تمر الذكرى العاشرة على رحيل الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، اليوم 17 فبراير؛ إذ توفي عام 2016 عن عمر ناهز 94 عاما، قضى أغلبها على قمة الصحافة العربية في مشوار امتد لأكثر من نصف قرن.
في العهد الملكي، كان اسما بارزا؛ فاز بجائزة فاروق في الصحافة أكثر من مرة، ما رسخ حضوره المبكر بين كبار المهنة، إلى جانب توليه رئاسة تحرير مجلة "آخر ساعة" وهو في التاسعة والعشرين من عمره.
ومع قيام ثورة يوليو 1952، انتقل هيكل إلى مساحة أوسع من الحضور والتأثير؛ إذ تولى رئاسة تحرير "الأهرام"، لتدخل الجريدة العريقة في عهده أحد أمجد عصورها، حيث شكل مقاله الأسبوعي "بصراحة" نافذة للتحليل السياسي لمختلف القضايا في مصر والعالم، وأصبح أرشيفا لرؤيته وشهادته على سنوات حاسمة من التاريخ المصري لنحو عقدين، من منتصف الخمسينيات وحتى نصر أكتوبر وتداعياته.
وشهدت فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات توترا وخلافا عميقا في وجهات النظر بين الرجلين؛ ففي فبراير 1974 صدر قرار بنقل هيكل من "الأهرام" إلى العمل مستشارا للرئيس السادات، لكنه رفض القرار وانسحب، وشرع في كتابة مقالات وتحرير كتب.
يقول هيكل إن حيوية التاريخ تكمن في ذلك الجدل الدائم بين الأنفع والأرفع والأوسع، معتبرا أن الثقافة كانت دائما "المترجم الأصلح والأكفأ" لهذا الجدل، لأنها الأقدر على الطمأنة وشرح المعنى ومنح الشعور بالأمان.
ويرى أن الفن هو "روح الثقافة"، وهو الأقدر على النفاذ إلى العمق والكشف عن الأبعاد البعيدة عبر الإيماءات والإشارات والصياغات المختلفة.
ويشير هيكل إلى أن كل فن، بالضرورة، دال على مصدره، وأن الإسلام عندما خرج من شبه الجزيرة العربية حاملا شريعة إلهية تأمر وتنهى، لم يتحرك في فراغ، بل واجه ثقافات قائمة: السامانية شرقا، والبيزنطية شمالا، والمصرية غربا، لكنه -كما يقول- لم يجرفها، بل "تمهل ثم وقف مبهورا أمام تعبيراتها المتجلية في الفن"، ثم احتضنها واستوعبها.
ومن هنا، يرى هيكل أن حوض الحضارة الإسلامية تشكل بوصفه "باقة نبت وزهر متنوعة ومنسجمة"؛ جمعت بين التعدد والوحدة، وبين التنوع والانسجام، ويؤكد أن ساحة ما نسميه "الفن الإسلامي" اتسعت لتعبر حتى عن غير الإسلامي في عالمها، لأنها لم تكن ساحة انغلاق بل ساحة قبول واحتواء.
ويضيف هيكل أن الفن الإسلامي بقي بعيدا عن مظلة السلطة الدنيوية التي حاولت في مراحل مختلفة توظيف الدين لخدمة الحكم، معتبرا أن المسجد ظل -إلى حد بعيد- في "حوزة الحرية"، ويؤكد أن الفن لم يدخل المسجد ليكون أداة في يد السلطة، بل إن السلطة حين أرادت أن تجد طريقها إلى المسجد لم تستخدم الفن، وإنما انتزعت المنابر لتجعلها "دعاة للسلاطين".
كما يرى أن ابتعاد الفن الإسلامي عن التشخيص بالنحت والرسم أتاح له أن يبدع عبر تجلياته الهندسية والرياضية، بأشكال ومساحات قابلة للامتداد إلى ما لا نهاية، ويشير إلى أن الزخارف والامتداد المفتوح والترابط بين الأجزاء دون ضيق أو زحام، كلها شواهد على نظام متسق يجمع بين التنوع والسلام الداخلي.
وفي قراءته لتجربة الأندلس، يؤكد هيكل أن الثقافة الإسلامية لم تكتفِ بالترجمة، بل قامت بعملية "صهر" بين الثقافات، مستشهدا بما ذهب إليه الباحث دافيد ليفرنج لويس في كتابه "God’s Crucible"، من أن أثر هذا التفاعل الحضاري في الأندلس كان له انعكاس عميق في أوروبا، من نظام الإقطاع إلى نشأة الجامعات، وحتى في الأدب الملحمي مثل "أغاني رولاند".
ويرى هيكل أن تأثير الأندلس لم يتوقف عند حدود أوروبا، بل ارتحل مع الكشوف البحرية إلى العالم الجديد، حاملا لمحات من قرطبة وتوليدو إلى شواطئ بعيدة، في دلالة على أن الحضارة لا تُختزل في صراع، بل تمتد عبر التفاعل والاستيعاب.
المصدر:
الشروق