آخر الأخبار

وفاة الدكتور مفيد شهاب.. مسيرة قانوني بارز ودوره التاريخي في استعادة طابا

شارك

توفي الدكتور مفيد شهاب، ووزير التعليم العالي والمجالس النيابية ورئيس جامعة القاهرة الأسبق، صباح اليوم، عن عمر ناهز 90 عاما، ويشيع جثمانه من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس عقب صلاة العصر.

ويعد الدكتور مفيد شهاب أحد أعلام القانون الدولي في مصر والعالم العربي على امتداد ما يزيد عن نصف قرن، مقدما إسهامات للمكتبة القانونية ودور تاريخي في فريق التفاوض المصري في التحكيم الدولي في قضية استعادة طابا.

وعلى الصعيد الأكاديمي، تولّى شهاب رئاسة جامعة القاهرة في الفترة من عام 1993 حتى عام 1997، وهي المرحلة التي سبقت انتقاله إلى العمل الوزاري، بعد مسيرة طويلة في التدريس والبحث في مجال القانون الدولي.

وشغل شهاب منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الفترة من يوليو 1997 حتى يوليو 2004، ثم عُيّن وزيرًا لشئون مجلس الشورى من يوليو 2004 حتى ديسمبر 2005، قبل أن يتولى منصب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية من ديسمبر 2005 حتى فبراير 2011.

وخلال تلك السنوات، أنابه الرئيس الأسبق حسني مبارك لرئاسة وفد مصر في عدد من مؤتمرات القمة العربية، من بينها القمة العربية بدمشق عام 2008، والقمة العربية بالدوحة عام 2009.

-شهاب وسنوات النشأة.. الليسيه والأول على دفعة الحقوق

ولد الدكتور مفيد شهاب في مدينة الإسكندرية في عام 1936، ودرس بمدارس الليسيه الفرنسية، ثم حصل على ليسانس الحقوق في جامعة الإسكندرية بتقدير ممتاز عام 1956، وكان الأول على دفعته.

وفي حوار له مع مجلة "السياسة الدولية"، نشر في 2021، روى أن دراسة القانون لم تكن خيارًا شخصيًا في بدايتها، بل جاءت استجابةً لرغبة والده. غير أن السنوات الأربع التي قضاها في كلية الحقوق شكّلت الأساس الصلب لتكوينه القانوني؛ لا لأنها أتاحت له دراسة فروع القانون المختلفة فحسب، بل لأنها غرست فيه منظومة من القيم والمثل والمبادئ، وعرفته بفلسفة القانون وروحه، ورسّخت في وجدانه احترام الحريات، ومعنى العدل، وكراهية الظلم.

يكفيني أني علمتهم.. الأب والعائلة في حياة مفيد شهاب

وتحدث الدكتور شهاب عن والده، بقوله: "كان والدي رجلًا محبًا للعلم جدًا، وكان يؤمن بأنه خير ميراث يتركه الإنسان. حتى إنه عندما كان يقول له البعض: إنك لم تترك لأولادك سوى قطعة أرض صغيرة -كان قد حصل عليها من نادي هيئة التدريس بالإسكندرية- كان يرد قائلًا: يكفيني أنني علمتهم، ومنهم من حصل على درجة الدكتوراه، وهذه أكبر ثروة".
ويوضح: "كان يؤمن بالعلم إيمانًا عميقًا، حتى إنه، وهو ناظر مدرسة ثانوية، كان يعطي دروسًا مجانية في اللغتين الألمانية والإيطالية، ويدعو المدرسين وزوجاتهم لتعلمهما، كما سافر إلى لندن للحصول على الماجستير في التربية وعلم النفس. وكذلك كانت والدتي، فرغم كبر سنها، كانت تذهب لتدرس الإيطالية والألمانية".

