آخر الأخبار

راهب العودة سلمان أبوستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

شارك

النظر إلى الخريطة عادة ما يكون فعلا باردا، أشبه بتشريح جثة من مسافة آمنة، خطوط صامتة وحبر يدعى السلطة المطلقة على الورق، لكن ما يفعله الدكتور سلمان أبو ستة رئيس هيئة أرض فلسطين فى سلسلة أطالس فلسطين الأربعة أعمق بكثير، هو كشط للجلد الميت عن سطح الورقة ليكشف الكدمة الزرقاء تحتها، فهو يقول لنا إن خرائط الاستعمار والاحتلال التى حاولت أن تمحو وتزيف لتسرق، تسبقها خرائط أخرى تمتد على مدار آلاف السنين تثبت أن لفلسطين اسما وشعبا وحقا.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

الورقة مستوية والواقع- بكل عرقه ودمعه- مضغوط فى رموز صغيرة لا تشم منها رائحة التراب ولا تسمع صفير الرياح عند طرف الوادى، لكن تاريخ رسم الخرائط فى هذه المنطقة طويل، ممتد مثل طبقات الملح حين تجف على حجر قديم، من الرومان إلى العثمانيين، مرورا بالاحتلال البريطانى وصولا إلى مشرط الاستعمار الاستيطانى الصهيونى.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

بالنسبة لمن عانوا الشتات، تبدو الخرائط القديمة أثقل من وزنها عند غيرهم، شيء أقرب إلى تميمة، تفتح بحذر كأنها تفتح جرحا.. فأى اسم عربى مكتوب بخط صغير على لافتة خشبية مهترئة مثبت عليها، يظل أكبر من كل الخرسانة والشاشات والأضواء التى جاءت بعده.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

وحين يتكلم الدكتور سلمان أبو ستة عن خرائط فلسطين، لا يترك الخريطة فى وظيفتها المدرسية، وإنما يجرها إلى غرفة التحقيق، ليجعلها تقر وتدين وتثبت.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

من هنا أهمية المعرض المقام فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة بميدان التحرير بعنوان «فلسطين فى 2000 عام»، والممتد حتى 19 فبراير الجارى، فى قاعة Margo Veillon.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

المعرض لا يكتفى باستعراض الذاكرة، إنه يضع أمامك خرائط وخطة تنفيذ واقعية شديدة الدقة لعودة أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطينى إلى أراضيهم التى هجروا منها منذ 1948، خلاصة جهد امتد لأكثر من خمسين عاما أنجزه المؤرخ الفلسطينى الدكتور سلمان أبو ستة. الخرائط ثرية ومتنوعة، تمتد توثيقيا من عام 313 حتى يومنا هذا، فتجعل «العودة» قابلة للتخيل مسارا وخرائط وتفاصيل، فإذا كانت الخريطة السياسية سلاحا للتهجير، فالخريطة التاريخية هى درع «حق العودة»، إنها البرهان الحى على أنهم كانوا هناك، وأن الأرض كانت تنطق بأسماء تشبه ملامحهم.. ولم تكن يوما أرضا بلا شعب.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

خمسة وعشرون عاما مرت على تأسيس هيئة أرض فلسطين فى لندن عام 2000، التى لم يرد لها أبو ستة أن تكون منظمة علاقات عامة، وإنما غرفة عمليات للتوثيق والتخطيط لتنفيذ حق العودة بعد إثبات أنه مقدس وقانونى وممكن عمليا أيضا، هى قاعدة بيانات ضد النسيان، وضد ادعاء «الأرض الفارغة»، وهذا العام يمر أيضا خمسة وعشرون عاما على أول حوار جمعنى بالدكتور سلمان أبو ستة فى القاهرة، وحين بدأت صنع فيلم وثائقى عنه، لأكتشف أنه بحق ربما يخيف الكيان الصهيونى أكثر مما تخيفهم القنابل، فهو ينسف أهم مزاعمهم وأساطيرهم الحاكمة بقوة الواقع والخرائط والحقائق غير الملتبسة.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

