تمر اليوم الأحد، ذكرى رحيل الفنانة القديرة عقيلة راتب، التي عرفت كيف تسكن القلوب قبل الشاشات، وكيف تترك أثرا لا تمحوه السنوات. كانت وجها مألوفًا في البيوت العربية، وصوتا دافئا يحمل ملامح الأم الحنون تارة، وقوة المرأة الصلبة تارة أخرى، فصنعت لنفسها مكانة خاصة بين نجمات جيلها.
ولدت كاملة محمد كامل شاكر، الشهيرة فنيا باسم عقيلة راتب، في 22 مارس عام 1916 بحي الظاهر في القاهرة، لأسرة ارستقراطية، حيث كان والدها يعمل رئيسا لقسم الترجمة بوزارة الخارجية، وتنتمي والدتها إلى أصول تركية ، تلقت تعليمها في مدرسة التوفيق القبطية، وظهرت موهبتها مبكرا من خلال مشاركتها في العروض المدرسية.
ورغم رفض والدها القاطع لدخولها عالم الفن، وإصراره على أن تسلك طريقا دبلوماسيا، فإنها تمسكت بحلمها متحدية القيود الاجتماعية، ولإخفاء هويتها اختارت اسم "عقيلة" تيمنا بصديقتها المقربة، و"راتب" نسبة إلى شقيقها الراحل، ليصبح هذا الاسم علامتها الفنية التي اشتهرت بها فيما بعد.
بدأت مسيرتها عندما اكتشفها زكي عكاشة وضمها إلى فرقته المسرحية بعد مشاركتها في أوبريت “هدى” وهي في الرابعة عشرة من عمرها، حيث امتلكت موهبة متكاملة في الغناء والاستعراض والتمثيل، ما جعلها من أبرز نجمات المسرح في تلك الفترة، كما انضمت إلى فرقة علي الكسار حيث صقلت خبرتها المسرحية.
دخلت عالم السينما في سن العشرين من خلال فيلم "اليد السوداء" عام 1936، لتتوالى بعدها أعمالها التي تجاوزت الستين فيلما، تنوعت فيها أدوارها بين الفتاة الرقيقة والأم الحنون والسيدة القوية أبرزها : المال والبنون (1954 )، لا تطفىء الشمس (1961) ، عائلة زيزي (1963) ، القاهرة 30 (1966) ، شقة مفروشة (1970) ، بابا آخر من يعلم (1975) ، احنا بتوع الأتوبيس (1979) ولا من شاف ولا من دري (1983) .
كما كانت من أوائل الفنانات اللاتي شاركن في بدايات البث التليفزيوني من خلال مسلسل "عادات وتقاليد" عام 1960، وقدمت خلاله شخصية “حفيظة هانم” التي لاقت صدى واسعا، كما شاركت في مسلسلات نوادر جحا المصري (1968) ، رزق العيال (1971) ، الخماسين (1972) ، النديم (1982).
وتألقت على خشبة المسرح من خلال مسرحيات حرامي لأول مرة (1958) ، مطرب العواطف (1963) ، الزوج العاشر (1964) ، جوازة بمليون جنية (1974).
في أوائل الثلاثينات ، ارتبطت عقيلة راتب بالمطرب حامد مرسي، حيث جمعهما الفن والحب، وأنجبا ن ابنتهما الوحيدة أميمة ، واستمر زواجهما نحو 26 عاما قبل أن ينفصلا بهدوء ، مع بقاء مساحة من التقدير والاحترام بينهما.
ورغم نجاحها الفني، لم تكن حياتها خالية من التحديات؛ ففي سنواتها الأخيرة تعرضت لمحنة صحية كبيرة عندما فقدت بصرها نتيجة مضاعفات أثناء تصوير آخر أعمالها فيلم "المنحوس" عام 1987، إلا أنها أصرت على استكمال مشاهدها المتبقية، في مشهد يعكس صلابتها و إرادتها وعشقها للفن.
عاشت السنوات الأخيرة من حياتها بعيدا عن الأضواء، وفي 22 فبراير 1999، أسدل الستار على حياتها عن عمر ناهز 82 عاما، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، ليرحل الجسد، وتبقى الصورة والصوت والموهبة شاهدة على مسيرة فنية ثرية صنعتها بإصرار وشغف، وتظل عقيلة راتب اسما يتردد كلما ذُكر تاريخ الفن المصري الأصيل.
المصدر:
الشروق