آخر الأخبار

حين يتحول الخلاف إلى معركة.. هل تؤثر السوشيال ميديا على العلاقة بين الرجل والمرأة؟‬

شارك

الشيماء أحمد فاروق ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة إلى ساحة صراع بين الرجال والنساء، خاصة بعد انتشار عدد كبير من الترندات العجيبة والمتتالية، حتى صارت جزءًا طبيعيا من يومنا، بل الأكثر أننا صرنا نتساءل أحيانا ما الجديد أو هل سيمر يوم بدون ترند غريب آخر؟!
وكان آخرها عدد من الوقائع شهدها الشارع المصري، سواء كانت واقعة انفعال رجل مسن على فتاة في مترو القاهرة بسبب طريقة جلوسها، أو واقعة التحرش بفتاة داخل أتوبيس، إلى إجبار شاب على ارتداء بدلة رقص في القليوبية.


والمشكلة أن النقاش لم يتوقف عند حدود الحدث نفسه، بل تحول سريعًا إلى ساحة صراع افتراضي بين الرجال والنساء، واتهامات متبادلة، وتعميمات قاسية، وخطاب عدائي يتكرر يومًا بعد يوم، حتى يبدو وكأن العلاقة بين الطرفين أصبحت معركة مفتوحة، لا علاقة إنسانية قائمة على التفاهم.

لذا قررت "الشروق" في عيد الحب تسليط الضوء على ما يحدث، ومناقشة أبعاد هذا الأمر مع الدكتورة أمل خطاب، أستاذ ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب بجامعة بنها، والدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بجامعة أسيوط، للإجابة على تساؤل حول هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في اتساع الفجوة بين الجنسين بدلًا من تقريبها؟ .

من قضية فردية إلى صراع جماعي

ترى خبيرة الإعلام أن المشكلة الأكبر لا تكمن في الوقائع نفسها بقدر ما تكمن في طريقة تداولها على السوشيال ميديا، مشيرة إلى أن العلاقة بين الرجل والمرأة في جوهرها علاقة تكامل وتعاون وليست صراعًا أو ندية، فلكل منهم دوره ومساحته في الحياة، والأهم التعاون بينهما من أجل تحقيق التوازن والاستقرار، لكن المحتوى المنتشر على المنصات الرقمية كثيرًا ما يدفع النقاش في اتجاه الاستقطاب.

وتشير الدكتورة أمل، إلى أن ما حدث في واقعة المترو كمثال واضح، إذ تحول النقاش من تقييم سلوك فردي إلى مواجهة بين معسكرين: فريق يرى الواقعة تسلطًا غير مبرر، وفريق يعتبرها دفاعًا عن القيم، ونقيس على ذلك غيرها الكثير من الترندات الجدلية.
صورة مشوهة للعلاقات

وتضيف أن خطورة هذه الترندات لا تتوقف عند الجدل اللحظي، بل تمتد إلى تشكيل وعي الأجيال الجديدة عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، حيث يتكون انطباع بأن العلاقة قائمة على الحذر الدائم أو إثبات القوة، لا على الشراكة والتفاهم، ومع تكرار هذه الرسائل السلبية، يصبح الانسحاب من العلاقات أسهل من محاولة إصلاحها، ويزداد الخوف من الارتباط، وتتعاظم الحساسية تجاه الخلافات الطبيعية.

وتضيف أن هذا الأمر له تأثيرات نفسية واجتماعية وثقافية، منها: تعميق الاستقطاب بين الناس، خروج النقاش من السلوك الفردي وتوليد تعميمات حادة، إعادة تشكيل قيم الشباب من الجنسين.

كما أن تكرار نشر مثل تلك الأحداث يجعل الأجيال الجديدة تعتقد أنه لابد من وجود حذر مستمر من الطرف الآخر أو محاولة إثبات القوة أمامه دائمًا، وبالتالي تشكيل صورة غير متوازنة عن طبيعة العلاقة الزوجية أو الإنسانية بشكل عام بين الطرفين، ومع استمرار الرسائل السلبية، يزداد الخوف من الارتباط، وتزداد الحساسية تجاه أي خلاف طبيعي، والنتيجة أن الانسحاب يصبح حل أسرع من الحوار والإصلاح.

كيف نستعيد خطابًا أكثر هدوءًا؟


وترى خطاب أن الحل ليس معقدًا، لكنه يحتاج وعيًا ومسئولية، من خلال خطاب إعلامي واجتماعي هادئ، لا يلهث خلف التهويل والانفعالات الرقمية، بل يقدم نماذج واقعية للعلاقات الإنسانية.

