أثار مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) خلال انعقاده هذه الأيام جدلا حول حدود الدور السياسي للسينما؛ فمع احتدام النزاع في الشرق الأوسط وتوتر الأوضاع مع الولايات المتحدة يتردد سؤال محوري: هل يُفترض بصنّاع السينما أن يعلنوا مواقفهم السياسية على الملأ خلال الفعاليات الثقافية، أم أن المهرجانات يجب أن تبقى مساحة للفن فقط؟
يرافق هذا النقاش الأيام الأولى من المهرجان، إذ يواجه نجوم عالميون خلال المؤتمرات الصحفية أسئلة بشأن مواقفهم السياسية، سواء حيال النزاع في الشرق الأوسط أو التطورات في الولايات المتحدة. وغالبا ما يتجنب الفنانون الإجابة. وقبل أيام قليلة تدخلت إدارة المهرجان وأعربت عن دعمها لصناع السينما.
وأوضحت رئيسة المهرجان، تريشيا تاتل، في بيان مطول أن الدعوة إلى حرية التعبير حاضرة بقوة في المهرجان وأن حرية التعبير قائمة بالفعل، وكتبت: "لكن يتزايد توقع أن يجيب صناع السينما في المهرجان على كل سؤال يوجه إليهم... إنهم يتعرضون للانتقاد إذا لم يجيبوا. ويتعرضون للانتقاد إذا أجابوا ولم تنل الإجابة الإعجاب. ويتعرضون للانتقاد إذا لم يتمكنوا من اختزال أفكار معقدة في عبارات مقتضبة بمجرد أن يوجه إليهم الميكروفون، رغم أنهم أرادوا التحدث في سياق مختلف تماما". وأكدت الأمريكية تاتل أن الفنانين أحرار في ممارسة حقهم في حرية التعبير بالطريقة التي يختارونها.
وعلى سبيل المثال، سُئل الممثل البريطاني روبرت جرينت عن الأوضاع في موطنه، إلا أنه رد بأنه يحرص على انتقاء اللحظات التي يريد فيها التعبير عن رأيه، وأضاف بعد بضع كلمات: "ستسمعون مني".
وفي بداية المهرجان اتهم أحد الصحفيين إدارة البرليناله بإظهار التضامن مع أشخاص في إيران وأوكرانيا دون إظهار تضامن مماثل مع الفلسطينيين. وسأل الصحفي لجنة التحكيم عما إذا كانت - "في ظل أن الحكومة الألمانية تدعم الإبادة الجماعية في غزة وهي المُموِل الرئيسي لبرليناله" - تؤيد هذه "المعالجة الانتقائية لحقوق الإنسان".
وتنفي إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، كما لا تصنف الحكومة الألمانية تحركات الجيش الإسرائيلي على هذا النحو.
ورد رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرس، بأنه ليس بإمكانهم دخول مجال السياسة، مضيفا أن صناع السينما يجب أن يبتعدوا عن السياسة وأن يكونوا بمثابة توازن مقابل لها. وأدى ذلك إلى إلغاء الكاتبة الهندية أرونداتي روي مشاركتها في المهرجان.
ويشير هذا الجدل إلى أن الفعاليات الثقافية بات يُنظَر إليها بشكل متزايد بوصفها منابر أخلاقية، ما يزيد من توقع إبداء المشاهير لمواقف واضحة في أي قضية. ولكن هل هذا عادل حقا؟
في هذا السياق، قال الكاتب والباحث الألماني-الإسرائيلي ميرون مندل: "حرية الرأي تتضمن أيضا حرية عدم قول شيء"، مضيفا أن المشاهير على وجه الخصوص يتعرضون لضغط دائم لإبداء موقف في أي قضية.
وأضاف مندل: "الإنسان حر في أن يقرر: تجاه أي قضية أريد أن أتخذ موقفا؟ وأين أشعر أنني قادر على تبني موقف مستنير؟... الاحتفاظ بالرأي أيضا حق ديمقراطي. للمشاهير الحق في أن يكونوا غير سياسيين - أو أن يحتفظوا بآرائهم لأنفسهم. أو أن يكون لهم رأي في بعض الموضوعات وليس في كل شيء".
ورأى مندل في الخطاب العام "شكلا من أشكال اختبار القناعات"، وقال: "لم يكن هناك في السابق توقع بأن يكون لدى الجميع دائما رأي في كل شيء. الاعتقاد بأن بإمكان الناس أن يكون لديهم رأي في كل القضايا هو وهم"، معتبرا ذلك "هُوَّة في ثقافة النقاش" تسللت من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحياة العامة بأكملها.
وفي ما يتعلق بالبرليناله، قال فيندرس إنه يجب العمل من أجل الناس لا من أجل السياسيين، معتبرا الفن بديلا للسياسة اليومية وليس امتدادا لها.
في المقابل، يحظى الفنانون باهتمام الرأي العام وتلقى كلماتهم صدى واسعا، خاصة على منصات دولية مثل البرليناله. ويرى البعض أن الصمت قد يرسل أيضا إشارة، وهو ما يدفعهم إلى مطالبة الضيوف البارزين بمواقف واضحة.
وقد أدى النزاع في الشرق الأوسط إلى توترات داخل الوسط الثقافي. وفي البرليناله قبل عامين دار جدل حول هذا النزاع خلال حفل توزيع الجوائز، كما شهدت منتديات أخرى نقاشات مماثلة.
وأفادت متحدثة باسم البرليناله بأن قرار الكاتبة الهندية روي إلغاء زيارتها قوبل باحترام، وقالت: "نأسف لأننا لن نتمكن من الترحيب بها، إذ كان من الممكن أن يثري حضورها النقاش في المهرجان".
ويغد البرليناله من المهرجانات السينمائية ذات الطابع السياسي الواضح. ويظهر بين الممثلين أنفسهم تباين في التعامل مع توقعات إبداء المواقف؛ فبعضهم يفضل مناقشة السياسة في أعماله بدلا من الإدلاء بتصريحات علنية. وقال الممثل الألماني يانيس نيفونر إنه يهتم بالمشاركة في أفلام يراها ذات صلة سياسية، موضحا في المقابل أن هذا لا يعني بالضرورة أن يدلي بنفسه بتصريحات سياسية.
في المقابل، رأى الممثل الألماني المولود في البوسنة والهرسك، إدين حسنوفيتش، أن القول بوجوب ابتعاد صناع السينما عن السياسة يمثل إشكالية، وأضاف: "أقول إنه في هذه الأوقات الصعبة بالذات ينبغي علينا - نحن صناع الأفلام والفنانين - أن نبعث إشارات، وأن نكون سياسيين حيثما أمكن".
وبين مؤيد ومعارض لإعلان صناع السينما مواقفهم السياسية، يقف فريق ثالث في منطقة رمادية؛ يتعامل مع الأمر بحذر، خشية أن يُسَاء فهمه إذا عبّر عن رأيه في القضايا المطروحة.
المصدر:
الشروق