هذا اليوبيل الفضى المزدوج يفتح فى ذهنى سؤالا: ماذا يمكن أن يفعل ربع قرن من العمل حين يتسلح بالدليل، ويصر على لغة القياس والتوثيق؟.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

من يعرف سلمان أبو ستة عبر العناوين ربما يراه «رجل خرائط»، لكن من يجلس أمامه دقائق سيرى راهبا فى محراب قضية منحها العمر والجهد، العودة حق يحتاج إلى قوة مادية وهو لها، يعمل من أجلها طوال عمره، صورة جوية، سجل ضريبة، أسماء ملاك، مساحات بالدونم، مسارات عودة بالدقائق.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

ربما تعود هذا العالم العبوس أن يبتسم للألم، ثم يسأل ببرود: وما الدليل؟ يرد الرجل ببرود أقسى، برود الحقيقة والحق فى مواجهة الباطل الفج: الدليل موجود، وأنتم صنعتموه بأنفسكم.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

الخريطة هنا تميمة مقدسة، تؤدى وظيفة «مخطط بناء واستعادة حقوق» بعد سنوات طويلة ربما حصرتها شعارات العالم فى وظيفة «شاهد قبر»، سطح أملس يذكرك أن المسافة بين «المنفى» و«البيت» قد تكون، بمنطق الحق والحنين، على بعد دقة قلب، وبمنطق الخرائط، أقصر من نصف ساعة.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

الخرائط.. مقاومة

حين نتحدث عن معرض خرائط فلسطين فى 2000 عام، والذى استقبل الزوار قبل شهور فى الكويت ويقام حاليا فى القاهرة قبل أن ينتقل فى جولة تشمل إنجلترا وتركيا وغيرها، فنحن نشهد شيئا مدهشا الخرائط، التى من طبيعتها الصمت والجمود، تحكى وتكاد تصرخ، متجاوزة دورها التقليدى فى تمثيل الأرض لتصبح أداة للعدالة.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

فى النهاية، عمل أبو ستة الذى أنتج 4 أطالس تاريخية مهمة يجبرنا على التحديق فى الخريطة حتى تغيم الخطوط أمام عيوننا ويتسرب منها طعم الخسارة، إنه تذكير قاس، مفاده أنك يمكنك أن تهدم بيتا بالجرافة، ويمكنك أن تغير اسم شارع بلافتة معدنية جديدة، لكن لا يمكنك بسهولة انتزاع «جغرافيا الذاكرة» من رؤوس الذين عاشوا على الأرض وساروا فى دروبها.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

حق العودة يحتاج أسماء ومواقع وخرائط تقاوم التزوير، يحتاج أن تقول للعالم: هذا المكان كان موجودا، وهذه البيوت كانت هنا، وهذه الملكيات ليست أساطير.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

لم تكن الخريطة يوما مرآة بريئة للواقع. إنها نص مكتوب «بوقاحة»- أحيانا- فوق نص آخر ذبح ودفن.

حين يشطب اسم قرية فلسطينية عن تلة، وحين تتحول «المجدل» إلى إحداثيات لمستوطنة إسمنتية تحمل اسما عبريا، فهذه جراحة لاستئصال الذاكرة من جسد الأرض.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

وقد عمل أبو ستة طوال حياته ليعرى هذه الحقيقة ويعكسها: رسم الحدود لم يكن يوما للإدارة، وإنما لمحو الإدراك بأن هذه الأرض لها أصحاب، ومهمته ليست أقل من أن يعيد للخرائط صوابها التاريخى والجغرافى لتنطق بالحق، توثقه وترسم طريق عودته، يوثق من خلالها وطنا ويرسم طريق العودة المقدسة إليه.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

الزاوية الأهم فى مشروع أبو ستة لا تكمن فى بكائية بالخرائط والوثائق، وإنما فى قلب وظيفتها. فالأوراق التى استخدمتها الإمبراطوريات لتثبيت السيطرة — المسح، التسمية، القيد، الضرائب يستعيدها هو كوثائق ملكية قابلة للتقديم فى ملف قضائى.