ويتابع شهاب، "قد تدرج والدي من مدرس في التعليم الابتدائي إلى ناظر ابتدائي، ثم ناظر ثانوي، ثم مدير منطقة تعليمية، ثم وكيل وزارة المعارف ومسئولًا عن التعليم الأجنبي مع طه حسين باشا، ومسئولًا عن التعليم في قطاع غزة. وفي كل هذه المراحل الطويلة، لم يكن مجرد معلم، بل كان مربي أجيال بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكانت أفكاره تقدمية، وشخصيته حاسمة، وله خبرة طويلة في الإدارة. فله فضل كبير ليس عليّ فحسب، وإنما على كثير من أبناء الإسكندرية وأبناء فلسطين، إذ عمل – كما ذكرت – مديرًا للتعليم المصري في غزة لمدة 6 أعوام، وكان ذلك في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

-الدكتوراه في السوربون: لقاءات مع القامات واستبشار بنبوغه

في مقال نشر بصحيفة الأهرام في مارس 2023، استعاد شهاب ذكرياته عن سنوات الدكتوراه في باريس، تلك المرحلة التي لم تكن مجرد محطة أكاديمية عابرة، بل تجربة عميقة شكّلت وعيه القانوني وأعادت صياغة نظرته إلى دور القانون الدولي، والانفتاح على ثقافة مختلفة، والعيش وسط أجواء تشهد جدلًا متصاعدًا حول تطور النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور الأمم المتحدة ومؤسساتها.

ويقول عن ذلك: "كنت في باريس طالب بعثة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون الدولي، وتصادف أنني كنت متوجهًا إلى أحد فنادق العاصمة الفرنسية لمقابلة أستاذي الجليل الدكتور حامد سلطان رئيس قسم القانون الدولي بجامعة القاهرة، وجدته في بهو الفندق بصحبة عبد الحميد باشا بدوي، القاضي بمحكمة العدل الدولية آنذاك".

ويكمل: "قدّمني إليه بصفتي معيدًا بكلية الحقوق وعضو بعثة للحصول على الدكتوراه، فإذا ببدوي باشا يقترب مني في مودة ويفتح معي حوارًا طويلًا. كان من أهم نصائحه أن طالب البعثة لا ينبغي أن يقصر اهتمامه على رسالة الدكتوراه، بل عليه أن ينهل من الثقافة الفرنسية ويختلط بالمجتمع ويتعايش معه"

وواصل: "اقترح علي أن يكون موضوع الرسالة عن محكمة العدل الدولية ودورها في تفسير القانون الدولي وسدّ النقص فيه، بل وكتب بيده عنوانها: "دور محكمة العدل الدولية في تفسير وخلق القانون الدولي".. واستوقفتني عبارة "خلق القانون"، وقلت له إن المحكمة لا تخلق القواعد بل تفسرها، وإن سلطة سنّ القوانين تعود إلى السلطة التشريعية أو الاتفاقيات الدولية.

وأكمل: "فابتسم وقال: "هنا مربط الفرس يا مفيد"، وكانت تلك المرة الأولى التي يناديني فيها باسمي.

وهنا تدخل أستاذي قائلًا: "هيا بنا يا عبد الحميد باشا قبل أن نتأخر على موعد العشاء". فردّ الباشا وهو يشير إليّ: "لقد استمتعت بالحديث مع هذا الشاب، وأنا مستبشر به خيرًا، وأرجو أن أراجعه من وقت لآخر وأدعوه لزيارتي في لاهاي".

-أوبرا ومسرح وفي بيت عائلة الفرنسية.. الجانب الإنساني في سنوات بعثة السوربون

مسرح وأوبرا.. كيف انفتح شهاب على الثقافة الفرنسية؟

ووقال شهاب: "خلال فترة دراستي في جامعة السوربون، لم أكن أكتفي بالمقررات الدراسية فحسب، وإنما كنت أذهب لمكتبة الجامعة والمكتبة الوطنية بفرنسا، لذا انفتحت على الثقافة والحضارة الفرنسيتين، خاصة أنني كنت أقيم مع عائلة فرنسية، وذلك بناء علي نصيحة الأستاذ الفرنسي. وكانت الأسرة مكونة من سيدة أرملة، وابنها، وابنتها، حيث كان زوجها ضابطا، وتوفي خلال الحرب العالمية الثانية، وكنت أعيش معهم كأنني شخص منهم. حتى إنه يوم مناقشة رسالة الدكتوراه، كانت السيدة ربة المنزل تحضر لي أوراقي وحقيبتي كأنني فرد من العائلة، وكنت أذهب معهم للأوبرا في باريس، وكنت أحب مشاهدة موليير، وذهبت إلي اللوفر، واستمتعت بالحضارة الفرنسية، وتشبعت بها"، وفقا لما قاله في حواره مع السياسة الدولية.

مهمة طابا.. الدور الأبرز في تاريخ مفيد شهاب

ومن أبرز الأدوار التي تولاها الدكتور مفيد شهاب في مشواره المهني الطويل كانت عضويته بوفد التفارض المصري في قضية استعادة طابا، وقال في محاضرة بجامعة القاهرة، إن ما يستخلص من تلك الملحمة هو أن السند في استرداد الحق ليس فقط أن تكون صاحب حق، بل الإصرار على هذا الحق بكل الوسائل سواء عسكرية أو سياسية أو قضائية أو قانونية.

وقال شهاب، "إن المفاوضات الدولية علمٌ وفن، وهذه العبارة لم أبتدعها، بل أخذتها عن الأستاذ الأمريكي باكستر، صاحب كتاب المفاوضات الدولية علم وفن". وقد آمن بهذا المعنى إيمانًا كاملًا، لأن التفاوض ليس مجرد مهارة سياسية أو حنكة دبلوماسية، بل هو معرفة دقيقة بالقانون والتاريخ والخرائط، إلى جانب القدرة على إدارة الحوار وفهم الطرف الآخر.

وأضار إلى كواليس انضمامه لفريق الدفاع، "فلم تكن مرتبة أو متوقعة. عندما شُكّلت اللجنة القومية لطابا، طلب الرئيس الأسبق مبارك من الدكتور عصمت عبدالمجيد الاستعانة بنخبة من أساتذة القانون والجغرافيا والتاريخ، وخبراء المساحة، إلى جانب عسكريين وسفراء لدراسة الملف. وقيل له إن هناك أستاذًا للقانون الدولي في الكويت هو مفيد شهاب، فطلب الاستعانة بي".

ويقول شهاب في حواره مع السياسة الدولية، "تلقيت اتصالًا من الدكتور أسامة الباز يخبرني بأن الرئيس يريد مقابلتي. ذهبت إلى اللقاء، وطلب مني الرئيس أن أدرس ملف طابا خلال 4 أو 5 أيام، وأن أبلغه برأيي". قال لي بوضوح: طابا أرض مصرية، لكن الإسرائيليين لا يريدون تركها.

وتابع، "عدت إلى الملف بكل تركيزي. قرأت كتب حافظ سلطان، وكتب حافظ غانم، وراجعت الخرائط والوثائق والمستندات التاريخية. وبعد أيام قليلة عدت إلى الرئيس وقلت له بثقة: موقفنا قوي جدًا، وطابا ملك لنا قانونًا وتاريخًا".
وأردف، "بعدها طلب مني ألا أعود إلى الكويت، وأن أستمر في مصر ضمن فريق العمل. وبالفعل بدأت مرحلة جديدة، حيث شُكّلت لجنة قومية ضمّت خبراء في التاريخ والجغرافيا والقانون وغيرهم، ودرسنا الملف من جميع جوانبه. وكنا جميعًا على قناعة بأن الأساس القانوني المصري صلب ومتماسك".

كما دافع عن قضايا دولية غير مصر، منها قضية جزر حنيش بين اليمن وإريتريا، تولّى مهمة المحامي عن الجانب اليمني أمام هيئة التحكيم الدولية في لندن، وانتهى النزاع بصدور الحكم في نوفمبر 1998 لصالح اليمن، في واحدة من أبرز قضايا ترسيم السيادة على الجزر في البحر الأحمر.

كما شارك في قضية جزر حوار بين البحرين وقطر، حيث كان محاميًا للبحرين أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وانتهت القضية في مارس 2001 بحكم قضى بسيادة البحرين على جزر حوار، حسب جامعة القاهرة .
سد النهضة.. شهاب يشارك في صياغة إعلان المبادئ

وبعد مغادرته المناصب الرسمية، استمر حضوره في القضايا الوطنية الكبرى، وكان من بينها ملف سدّ النهضة الإثيوبي.
فعلى خلفية تصاعد الخلاف مع إثيوبيا بشأن بناء السد، شارك في الجهود القانونية التي سعت مصر من خلالها إلى تثبيت قواعد واضحة تحكم التعامل مع مياه النيل. وفي هذا السياق، كان ممن شاركوا في صياغة «إعلان مبادئ» عام 2015، وهو الاتفاق الذي وُقّع بين مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم.

ويرى شهاب أنه الإعلان تعرّض لانتقادات من بعض الأصوات التي رأت فيه موافقة ضمنية على إنشاء السد، غير أنه كان من أنصار فكرة تقنين الالتزامات كتابيًا بدل الاكتفاء بالتعهدات الشفوية.

وأكد أن النص المكتوب يضع إطارًا قانونيًا يُلزم الأطراف الثلاثة -مصر والسودان وإثيوبيا- باحترام قواعد القانون الدولي للأنهار، وبالاستعانة بخبراء فنيين لإجراء الدراسات المطلوبة بشأن آثار السد.

ووأضاف "تعد اتفاقية إعلان المبادئ مكسبا، لأننا نستطيع الضغط عليهم من خلال الاستناد إليها، لاسيما أن اتفاقية الأنهار الدولية تعد اتفاقية دولية عامة، لكن إعلان المبادئ يقتصر علي مبدأين أو ثلاثة، والخاص له قيمة دائما عن العام، ويجبُّ العام، ما دام لا يخالف النظام العام".

- مفيد شهاب: القضية الفلسطينية مسئولية تاريخية


ظلّت القضية الفلسطينية أحد الثوابت في حياة الدكتور مفيد شهاب، فقبل أقل من عام، وفي محاضرة ألقاها بجامعة القاهرة، أكد أن مصر ستظل مسئولة عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإعلان دولته المستقلة، مشددًا على أن الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم يدركون ذلك جيدًا.

وفي عام 2009 أصدر كتابًا بعنوان "مصر والقضية الفلسطينية" عن الهيئة العامة للاستعلامات، تناول فيه الأبعاد القانونية والتاريخية للدور المصري، مستندًا إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

ومع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، عبّر شهاب بوضوح عن رفضه القانوني للخطوة، معتبرًا أنها تمثل "تحديًا صارخًا للشرعية الدولية، وتعارضًا صريحًا مع أحكام القانون الدولي، وجميع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن في هذا الشأن".

وأشار إلى أن تلك القرارات سبق أن وافقت عليها الولايات المتحدة نفسها، وتؤكد بوضوح أن القدس الشرقية أرض عربية محتلة، ولا يجوز تغيير الأوضاع الديموغرافية أو السياسية فيها، وأن أي تغيير في هذا الوضع يُعد باطلًا ولا يُعتد به.

وأوضح أن الأمم المتحدة حين تقرر عدم شرعية التغييرات الإقليمية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي على الدول العربية، وعدم شرعية الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل نتيجة احتلالها أقاليم هذه الدول، فإنها تؤكد بطلان هذه التصرفات لمخالفتها قواعد القانون الدولي، وتدعم مبدأ الشرعية الدولية بوصفه أساسًا لتنظيم العلاقات بين الدول.

أوسمة رفيعة التكريم

وبحسب الموقع الرسمي لجامعة القاهرة، نال الدكتور مفيد شهاب عدد كبير من الأوسمة والجوائز المحلية والدولية، تعكس مكانته الأكاديمية ودوره القانوني والوطني. فقد حصل على وسام الفاتح من سبتمبر من رئيس الجماهيرية الليبية عام 1991، ثم مُنح عام 1995 وسام ضابط جوقة الشرف بدرجة فارس من الحكومة الفرنسية. وفي عام 1998 نال وسام الاستحقاق من الرئيس الإيطالي، كما حصل في العام نفسه على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في مصر.

وتوالت التكريمات الدولية، فحصل عام 1999 على الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة لوران أودفوس بالمجر، ونال كذلك ميدالية بوشكين من روسيا. وفي عام 2000 مُنح وسام جامعة بودابست بالمجر، كما حصل على الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة السوربون الجديدة بباريس.

وفي عام 2001 نال وسام البحرين من الدرجة الأولى من أمير البحرين، كما حصل على الوسام الأكبر للاستحقاق من الجمعية الفرنكفونية.

وفي يناير 2003 مُنح الدكتوراه الفخرية في الفلسفة ووسام النسر الذهبي من جامعة طشقند للدراسات الشرقية بجمهورية أوزبكستان. أما في مارس 2014 فقد مُنح وسام الجمهورية من الدرجة الأولى من رئيس جمهورية مصر العربية، تقديرًا لدوره في المواجهة القانونية التي توّجت باستعادة طابا ورفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989.

واختُتمت مسيرة التكريمات بحصوله على جائزة النيل في العلوم الاجتماعية عام 2019، وهي أرفع الجوائز المصرية في المجال العلمي.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا