لم يكن تقليدًا عابرًا ولا موهبةً صوتيةً يسعى صاحبها لإبهار السامعين، بل كان حبًا خالصًا لرجلٍ هزّ القلوب بكلماته قبل صوته فهو رمز إسلامي للمسلمين بأنحاء العالم، إنه الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي، الذي تعلّق به الشيخ ياسر عفيفي منذ نعومة أظفاره، حتى صار يحاكي طريقته في الإلقاء ونبرة صوته كما لو أن الشعراوي بعث يتحدث من جديد.
كان الشيخ ياسر عفيفي ابن مدينة القرين بمحافظة الشرقية يجلس صغيرًا يستمع إلى دروس إمام الدعاة، يحفظ عباراته، يتتبع سكتاته، ويتأمل طريقته في تبسيط المعاني، حتى تشرب روحه ذلك الأسلوب الدافئ الذي يمزج بين العلم والقرب من الناس، لم يكن يردد الكلمات فحسب، بل كان يعيشها ويتدبر معانيها ويعيها جيدا.
قبل ثلاثين عامًا، داخل أروقة مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة، تحقق اللقاء الذي رسخ الحلم في قلبه، هناك رأى الشيخ الشعراوي عن قرب، فازداد تعلقه به، وصار صوته رفيق أيامه.
يقول عفيفي في حديث خاص لـ مصراوي أنه في الصف الثالث الإعدادي، وقف أمام زملائه يقلد الشيخ، لا طلبًا للضحك أو الاستعراض، بل محبةً صادقة.
فوجئ الجميع بمدى دقة محاكاته، نفس الوقفات، ذات المدّ الهادئ، ونبرة الامتنان التي كان الشعراوي يختم بها تفسيره مختتما بقوله "وإلى لقاء آخر أن شاء الله"، أثنى عليه المدرسون، وأدرك هو أن ما يفعله ليس مجرد إعجاب، بل رسالة يقدمها لقدوته التي عشقها.
وُلد الشيخ ياسر فاقدًا للبصر، لكن الله منحه بصيرة نافذة، كان والده يصطحبه إلى الكُتّاب منذ الخامسة من عمره، فختم القرآن وهو في الثامنة،لم يكن الحفظ عنده تكرارًا، بل حياةً كاملة يسكنها.
التحق بالأزهر الشريف، وتخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، حيث تعلّم أصول التفسير وأحكام التلاوة، وصقل صوته بدراسة المقامات حتى يؤدي الآيات كما ينبغي لها أن تُتلى.
إن الله لا ينظر إلى صورنا ولكن ينظر إلى قلوبنا… فاجعلوا قلوبكم عامرةً باليقين، ويُبسّط المعاني للناس كما تعلم، فيربط بين الآية وواقعهم، بين الحديث النبوي وحياتهم اليومية، فيخرج المستمع وهو يشعر أن الدين قريب، بسيط، رحيم.
شارك الشيخ ياسر في مسابقات دينية عدة، داخل مصر وخارجها، حتى جاء يومٌ اعتبره من أعظم لحظات حياته، حين تم تكريمه في ليلة القدر من الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كما حظي بتكريم من الرئيس السوداني الأسبق خلال إحدى زياراته.
سافر إلى السعودية وباكستان والسودان، وألقى الخطب والدروس، وكان في كل مرة يُطلب منه أن يعيد الشعراوي للحياة بصوته، فيبتسم ويقول: أحاكيه حبًا فيه… لا أكثر ولأنه قدوتي.
ويروي أن دولة باكستان هي سر شهرته بطريقة محاكاة الشعراوي إذ كان في زيارة قريبة لأحد مدنها فيما طالبه أحدالحضور المصريين في مجلس علم ودين أن يقلد الشعراوي نظرا لمحبة الباكستانيين له، وتم تصوير فيديو وقتئذ وتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي حتى ذات صيته بسببه.
يعمل اليوم إمامًا وخطيبًا بمديرية أوقاف الشرقية، ويشارك في حل النزاعات بين الأهالي، مستعينًا بالحكمة التي تعلمها من القرآن.
حين يتحدث، تتغير نبرته قليلًا، فتعود ظلال الشعراوي في صوته، فيسكن الصمت المكان، وكأن الزمن عاد إلى الوراء،
لكنه يؤكد دائمًا أن لكل داعية شخصيته، وأن محاكاته ليست إلا وفاءً لذكرى شيخٍ أحبه، وأن غايته الحقيقية أن يكون صوتًا يخدم كتاب الله.
رغم كل ما حققه، ما زال يحمل حلمًا بسيطًا: أن يصبح قارئًا معتمدًا في إذاعة القرآن الكريم،حلم يرى فيه امتدادًا لرحلته من طفل كفيف يجلس في الكُتّاب، إلى شيخٍ يقف على المنبر، يُبصر بنور القرآن ويُسمع الناس صدى صوتٍ أحبّه يوم حتى صار جزءًا من روحه.
المصدر:
مصراوي