أكد الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثى وأمناء الفتوى، والأمين العام السابق لهيئة كبار العلماء، أن تأسيس الأكاديمية عام 2018 لم يكن خطوة تنظيمية عابرة، بل قرارًا استراتيجيًا إدراكًا من الأزهر الشريف لخطورة المرحلة التى تمر بها المجتمعات، فى ظل تصاعد موجات التطرف، ومحاولات تفريغ الدين من مضمونه من جانب آخر.
وشدد فى حواره لـ «الشروق»، على أن الأكاديمية باتت إحدى أهم أذرع القوة الناعمة للأزهر على المستوى الدولى، إذ تستقبل أئمة ودعاة من مختلف القارات، وتُعدّهم وفق منهج أزهرى وسطى يجمع بين التأصيل الشرعى العميق والتأهيل المهارى المتقدم، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع وتحدياته الفكرية والثقافية..
ـــــ الفكرة لم تكن وليدة لحظة أو استجابة ظرفية عابرة، بل جاءت نتيجة رؤية استراتيجية عميقة وقراءة واعية لمجمل التحولات التى يشهدها العالم المعاصر، فقد أدرك الأزهر أن طبيعة التحديات التى تواجه المجتمعات المسلمة اليوم قد تجاوزت الإطار التقليدى للأسئلة الفقهية، لتلامس قضايا أكثر تعقيدًا تتعلق بالهوية، والانتماء، وبناء الوعى، والتعايش المشترك، وإدارة الاختلاف، إضافة إلى تصاعد خطاب التطرف والغلو من جهة، وخطابات التفلت والانفصال عن القيم الدينية من جهة أخرى.
بالإضافة إلى الحاجة الملحّة إلى تطوير أدوات الداعية، والقدرة على الفهم والتحليل، وامتلاك مهارات التواصل والحوار، والتعامل الرشيد مع قضايا العصر وإشكالاته، فكان من الضرورى إنشاء كيان مؤسسى متخصص لتأهيل الأئمة والدعاة تأهيلًا شاملًا ومتكاملًا، يجمع بين الرسوخ العلمى، والاتزان الفكرى، فى إطار المنهج الأزهرى الوسطى المعتدل.
ـــــ الأكاديمية تعتمد نموذجًا تدريبيًا مرنًا يقوم على الجمع بين الثوابت والمتغيرات؛ إذ تُقدَّم مقررات أساسية مشتركة ترسّخ المنهج الأزهرى الوسطى، وتؤصل الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وتُعنى بقضايا التجديد المنضبط للخطاب الدينى، ومواجهة الفكر المتطرف، وبناء مهارات الحوار والإقناع.
وفى الوقت ذاته، يتم تكييف المحتوى التدريبى وتطويره بما يراعى الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والفكرية لكل مجتمع، من خلال إدراج قضايا فكرية ودعوية مرتبطة بالبيئة المحلية التى يعمل فيها الإمام أو الداعية، ومراعاة الخلفيات الثقافية والاجتماعية وأنماط التدين السائدة فى كل دولة، والتركيز على نوعية التحديات الفكرية المنتشرة فى بعض المجتمعات، وتدريب الدعاة على مخاطبة مجتمعاتهم بلغتها الثقافية وأسئلتها الواقعية، دون إخلال بثوابت الدين أو أصوله.
ـــــ يتم تحديد هذه الاحتياجات من خلال دراسة مسبقة لخلفية المتدربين، والتنسيق مع الجهات الرسمية المعنية، والاستفادة من خبرات علمية وتربوية متخصصة، بما يضمن أن يكون الداعية مؤهلًا لتطبيق ما يتلقاه من تدريب داخل سياقه المجتمعى الفعلى.
ـــــ تبدأ العملية بتحليل شامل لخلفيات الأئمة واحتياجات مجتمعاتهم المحلية، حيث يجرى تقييم مستوى المعرفة الشرعية، والمهارات الدعوية، والقدرة على التعامل مع المستجدات الفكرية والاجتماعية.
ويتم هذا من خلال التنسيق مع السفارات المصرية والبعثات الدبلوماسية فى الدول المعنية، لضمان اختيار أفضل العناصر القادرة على الاستفادة القصوى من البرامج التدريبية.
ويُراعى فى إعداد البرامج التدريبية محاور رئيسية متمثلة فى: اللغة العربية وعلومها، والعقيدة وأصول الدين، والشريعة، والثقافة الإسلامية والإعلام، بالإضافة لوضع خطة زمنية مرنة، تتضمن المحاضرات النظرية، والورش العملية، والنقاشات الجماعية، والمحاكاة التطبيقية للحالات الواقعية، حتى يكون المتدرب قادرًا على تطبيق ما تعلمه مباشرة فى مجتمعه بعد انتهاء البرنامج.
ـــــ يعتبر هذا التنوع أحد أهم عناصر القوة فى برامج الأكاديمية؛ فوجود أئمة من دول إفريقية وآسيوية وأوروبية داخل قاعة تدريب واحدة يخلق بيئة حوارية ثرية، ويُسهم فى تبادل الخبرات والتجارب الدعوية المختلفة، ويعكس هذا التنوع عالمية رسالة الأزهر الشريف، ويؤكد أن خطابه ليس خطابًا محليًا أو إقليميًا، بل خطاب إنسانى عالمى، يقوم على قيم الرحمة والعدل والتعايش.
ـــــ تمثل الأكاديمية أحد أهم أذرع القوة الناعمة للأزهر الشريف، حيث تُسهم فى إعداد دعاة يحملون رسالة الأزهر إلى مختلف أنحاء العالم، وهؤلاء الدعاة لا ينقلون علمًا فقط، بل ينقلون منهجًا وسلوكًا وقيمًا، فهم سفراء للاعتدال، ونماذج للتعايش، وعناصر فاعلة فى مواجهة خطاب الكراهية، وتصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام فى كثير من المجتمعات.
ــــ تركز الأكاديمية على مجموعة من القضايا المحورية التى تستجيب للتحديات الدينية والفكرية والمجتمعية الراهنة، أبرزها: مواجهة الفكر المتطرف والتشدد الدينى، وتجديد الخطاب الدينى المنضبط، وإعداد وتأهيل المفتين وضبط الخطاب الإفتائى، والتعامل مع قضايا الشباب والأسرة، والرد على الشبهات الفكرية المعاصرة، بالإضافة إلى تعزيز الوعى الوطنى والسلم المجتمعى، ومواجهة الشائعات وخطاب الكراهية.
ــــــ نعم، تولى الأكاديمية اهتمامًا بالغًا بتدريب الواعظات والعاملات فى مجال الدعوة من النساء، باعتبارهن شريكًا أصيلًا فى حمل رسالة الأزهر الشريف، وتُبنى البرامج التدريبية الموجهة للواعظات على رؤية متكاملة تراعى طبيعة أدوارهن المتعددة، وتشمل الجانب العلمى والشرعى، والبعد الدعوى والمجتمعى، والتأهيل المهارى والتطبيقى، من خلال التأهيل الشرعى والفتوى ببرامج متخصصة.
كما تُدرَّب الواعظات على تفكيك الشبهات الفكرية التى تستهدف المرأة أو تُوظّف باسم الدين، والرد العلمى الهادئ على الأفكار المتطرفة، دون تشنج أو إقصاء، وبما يرسخ الاعتدال والوسطية بالإضافة لتنمية المهارات الدعوية والإعلامية.
ـــــ محليًا؛ تستهدف الأكاديمية تدريب الأئمة والوعاظ وأعضاء لجان الفتوى، ويتم الاختيار بالتنسيق المباشر مع دار الإفتاء ووزارة الأوقاف، كما تستهدف إعداد وتأهيل خريجى جامعة الأزهر، وخاصة من الكليات الشرعية والعربية والنظرية، وذلك من خلال التنسيق المباشر مع الجامعة.
وفيما يتعلق بالوافدين؛ فتشترط الأكاديمية أن يكون المتقدم على دراية باللغة العربية نطقًا وكتابة، وممارسًا أو مؤهلا للعمل الوعظى والدعوى فى بلده، ويتم التأكد من ذلك من خلال مقابلته مع السفير المصرى فى بلده أو من ينوب عنه.
ويتم التحاق الوافدين بالأكاديمية بالتنسيق بين وزارة الخارجية وسفارات العالم المختلفة، بترشيح السفارات لأعداد الوافدين بما يتناسب مع أعداد المنح المقدمة من مشيخة الأزهر الشريف، ويقوم الأزهر بتغطية كافة نفقات السفر من ذهاب وإياب، وإقامة وإعاشة طيلة فترة الدورة.
ــــ لا يقتصر دور الأكاديمية على الجوانب العلمية والتدريبية فحسب، بل يشمل أيضًا الأنشطة التثقيفية والزيارات الميدانية التى تهدف إلى إثراء تجربة الأئمة والدعاة الوافدين وتعميق وعيهم الثقافى والدينى والاجتماعى.
وتقوم الأكاديمية بتنظيم زيارات ميدانية إلى عدد من المؤسسات الدينية والعلمية الرائدة فى مصر، لتعزيز التكامل بين هذه الهيئات والمؤسسات، وإبراز دورها فى العمل الدعوى، وتأصيل العمل الدعوى على أسس علمية وشرعية موثوقة.
كما تشمل برامج الأكاديمية رحلات تعليمية وسياحية لزيارة أبرز المعالم المصرية التاريخية والدينية، وذلك لتعريف المتدربين بالتاريخ المصرى العريق، وتعزيز قيم التعايش السلمى واحترام التنوع الثقافى والدينى.
المصدر:
الشروق