هناك فنانون يلمعون في لون واحد، وآخرون يغامرون بين المساحات المختلفة، لكن القليل فقط هم من يستطيعون العبور بسلاسة من الدراما الثقيلة إلى الكوميديا الخفيفة، ثم إلى الأدوار الجادة المثيرة للجدل، دون أن يفقدوا بصمتهم الخاصة. الفنان محمد جمعة واحد من هؤلاء القلائل؛ ممثل يمتلك حضورًا طاغيًا وصوتًا حسنًا يجعل فكرة الغناء عنه ليست بعيدة، لكنه اختار أن يراهن على التمثيل أولًا، فكوَّن لنفسه شخصية فنية متفردة تقبل عليها الجماهير بثقة وانتظار.
كانت شخصية "عم ضياء" في مسلسل الوصية نقطة تحول حقيقية في مشواره. الجملة الشهيرة "كله رايح" تحولت إلى أيقونة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح الاسم مرتبطًا بالشخصية بشكل واسع.
لكن المفاجأة لم تكن في النجاح فقط، بل في قرار جمعة رفض تقديم فيلم أو مسلسل يدور حول "عم ضياء" بعد النجاح الكبير. موقف يعكس وعيًا فنيًا واضحًا، ورغبة في عدم استهلاك الشخصية أو المتاجرة بنجاحها.
كشف جمعة أنه تلقى عرضين لتكرار شخصية "عم ضياء"، أحدهما في فيلم والآخر في مسلسل، لكنه رفضهما دون تردد. أسبابه كانت واضحة:
الكوميديا ليست مساره الأساسي الذي خطط له
عدم تكرار شخصية حققت أقصى نجاح ممكن
الخوف من أن يضعف العمل الجديد من بريق التجربة الأولى
هذا القرار عزز صورته كفنان يفضل المغامرة المحسوبة على البقاء في منطقة الأمان.
لم يتوقف محمد جمعة عند محطة الكوميديا، بل تنقل بين أدوار مختلفة في مسلسلات بارزة مثل:
ضد مجهول
أبو عمر المصري
وفي كل تجربة كان يضيف ملمحًا جديدًا لشخصيته الفنية، حتى جاء ظهوره اللافت في مسلسل فن الحرب، حيث قدم شخصية مأزومة ومركبة، أعادت تقديمه بصورة مختلفة تمامًا أمام الجمهور.
في مسلسل قسمة العدل، الذي عُرض خارج السباق الرمضاني، جسد جمعة شخصية "جمال" بثقة لافتة. أداء اتسم بالهدوء والقوة الداخلية، ليبدو وكأنه يترجم بيت إبراهيم ناجي:
"واثق الخطوة يمشي ملكًا".
لم يكن ظهوره مجرد مشاركة، بل كان تأكيدًا جديدًا أنه ممثل قادر على حمل مشاهد كاملة فوق كتفيه، دون افتعال أو مبالغة.
يوصف محمد جمعة أحيانًا بأنه "جوكر" الدراما، لأنه:
هذا التنوع جعله ورقة رابحة في يد أي مخرج، وقادرًا على إقناع الجمهور في كل مرة بشخصية جديدة.
السر لا يكمن فقط في الموهبة، بل في:
صدق الأداء
اختيار الأدوار بعناية
رفض استغلال النجاح السريع
البحث الدائم عن تحدٍ جديد
الجمهور لا يتابع محمد جمعة لأنه يقدم دورًا ناجحًا فقط، بل لأنه يقدم نفسه في كل مرة بصورة مختلفة، مع الحفاظ على هوية واضحة.
من "عم ضياء" إلى أدواره الجادة في الدراما الاجتماعية والتشويقية، رسم محمد جمعة مسارًا فنيًا قائمًا على التنوع والوعي والجرأة. لم يسمح لنجاح واحد أن يحاصره، ولم يخشَ مغادرة منطقة الراحة. وهكذا كوَّن شخصية درامية خاصة به، ينتظرها الجمهور بثقة، ويترقب خطواتها المقبلة في كل موسم.
إنه فنان لا يسير خلف الترند، بل يصنعه — بهدوء الواثق، واحترافية الباحث عن بصمة لا تُنسى
المصدر:
الفجر
مصدر الصورة