كما كانت تفعل دراما زمان، في أعمال مثل "هو وهي" لصلاح جاهين، الذي عرض قضايا الرجل والمرأة في سياق يومي بسيط، بعيدًا عن التأزيم، وأظهر كيف يمكن للاختلاف أن يُدار بالحوار والاحترام، وكذلك مسلسل "ذات" الذي قدم صورة إنسانية عميقة للعلاقة بين الطرفين داخل المجتمع.

وأكدت أنه إذا استطاعت المساحات الإعلامية والرقمية أن توازن بين النقد المسئول وتقديم نماذج صحية، سنزرع وعيًا مختلفًا لدى الشباب قائمًا على التعاون لا التحدي، وعلى التكامل لا المنافسة.

التسمم الإعلامي وتأثيره النفسي

من جانبه يرى أستاذ الطب النفسي أن التعرض المستمر لخطاب عدائي بين الجنسين على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة في سياقات مشحونة عاطفيًا يمكن أن يكون له تأثيرات نفسية حقيقية وملموسة على استعداد الأفراد للارتباط العاطفي أو الزواج.

ويوضح أن هذا النوع من التعرض المزمن يعتبر شكل من أشكال "التسمم الإعلامي"، حيث يتعرض الفرد بشكل متكرر لمحتوى يعزز الانقسام والصراع بين الرجل والمرأة، ما ينعكس تدريجيًا على نظرته للعلاقات.

ويشير إلى أن خوارزميات منصات التواصل تميل بطبيعتها إلى إبراز المحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف، لأنه يحقق تفاعلًا أكبر، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ صور نمطية سلبية، مثل تعميم أن "كل الرجال متحرشون" أو أن "كل النساء يبالغن أو يستغللن"، موضحًا أن هذا التعميم السلبي يضعف الثقة المتبادلة، وهي الركيزة الأساسية لأي علاقة صحية.

ويتابع أن التعرض المتكرر لقصص الخيانة أو التحرش أو ما يعرف بـ"الحروب الجندرية" ينشط ما يسمى في علم الأعصاب بـ"نظام التهديد" في الدماغ، فيتضخم الإحساس بالخطر، ويبدأ الفرد في النظر إلى الارتباط العاطفي باعتباره مخاطرة عالية، لا فرصة لبناء شراكة مستقرة.

ويلفت إلى أن الدراسات في علم النفس الاجتماعي تشير إلى أن المحتوى العدائي قد يعزز أنماط الارتباط القلق أو المتجنب، فالبعض يصبح مفرط الحذر والشك، والبعض الآخر يتجنب الاقتراب العاطفي أصلًا خوفًا من التعرض للإيذاء أو الخيانة.

الأثر التراكمي للخطاب العدائي

وعن التأثيرات المجتمعية طويلة المدى، يقول إن الخطاب العدائي المتكرر قد يساهم في عزوف بعض الشباب عن الزواج أو تأخيره، مع شعور متزايد بأن العزوبية أكثر أمانًا من الدخول في علاقة تُصور على أنها ساحة صراع.

ولفت إلى أن هذا المناخ قد يؤدي أيضًا إلى هشاشة العلاقات، حيث يتحول أي خلاف طبيعي إلى دليل يتم إسقاطه على صورة نمطية عامة، ما يزيد من معدلات سوء الفهم والانفصال المبكر.

كما يشير إلى أن الإفراط في استهلاك هذا النوع من المحتوى يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة، وهي عوامل تقلل من القدرة النفسية على بناء علاقات مستقرة ومتوازنة، بالإضافة إلى أن تأثير أي واقعة مثيرة للجدل قد يكون مؤقتًا، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الأثر التراكمي لسنوات من الخطاب المشحون، الذي يعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة بصورة غير متوازنة.

بناء التجارب الإنسانية بشكل واقعي بعيدًا عن العدسة الرقمية

ويختتم أستاذ الطب النفسي حديثه بالدعوة إلى ضرورة تقليل التعرض للمحتوى الذي يروج للكراهية بين الجنسين، والاعتماد على مصادر أكثر توازنًا، وتشجيع الحوار الواقعي خارج منصات التواصل لتفكيك التعميمات.

كما ينصح المقبلين على الارتباط بأن يبنوا تجاربهم بشكل تدريجي وواقعي، بعيدًا عن العدسة الرقمية التي قد تشوه صورة العلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن هذه الظاهرة ما تزال بحاجة إلى دراسات محلية أعمق، لكنها تعكس تحولًا مجتمعيًا يستحق الانتباه للحفاظ على تماسك العلاقات في عصر التواصل الرقمي.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا