شهدت منطقة ميت عاصم بالقليوبية، اعتداء مجموعة من الرجال على شاب، بإجباره على ارتداء بدلة رقص، والوقوف على كرسي وسط الشارع أمام المارة، وانهالوا عليه بالسباب والضرب، في مقطع فيديو شهد رواجًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
سرعان ما ربط المستخدمون هذه الواقعة بمشهد مشابه له تم عرضه في رمضان 2016، في مسلسل "الأسطورة"، بطولة محمد رمضان، الأمر الذي يثير الجدل حول العلاقة بين الدراما وتأثيرها في الواقع وسلوكيات الجمهور.
وتوضح الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإعلام الرقمي والإذاعة والتليفزيون، بكلية الإعلام جامعة القاهرة، تلك العلاقة، في تصريحات خاصة لـ "الشروق".
تقول الدكتورة سارة فوزي، إن تحميل الدراما المسئولية الكاملة بمثابة تبسيط مخل للمشكلة، مؤكدة أن الإعلام والدراما عامل مهم ومؤثر لا يمكن إنكار دوره، لكن الأزمة ليست فيهما بنسبة 100%.
وترى أن للمشكلة جذور أعمق تتمثل في التنشئة قبل الشاشة، وترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تخلق بيئة قابلة لتقبل مثل هذه السلوكيات، منها العنف المجتمعي المنتشر، وضعف التنشئة السليمة، وغياب الوعي الديني والأخلاقي، وغيرها من العوامل، مشيرة إلى أن بعض المناطق التي تغيب فيها الرقابة المجتمعية الفاعلة أو المؤسسات التربوية المؤثرة قد تشهد تفاقمًا في مثل هذه الظواهر.
ورغم ذلك، تؤكد "فوزي"، أن بعض الأعمال الدرامية قد تسهم بالفعل في تطبيع مشاهد العنف أو إذلال الآخرين، لافتة إلى تصاعد فكرة "أخذ الحق بالذراع" بدلًا من اللجوء إلى القانون.
وتقول إنه أحيانًا تقدم الدراما ما يشبه تمجيد قصاص الشارع، وكأن البطل الذي ينتقم بيده هو النموذج الأقوى والأحق بالاتباع، بينما يتم تغييب دور القانون والقضاء.
وتضيف أن تقديم مشاهد إذلال في إطار دراما اجتماعية دون معالجة نقدية واضحة قد يرسخ لدى بعض الفئات، خاصة المراهقين والشباب، تصورًا بأن هذا السلوك طبيعي أو مشروع، في إطار ما يُعرف بنظرية التعلم الاجتماعي، حيث يتأثر الأفراد بما يشاهدونه ويعيدون إنتاجه في الواقع، موضحة أن المشكلة ليست في عرض الواقع، بل في كيفية عرضه.
فهل نقدمه بوصفه انحرافًا يستحق العقاب؟ أم كأمر معتاد يجب التعايش معه؟ وهنا يكمن الفارق الجوهري.
وتشدد الخبيرة الإعلامية، على ضرورة التمييز بين توظيف مشهد إذلال لخدمة حبكة درامية في سياق جريمة أو صراع، وبين تقديمه دون إطار أخلاقي أو قانوني واضح.
وتفسر بأنه حين يتم عرض المشهد دون إدانة صريحة أو عواقب قانونية، يتحول من عنصر سردي إلى رسالة ضمنية تبرر الفعل.
وفيما يتعلق بإلباس الرجال ملابس نسائية كوسيلة للسخرية أو العقاب، تقول "فوزي"، إن السينما والدراما المصرية تشهد أمثلة متعددة يتم فيها استخدام هذا التوظيف كوسيلة لأغراض الكوميديا والدعابة والسخرية، لكنها ترى أن هذا الطرح غير مقبول، لأنه قد يحمل إساءة مزدوجة، سواء للرجل أو للمرأة.
وبالرغم من أن هذا الأمر قد يُنظر إليه في بعض المجتمعات الغربية بوصفه مقبولًا اجتماعيًا أو جزءًا من التنوع الفني، لكن في مجتمعاتنا قد يتحول إلى تقليل من شأن المرأة نفسها أو تكريس صورة نمطية مهينة.
كما تنتقد الإفراط في تقديم النماذج الذكورية السلبية في الدراما، موضحة أنه حتى في الأعمال البعيدة عن العنف والبلطجة، كثيرًا ما يتم تصوير الرجل باعتباره الخائن أو البخيل أو العنيف، وهو ما يكرس صورة نمطية سلبية، مؤكدة أهمية تقديم نماذج رجولية داعمة ومتوازنة نفسيًا، مع إظهار عواقب واضحة للشخصيات ذات السلوكيات السامة، أو منحها مسارًا دراميًا للتحول الإيجابي، بما يعزز الصراع الفني دون تكريس الانحراف.
كما تعرب عن قلقها من تصاعد وتيرة العنف اللفظي والجسدي في بعض الأعمال المنتظرة بالموسم الرمضاني، داعية إلى الاحتياج إلى نماذج ناجحة وسوية، لا إلى سباق في الألفاظ أو استعراض القوة في الشوارع الجانبية.
وتقترح الدكتورة سارة، أن يتم تناول مثل هذه الحوادث إعلاميًا من خلال: التركيز على رفض المجتمع للسلوك، إبراز العقوبات القانونية المترتبة عليه، تسليط الضوء على نماذج إيجابية تدخلت لحماية الضحية أو أبلغت الجهات المعنية، وبدلًا من إعادة نشر مشهد الإهانة، يمكن توجيه رسالة توعوية واضحة حول كيفية التصرف في مثل هذه المواقف.
وتختتم حديثها بالدعوة إلى تفعيل دور المجتمع نفسه في المتابعة، مقترحة إنشاء لجان أو جمعيات لحقوق المشاهدين، تتولى إعداد تقارير دورية لرفعها إلى الهيئات المختصة، لاتخاذ مسارات تصحيحية إذا لزم الأمر، سواء في الأعمال الدرامية أو البرامج أو حتى الإعلانات، مؤكدة أن الإعلام والدراما يمتلكان قوة هائلة في التوجيه، لكن هذه القوة يجب أن يتم استخدامها لتعزيز ثقافة القانون واحترام الآخر، وتقديم نماذج إنسانية إيجابية، لا لتطبيع الإهانة أو تمجيد العنف.
المصدر:
الشروق