راهب العودة سلمان أبو ستة ينظم معرض «فلسطين فى 2000 عام» خرائط من ملح وذاكرة

يقرأ الأرض بعين المهندس، ما لا يمكن إثباته لا يبنى عليه، وما لا يخطط له يظل شعارا. لذلك كانت «هيئة أرض فلسطين» منذ البداية مشروعا لتقنين المعرفة وتحويلها إلى خطة.

أطلس فلسطين 1917- 1966 فى 700 صفحة وبأكثر من لغة، وأطلس 1871-1877 الذى يقدم فلسطين قبيل الاستيطان الصهيونى الحديث «دون مستعمرة يهودية واحدة» فى الخريطة.

ثم تأتى الضربة التى تحرر الفكرة من ابتزاز أخلاقى شائع «سيعود اليهود للشتات». فلا يرد أبو ستة بالصراخ السياسى، وإنما بالحساب وبالتوزيع السكانى على الأرض، فقد قدم منذ 1998 ما يثبت إمكانية عودة الفلسطينيين من دون إزاحة «السكان الإسرائيليين» لينسف افتراض «نكبة يهودية» نتيجة العودة، فليس حق العودة وحده لا يكفى قانونيا وأخلاقيا.

ثم يضيف ما يشبه صفعة هندسية: 87%–88% من السكان اليهود يتركزون فى نحو 12% من الأرض (تل أبيب/حيفا/القدس الغربية وما حولها)، وأن مساحات واسعة خارج هذا التركّز «شبه خالية» أو مستعمرة بالعسكرة وبالكيبوتسات، الأهم أنه يذكر أن النتيجة نفسها أكّدتها لاحقا مسوح إسرائيلية- حين صار الرقم قويا لدرجة لا يمكن معها تجاهله.

وهنا يمثل الاستناد إلى خرائط الخصم أساس الموضوعية فى وجه عالم مزدوج المعايير والضمير..

فحين يكتب أبو ستة عن خرائط الاحتلال البريطانى، لا يعبر عن حنين لأرشيف أنيق، وإنما يوردها كدليل صنعه الاحتلال نفسه — خرائط ألّنبى التفصيلية، ثمرة عمل استكشاف فلسطين PEF على مدى عقود، تحمل لقب العائلة «أبو ستة» كمعلم بارز فى بئر السبع، وتشير إلى ملكية عائلية واسعة (حوالى 8000 دونم)، كأن الوثيقة البريطانية، من غير قصد، تركت ختما على باب البيت.

لكن الورق وحده لا يكفى، لذلك فى المعرض نفسه تعرض خرائط لا تكتفى بإظهار الامتداد عبر 2000 سنة- من اليوم إلى 1967 إلى 1948 ثم 1596 ثم 313- بل تظهر «كيف وقعت النكبة» عبر الخرائط وشهادات من عايشوها، مع قوائم المهجرين من 530 مدينة وقرية: أسماؤهم، أعدادهم، وأين يعيشون اليوم.

ولأن الجريمة الحديثة بارعة فى التنكر — ربما كان أكثر مقتنيات المعرض إدهاشا هى خريطة «الصندوق القومى اليهودي» JNF — واحدة ضمن خرائط أطلس كامل أنجز مؤخرا لتوثيق السرقة التى اقترفها ذلك الصندوق الموجود فى 50 دولة حول العالم.

الخريطة تتتبع 80 متنزها زرعت فوق أنقاض قرى فلسطينية، بأشجار «مستوردة من أوروبا» ليست من بيئة المكان، وتحدد خرائط هذا الأطلس، الأحدث صدورا، بدقة، فوق أى قرية وعلى أى مساحة أخذت منها، ومن هم ملاك الأرض بالأسماء، وأين يقيمون اليوم (فى أى مخيم)، ويذهب أبو ستة لأبعد من ذلك. فالآن يمكن جر الصندوق إلى المحكمة لأن الأسماء موجودة، والملف مكتمل، وهناك سابقة فى اسكتلندا قبل بضع سنوات انتهت فيها المحكمة إلى أن القضية صحيحة ومكتملة لكن بلا اختصاص قضائى هناك..

لكن إذا ظل الكلام عن القانون وحده، يعود الناس إلى السؤال الذى يطعن فى كل شيء: كيف؟

«حق العودة» من خانة الشعار إلى خانة التنفيذ

هنا تأتى نقطة تميز عمل أبو ستة — النقطة التى يكره كثيرون الاقتراب منها لأنها تسحب الموضوع من الخطابة إلى الامتحان الواقعى، وهنا يخرج المهندس المدنى من وراء المؤرخ، يتحدث عن خطة عودة تفصيلية لتحديد كل مخيم لاجئين، وكل قرية أصلية، وطريق العودة إليها من بلد الشتات، من خلال أطلس العودة.

ومع ذلك، لا يسوق مشروع أبو ستة عودة إلى «الأطلال»، هو يعرف أن معظم القرى دمرت، وبالتالى لا بد أن تكون العودة فعل بناء لذلك جاءت مسابقة إعادة إعمار القرى المدمرة، منذ عشر سنوات، التى تقام سنويا لتدعو طلاب الهندسة الفلسطينيين من كل جامعات العالم للمشاركة بخطة إعادة إعمار إحدى القرى الفلسطينية المدمرة.

ولذلك فحين يقف اليوم أمام خريطة غزة، ويعرض أن القطاع حاليا يمثل فقط 1.3% من مساحة فلسطين لكنه يضم مهجرى 472 قرية، ويذكر أرقام الكثافات ويصف فظاعة ما يجرى، فهو لا يتكلم كسياسى، وإنما يضع إصبعه على جرح لا ينجو منه أى ضمير سليم: كيف يضغط شعب كامل فى شريط ضيق بينما تمتد أرضه خارج السياج؟!، هذا إذا تركنا جانبا تدمير حتى هذا الشريط الضيق ودكه بحرب شرسة لشهور وسنوات.

يظل السؤال الأكثر إحراجا لأى خطاب، ربما: من أين تأتى قوة هذا الشاهد؟

جزء من الإجابة موثق فى طفولة الدكتور سلمان نفسه — قبل أن يثبته الأطلس، ففى العاشرة من عمره، خرج طفلا من بيته فى بئر السبع بفلسطين تحت تهديد الإجرام الصهيونى فى مايو 1948، رفقة إخوته ليدخلوا مصر سيرا على الأقدام.

هذه التفاصيل ليست حكايات سيرة، إنها أصل «فلسفة العودة» عنده الطريق الذى سار عليه طفلا، يمكن أن يتحول إلى خط سير على خريطة إلى أن يأتى يوم ليسير عليه أطفال وأجيال فى الاتجاه المعاكس.

لهذا وغيره ربما امتد عملى لصنع فيلم وثائقى عن هذا الرجل/القضية لربع قرن، فأنا لا أقدم فيه رجلا جمع الخرائط، وإنما أحاول تقديم التحول الأخطر الخريطة التى كانت تستخدم لإغلاق الباب فصارت، بيده، مفتاحا عمليا لباب قديم. مفتاحا صدئا، نعم، لكنه يعمل، وجاهز لفتح بوابات فلسطين المستقبل.

معرض فلسطين فى ألفى عام أبدا ليس دفتر أحزان، إنها نقطة البداية لأى عدالة، فالجريمة حين تترك بلا تفاصيل تتحول إلى حكاية قابلة للتشكيك، التفاصيل تمنع ذلك.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا