبات الجاهزة، يمر رمضان الحالي والفقراء هناك يواجهون قدرهم بمعدات خاوية، بعد أن فرضت المليشيات رقابة لصيقة على مداخل الأحياء لمنع أي نشاط خيري غير تابع لها.

إن سكان هذه الحارة، الذين يصنفون كأشد الفئات فقرًا في اليمن، وجدوا أنفسهم ضحية لسياسة "التجويع الممنهج"؛ إذ لم تصلهم أي معونات تذكر منذ بداية الشهر الكريم.

قمع المبادرات واختطاف فاعلي الخير

لم يتوقف التضييق الحوثي عند حدود المنع الإداري، بل تجاوز ذلك إلى شن حملات اختطاف واسعة استهدفت الناشطين المجتمعيين والشخصيات التجارية التي حاولت الحفاظ على تقاليدها السنوية في إطعام الفقراء.

وتشير التقارير القادمة من قلب الحديدة إلى أن المليشيات اعتقلت عشرات الشباب المتطوعين وفاعلي الخير الذين شوهدوا وهم يوزعون مبالغ مالية بسيطة أو وجبات إفطار في الشوارع العامة للمتسولين وعمال النظافة وجامعي العلب البلاستيكية.

غياب الخدمات ومضاعفة المعاناة اليومية

إن الوضع المأساوي في الحديدة لا يقتصر على نقص الغذاء فحسب، بل يمتد ليشمل أحياءً مكتظة مثل "حي التسعين" و"حي الأحواض"، حيث تعيش أكثر من 5 آلاف أسرة في ظل انقطاع كامل للتيار الكهربائي وارتفاع جنوني في أسعار صهاريج المياه، وهو ما يزيد من مشقة الصيام في واحدة من أكثر المدن حرارة في الجزيرة العربية.

المليشيات الحوثية، التي تسيطر على موارد الميناء والجمارك والضرائب، ترفض صرف رواتب الموظفين أو تخصيص جزء من تلك الإيرادات لتحسين الخدمات الأساسية في هذه المناطق، وفي الوقت نفسه تضع العراقيل أمام التجار الذين يحاولون سد هذه الثغرات عبر المبادرات الخيرية.

هذا التناقض الصارخ يعكس رؤية الجماعة للمواطنين في الحديدة كمجرد "مخزن بشري" للجباية، دون أدنى مسؤولية تجاه معاناتهم، حيث يتم استغلال حاجة الناس وفقرهم المدقع لتحقيق مكاسب سياسية أو للضغط عليهم للانخراط في جبهات القتال مقابل الحصول على سلال غذائية لا تغني ولا تسمن من جوع، مما يحول المساعدات الإنسانية إلى سلاح للابتزاز بدلًا من أن تكون وسيلة للرحمة.

الفجر المصدر: الفجر
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا