فى ظل الزخم غير المسبوق للمشروعات القومية والعمرانية التى تنفذها الدولة، من مدن جديدة وشبكات طرق ومرافق وبنية تحتية، تبرز صناعة الصلب كأحد المدخلات الاستراتيجية الحاكمة لاستدامة هذا النشاط الإنشائى، ليس فقط من حيث توافر الخامات، لكن أيضًا من حيث استقرار التكلفة والقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية للتنفيذ.
ويُقدَّر استهلاك السوق المحلية من حديد التسليح بنحو ٧ ملايين طن سنويًا بما يُعادل ٤ مليارات دولار فى حال استيرادها من الخارج، يذهب الجزء الأكبر منها إلى قطاع الإنشاءات، ما يجعل تعميق صناعة الصلب المحلية عنصرًا محوريًا فى تأمين احتياجات المشروعات القومية وتقليل تعرضها لتقلبات الأسواق العالمية.
وتعمل مصر على تطوير مشروعات عمرانية متكاملة بالمشاركة مع مطورين أجانب ابرزها مدينة راس الحكمة وعلم الروم بالساحل الشمالى، بالإضافة الى مناطق جديدة جارٍ العمل على طرحها على ساحل البحر الأحمر.
تسعى الحكومة إلى تحويل الساحل الشمالى الغربى إلى محور تنموى متعدد الاستخدامات، يستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادى سنوى لا يقل عن 12%، وتوطين نحو 5 ملايين نسمة، بالتوازى مع توفير 1.5 مليون فرصة عمل مباشرة، فى إطار رؤية تمتد حتى عام 2052، وفق موقع رئاسة الجمهورية.
تشمل الخطط تنفيذ مجموعة من المشروعات العمرانية والاقتصادية، من بينها مدينة العلمين الجديدة، ومدينة رأس الحكمة، ومدينة سيدى عبد الرحمن، ومدينة النجيلة، إلى جانب إنشاء منطقة صناعية متطورة فى الحمام، وميناء متعدد الأغراض فى منطقة جرجوب، ومدينة أولمبية جنوب مطروح، ومركز للحرف والصناعات اليدوية. كما يجرى العمل على تنفيذ محور منخفض القطارة بطول 220 كيلومترًا، وربطه بمحاور عرضية تصل إلى جغبوب وسيوة وأسيوط والفرافرة، ضمن الشبكة القومية للطرق.
وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات عن مفارقة اقتصادية لافتة فى هيكل سوق الصلب، إذ استوردت مصر نحو 1.7 مليون طن من خام البليت خلال عام 2024، بقيمة تقترب من مليار دولار سنويًا، فى الوقت الذى تمتلك فيه المصانع المحلية طاقات إنتاجية فائضة تتجاوز 3.5 مليون طن. ويعكس هذا الخلل فجوة واضحة بين القدرات الإنتاجية المتاحة والقرارات الاستيرادية، بما يؤدى إلى تعطيل استثمارات قائمة، وتراجع معدلات تشغيل المصانع المحلية، بدلًا من توجيه الطلب المحلى لتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
ومع توسع الدولة فى تنفيذ مدن الجيل الرابع، وإنشاء عشرات التجمعات العمرانية الجديدة، إلى جانب مشروعات النقل القومى وتطوير الموانئ والسكك الحديدية، تزايد الطلب المحلى على منتجات الصلب بمختلف أنواعها، سواء حديد التسليح أو المسطحات أو الصلب المستخدم فى الصناعات الهندسية الثقيلة. وهنا تبرز أهمية وجود صناعة وطنية قوية قادرة على تلبية هذا الطلب دون الاعتماد المفرط على الواردات، التى تظل عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد، حسب ما قاله محللون.
مؤكدين أن صناعة الصلب تمثل القاعدة الأساسية لأى نهضة عمرانية، إذ تدخل منتجاتها فى كل مراحل البناء، بدءًا من الأساسات وحتى الهياكل الخرسانية والمعدنية. وتقدّر احتياجات قطاع التشييد والبناء فى مصر بملايين الأطنان سنويًا، مدفوعة بخطط الدولة لإضافة مساحات عمرانية جديدة تستوعب النمو السكانى وتخفف الضغط عن الوادى والدلتا.
بحسب ما قاله محللون فإن استمرار هذه المشروعات بوتيرة مستقرة يتطلب تأمين إمدادات منتظمة من خامات الصلب، بأسعار تنافسية وجودة مطابقة للمواصفات القياسية. وهنا يصبح تعزيز الصناعة المحلية خيارًا استراتيجيًا وليس مجرد توجه اقتصادى.
ومن منظور الاقتصاد الكلى، لا يقتصر أثر هذا النمط من الاستيراد على الصناعة وحدها، بل يمتد ليشكل ضغطًا مباشرًا على ميزان المدفوعات واستنزافًا لموارد النقد الأجنبى، فى توقيت تتبنى فيه الدولة استراتيجية تستهدف خفض الواردات وتصنيع البديل محليًا ضمن خطة النهوض بالصناعة الوطنية. كما أن الاعتماد المتزايد على مدخلات مستوردة فى قطاع حيوى مثل الإنشاءات يعرّض المشروعات القومية لمخاطر تقلب الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما قد ينعكس فى صورة ارتفاع تكاليف التنفيذ أو تأخير الجداول الزمنية، بحسب ما يراه محللون بالسوق.
وفى المقابل، يوفر تعميق صناعة الصلب المتكاملة محليًا مظلة حماية طبيعية للمشروعات العمرانية، عبر ضمان إمدادات مستقرة، وقدرة أكبر على التخطيط متوسط وطويل الأجل، فضلًا عن الحد من نقل القيمة المضافة وفرص العمل إلى الخارج.
وتشغّل مصانع الصلب المتكاملة وشبه المتكاملة فى مصر نحو 26 ألف عامل بشكل مباشر، إلى جانب عشرات الآلاف من فرص العمل غير المباشرة فى الصناعات والخدمات المرتبطة، ما يجعل تعظيم تشغيل هذه الطاقات قضية ذات بعد اقتصادى واجتماعى فى آن واحد.
ويشير مختصون إلى أن السياسات الوقائية، وعلى رأسها فرض رسوم متوازنة على واردات البليت، لا تستهدف حظر الاستيراد، بقدر ما تهدف إلى تحقيق مستوى تنافسى عادل بين المنتج المحلى والمستورد، خاصة فى ظل فائض الطاقات العالمى الذى يبحث عن أسواق تصريف، وسوق محلية تتمتع بحماية جمركية شبه معدومة. كما تؤكد الدراسات أن تكلفة الصلب كنسبة من التكلفة النهائية لمشروعات الإنشاءات تظل محدودة، بما يعنى أن أى إجراءات تنظيمية تستهدف حماية الصناعة المحلية لن تُترجم إلى أعباء ملموسة على المستهلك أو على تكلفة المشروعات القومية.
وفى ضوء هذه المعطيات، يصبح تعميق صناعة الصلب المحلية جزءًا لا يتجزأ من معادلة نجاح المشروعات القومية والعمرانية، ليس باعتباره ملفًا صناعيًا فحسب، بل كخيار استراتيجى يدعم الأمن الاقتصادى، ويعزز كفاءة الإنفاق الاستثمارى، ويضمن استدامة النمو فى قطاع الإنشاءات، بما يتسق مع توجهات الدولة لتعظيم المكون المحلى وبناء اقتصاد إنتاجى أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
المصدر:
الشروق