آخر الأخبار

ناهد صلاح تكتب: صحاب الأرض.. حين تتطابق غزة المتخيلة مع الواقع

شارك

منذ السابع من أكتوبر 2023 وأنا أغطّي الحرب على غزة، أتنقّل بين الفيديوهات العاجلة، الوجوه المذعورة، صرخات الأمهات، صور المعبر الذي صار شريانًا متقطعًا للحياة. رأيتُ طائرات المساعدات المصرية تهبط، سمعتُ عن محاولات الإنقاذ، كتبتُ عن الشتات الفلسطيني الذي يتكاثر كل يوم.


منذ ذلك التاريخ لم تعد الكاميرا بالنسبة لي مجرد أداة لنقل الخبر، بل صارت عيناً تدمع مع كل كادر لبيوت غزة التي تتهاوى، ورئة تختنق بغبار الركام الذي غطى ملامح الصغار. كصحفية انغمست في تفاصيل تغطية هذه الحرب، عشتُ خلف الشاشات ساعات لا تنتهي من ملاحقة أنباء الشتات الفلسطيني، ومراقبة الوجوه المتعبة عند المعبر بانتظار بارقة أمل. كنت أظن أن ذاكرتي البصرية قد اكتفت من الألم، حتى شاهدت مسلسل "صحاب الأرض".

لم أتعامل معه كمتفرجة، بل كشاهدة، دهشتُ لأن الصورة لم تكن تشبه غزة فقط، بل تستدعيها بكل ما فيها من وجع وغبار وضوء خافت.


في اللحظة الأولى، داهمتني الحيرة: هل تسلل فريق العمل إلى زقاق الشجاعية أو أية أحياء أخرى في غزة؟ هل انْسَلَّ إلى المستشفيات المهدمة أو إلى مدرسة الأونروا المدمرة؟ هل هذه الكاميرا كانت ترافقهم عند معبر رفح؟ لكن الحقيقة كانت مذهلة بقدر واقعية الصورة، فهذا العمل الذي يصح أن نطلق عليه: "مصري 100%"، لأنه نُفذ بأيادٍ وعقول مصرية في مشروع إنتاجي ضخم للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، قد استغرق تحضيره ستة أشهر من العمل الصامت والسرية التامة، حسب تصريحات صناعه، ليخرج بهذا الشكل كملحمة بصرية تحاكي الواقع لدرجة "التطابق المؤلم". أتصور أن سرية التحضير لم تكن حيلة دعائية، بل مساحة تركيز لصناعة عالم كامل. التحدي لم يكن إعادة بناء غزة فقط، بل إعادة بناء الإحساس بها، ذلك الفارق الدقيق بين صورة تشبه الواقع وصورة تُقنعك أنك داخله.


خلف هذه الواقعية المفرطة، يقف مهندس الديكور المبدع محمد أمين، صاحب خبرة تمتد عبر عشرات الأعمال من بينها: عسل أسود، أفريكانو،القاهرة كابول، أهو ده اللي صار، ملك وكتابة، كدة رضا و.. غيرها. في صحاب الأرض، لم يقم أمين بمجرد بناء جدران، بل استطاع إعادة تدوير الحطام ليخلق هوية بصرية لغزة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي ومنطقة "الحزام الأخضر" بمدينة السادس من أكتوبر.


لم تعتمد الديكورات على الإبهار، بل على التآكل. الحوائط ليست مكسورة فحسب، بل متآكلة الحواف، كأن الزمن نفسه قرضها. الشوارع لا تبدو مرتبة في فوضاها، هناك منطق داخلي للدمار: واجهة مبنى سقطت، بينما الشرفة المقابلة ما زالت معلّقة بحديدها العاري، كأنها تتشبث بالحياة. اختيار بناء الديكورات في مدينة الإنتاج الإعلامي والحزام الأخضر لم ينتقص من الواقعية، بل منح الفريق سيطرة كاملة على التفاصيل، فصار كل حجر موضوعًا بوعي درامي.


لقد نجح محمد أمين في تصميم ديكورات ضخمة جسدت أجواء الحرب، من الحارات الضيقة التي تفوح منها رائحة الصمود، إلى المباني شبه المنهارة التي تبدو كأنها قُصفت للتو. هذا "الخداع الفني" المشروع جعل المتفرج يشعر أنه يسير في شوارع غزة، لا في بلاتوهات تصوير. التفاصيل دقيقة لدرجة مذهلة، ملمس الجدران، لون الغبار، وحتى آثار الرصاص، كلها عناصر جعلت من الديكور بطلاً صامتاً يحكي قصة شعب.


لم تكن المهمة سهلة، فالمخرج بيتر ميمي ومدير التصوير حسين عسر واجها تحدياً يتمثل في "غياب المرجع البصري الليلي" لغزة، فمعظم الصور الواردة من القطاع على شاشات الأخبار كانت نهارية، وأغلب نزوح الغزاويين كان يحدث في الليل. هذه معضلة كبيرة صادفت مدير التصوير حسين عسر، حسب تصريحاته الصحفية، كان إذن على فريق التصوير تخيّل الليل. كيف يمشي الناس في عتمة بلا كهرباء؟ الإجابة جاءت من الواقع نفسه: ألواح طاقة شمسية، ومصابيح "ليد" صغيرة قابلة لإعادة الشحن.


هذا التفصيل البسيط الذي وظفه عسر في تصميم الإضاءة منح المسلسل مصداقية مطلقة، جعلتنا نرى عتمة غزة وكبريائها في آن واحد. الضوء هنا ليس تجميليًا، بل وجودي، بقع ضوء محدودة تحاصرها مساحات ظل كثيفة، فتخلق توتراً بصريًا يوازي توتر الشخصيات. في مشاهد الداخل، ينساب الضوء من نافذة محطّمة كخيط أمل هش، بينما في الخارج يتكسّر على الغبار فيصير الهواء مرئيًا. حتى مشاهد الحرب، سواء بدبابات حقيقية أو بتقنيات جرافيك، جاءت منسجمة لأن الإضاءة احتضنتها ضمن مناخ واحد.


كصحفية تابعت المحاولات المصرية للإغاثة، استوقفتني مشاهد "المعبر" والمناطق الصحراوية المحاكية لرفح. لقد تم تنفيذ هذه المشاهد في مواقع خارجية بمحاكاة بصرية دقيقة، دون الحاجة لدخول القطاع فعلياً، وهو ما يثبت أن الفن الصادق لا يحتاج لتخطي الحدود جغرافياً بقدر ما يحتاج لتبني القضية إنسانياً.


لقد أثبت محمد أمين و بيتر ميمي وكل صناع هذا العمل، أن الفن عندما يمتزج بالإمكانيات الضخمة والصدق الإنساني، يتحول إلى رسالة صمود.. وهو ما حدث مع "صحاب الأرض" الذي لم يُصوَّر في غزة، لكنه فهمها. فهم أن الواقعية ليست استنساخًا فوتوغرافيًا، بل إحساسًا مُعاد تكوينه. اختار المسلسل أن يمنح الصورة معنىً جديدًا: أن يجعلنا لا نشاهد غزة فقط، بل نعيشها.

كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026


شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا