قبل أن يلمس أحمد الشناوى الفضة، تكون النار قد مرّت على الفكرة أولًا. وقبل أن تتحوّل القطعة الصغيرة إلى خاتمٍ أو دلايةٍ أو أثرٍ قابلٍ للارتداء، تكون قد عبرت رحلةً كاملة بين الرسم والنحت، بين الخط العربى وذاكرة الحِرفة، وبين يدٍ تعرف كيف تُنصت للمعدن حين يسخن، لا كيف تُخضعه بالقوة. فى عالمٍ اعتاد أن يقيس الفن بالحجم أو باللمعان، تأتى تجربة الشناوى لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا لو كانت القيمة الحقيقية للفن كامنة فى ما لا يُرى؟ فى الزمن المبذول، فى المخاطرة، وفى الحوار الخفى بين النار والمعدن؟
هذا الحوار ليس عن الحُلى بوصفها زينة، ولا عن الفضة باعتبارها مادة ثمينة فحسب، بل عن فنٍّ يقف فى المنطقة الرمادية بين التشكيل والاستخدام، بين ما يُعلَّق على الجدار وما يُلامس الجسد. عالم الحُلىّ، كما يراه الشناوى، ليس هامشًا من الفن التشكيلى، ولا فرعًا تابعًا للصناعة، بل مساحة شديدة الخصوصية، تتطلّب من صاحبها أن يكون رسّامًا ونحّاتًا ومصمّمًا وحِرفيًا فى آنٍ واحد، وأن يتحمّل وحده ثمن هذا التعقيد معرفيًا وماديًا وزمنيًا.
من دمياط إلى القاهرة، ومن كراسات الخط فى المدرسة الإعدادية إلى أفران الصهر ومسدسات اللهب، تتشكّل سيرة فنية لا تعترف بالمسارات المستقيمة. سيرة يبدأ فيها الفن من اليد قبل الأكاديمية، ومن التجربة قبل السوق. هنا لا توجد قطع تُنتَج على خطٍّ متكرر، ولا وصفات جاهزة للنجاح، بل احتمالات مفتوحة للفشل والانكسار وإعادة التشكيل، كما يحدث تمامًا حين تطير قطعة فضة من بين الأصابع فى لحظة تلميع، فتسقط لتبدأ حكايتها من جديد.
فى حواره مع «المصرى اليوم»، يفتح الشناوى ورشته كما يفتح فكرته، ويتحدّث عن الخامة بوصفها كائنًا حيًا، وعن النار كأداة رسم، وعن الحُلىّ كفنٍّ يعانى من سوء الفهم وسوء التلقى فى آن. يروى كيف يمكن لقطعة صغيرة، بالكاد تُرى، أن تحمل جهد أيام، وتاريخ مدارس فنية، وأسئلة معلّقة عن القيمة والسعر والاعتراف. وهو، فى كل ذلك، لا يدافع عن نفسه بقدر ما يدافع عن فنٍّ كامل لم يحصل بعد على حقه فى الضوء.
يعرّف أحمد الشناوى نفسه ببساطة تخفى خلفها مسارًا طويلًا من التراكم، إذ يقول: «أنا أحمد فايز الشناوى، من مواليد عام ١٩٧٧، ولدت فى دمياط، لكن استقرارى الفعلى كان فى القاهرة»، هذا الانتقال الجغرافى المبكر ترافق مع انتقالٍ أعمق نحو الفن، ليس بوصفه دراسة أكاديمية فقط، بل كمسار حياة، ويضيف: «حصلت على بكالوريوس تربية فنية، ثم ماجستير تربية فنية عام ٢٠٠٦، وأعمل حاليًا مصمم ديكور أول بالهيئة الوطنية للإعلام».
غير أن البذرة الأولى، كما يوضح «الشناوى»، لم تكن فى الجامعة، بل فى المدرسة الإعدادية، حين اكتشف أحد مدرّسى اللغة العربية جودة خطه، وأهداه أول كتاب فى الخط العربى، ليبدأ التدريب على خط الرقعة، ثم الانفتاح لاحقًا على الكوفى والثلث، يسرد تفاصيل تلك اللحظة المفصلية، قائلًا: «المدرس أخذنى من إيدى وودّانى مسابقة على مستوى الإدارة التعليمية، وطلعت التانى، ومن هنا بدأت أشعر إن الموضوع أكبر من مجرد هواية».
توسّعت التجربة لاحقًا لتشمل الصحافة المدرسية، حيث لم يكن دوره مقتصرًا على الكتابة، بل على التكوين البصرى الكامل، واصل «الشناوى» حديثه موضحًا: «كنت بقسّم المساحات، وأكتب بخطى، وألوّن، وأعمل ظلّ للخط». هذا الاشتباك المبكر مع الصورة والنص معًا زرع لديه حسًّا تصميميًا سيظهر لاحقًا فى الحُلى، حيث لا تنفصل الفكرة عن الشكل، ولا الجمال عن الوظيفة.
لم يكن دخول كلية التربية الفنية خيارًا أوليًا، لكنه تحوّل إلى مساحة رحبة للتجريب، يكشف «الشناوى»: «كنت نفسى أدخل عمارة أو ديكور، لكن المجموع ما جبش، ودخلت تربية فنية، وبعدها اكتشفت إن ده كان قدرى»، ويوضح أن طبيعة الكلية، بتعدّد تخصصاتها، منحته معرفة واسعة بالخامات الطبيعية والصناعية وبدائلها، وهو ما صقل رؤيته كمهندس ديكور وفنان فى آن.
يشدد «الشناوى» على أن هذا التنوّع المعرفى أسهم فى تكوين شغفه الحقيقى، خصوصًا مع مادة أشغال المعادن، حين تحوّل الخردة إلى قيمة فنية، وقال: «حتة نحاس مرمية مالهاش أى معنى، ممكن تتحوّل بإيدك لقطعة فنية، وهنا حسّيت بالتحدى الحقيقى».
اختيار الحُلىّ لم يكن الطريق الأسهل، بل الأصعب، يصرّح «الشناوى»: «فيه عزوف عن التخصص ده لأنه خطر وصعب، نار، أحماض، مسدسات لهب». لكنه شدد على أن ما جذبه هو اجتماع عناصر عدّة فى هذا الفن: الرسم، النحت، التصميم، والحِرفة. وأضاف: «لازم أبقى رسّام كويس، ونحّات شاطر، ومصمم فاهم، وحِرفى إيده دقيقة، علشان أطلع قطعة تُلبَس وتعيش»، هذا الإدراك العميق قاده لاختيار الدراسات العليا فى الحُليّ، رغم سهولة الاتجاه إلى مسار آخر أكتر انتشارا وربحا. ويسرّ: «فى لحظة حسّيت إنى هتراجع، لأن الموضوع محتاج أدوات وتجهيزات كبيرة، لكن دعم أساتذتى فرق جدًا».
يتوقف «الشناوى» طويلًا عند أثر أساتذته فى مسيرته، موضحًا أن الاحتكاك بفنانين كبار أتاح له قفزات نوعية، وذكر أسماءً تركت أثرًا حاسمًا مثل د. مصطفى الرزاز، د. حامد البذرة، د. أحمد عبدالغنى، مؤكدًا: «كانوا بيشوفوا الشغل ويدّونى دفعة كبيرة». هذا الدعم تُوّج بترشيحه لمعرض الشباب بمكتبة الإسكندرية عام ٢٠٠٨، حيث شارك بخمس عشرة قطعة بيعت قبل الافتتاح. وأضاف بفخر: «دى كانت لحظة مفصلية، ومن بعدها توالت المعارض والاحتكاكات».
العلاقة مع الإسكندرية عموما، ومكتبة الإسكندرية خصوصا، لم تكن عابرة بل تحوّلت إلى شراكة ممتدة، يضيف «الشناوى»: «من أول زيارة حسّيت إنى هرجع المكان ده كتير، وفعلاً بقالى أكتر من ١٥ سنة بتعامل معاهم». ووضح أن التعاون شمل معارض، وورشًا للأطفال والكبار، وتجارب دمج بين الخط العربى والفضة والأحجار، فى محاولة لخلق حوار بصرى بين الماضى والحاضر.
حين يتحدث «الشناوى» الحاصل على الجائزة الأولى فى مهرجان الحلى التراثية والمعاصرة ٢٠١٧ عن الخامات، يتحوّل الحوار إلى درسٍ عملى فى الكيمياء والفن، إذ يشرح: «الفضة بشتريها خام على شكل حبيبات، بتدخل مرحلة صهر، ثم سبك، ثم سحب لحد السمك المطلوب»، ويضيف أن أدواته تنقسم إلى «قطع وطرق»، وأن القطعة تمر بمراحل التصميم، ثم التشكيل، فاللحام بالنار، وأخيرًا التشطيب والتلميع.
ويكشف «الشناوى» عن تقنية خاصة يعتمدها قائلًا: «أنا ما بلحمش لحام تقليدى، بسلّط نار قوية يحصل معها توتر سطحى، وأتعامل مع النار كأنها قلم، والفضة كورقة». هذا التوصيف يلخّص فلسفته فى التعامل مع المعدن ككائن حىّ من لحم ودم، لا كمادة جامدة.
الوقت، فى تجربة «الشناوى»، ليس معيارًا ثابتًا، يوضح: «القطعة ممكن تاخد يوم، وممكن تلاتة، وفى مفاجآت، ممكن مثلا القطعة تطير من إيدى وأنا بلمّعها وتتكسر، فأرجع أبدأ من الأول». هذا الاحتمال الدائم للفشل، أو لإعادة التدوير، جزء أصيل من العملية الإبداعية، ويؤكد رفضه لمنطق خط الإنتاج.
أما عن عمله فى مجال الديكور والإعلام، فيؤكد «الشناوى» عدم وجود تعارض بينهما بل، على العكس، تكامل. وقال: «كلها مجالات فنية بتكمل بعض، والخبرة فى مجال بتضيف للتانى»، غير أن السؤال الأصعب يظل حول قدرة الفن على إعالة صاحبه، ويشدد بصراحة: «فى مصر، الفن صعب يأكل عيش، خصوصًا لو اخترت فن للفن، مش فن تجارى».
أحد أكثر المحاور إشكالية فى حديثه كان علاقة الحُلىّ بالسوق وقاعات العرض، يقول «الشناوى»: «فى عزوف من بعض الجاليريهات الخاصة عن عرض الحُلىّ، لأنه تقيل فى التسويق»، ويضيف أن المشكلة تمتد إلى صعوبة التلقى، حيث لا يدرك كثيرون، حتى من الوسط الفنى، حجم الجهد والتكلفة والمعرفة الكامنة فى قطعة صغيرة تُلبَس، كما يكشف أن الوزن الثقيل والمفاهيم المركبة فى أعماله السابقة صعّبت مهمة التواصل مع الجمهور، ما دفعه مؤخرًا لإعادة التفكير فى الشكل والخامة المستخدمة دون التنازل عن الجوهر.
أما عن تسعير الأعمال، فيشير «الشناوى» إلى صراع دائم مع الجمهور والجاليريهات، موضحًا: «الناس بتشوف قطعة صغيرة وتسأل ليه السعر ده، من غير ما تحسب الخامة، والأدوات، والوقت، والاستدامة». وأكد أن المقارنة مع اللوحات الكبيرة تظل ظالمة، بسبب المجهود الكبير المبذول فى القطعة الواحدة ولابد أن يقدر.
وحول تصميم الحُلىّ الرجالى، يواصل «الشناوى»: «اشتغلت قطع خاصة بيا، لكن المفهوم عندنا لسه بيربط الحُلىّ بالمرأة». وأضاف أن التجربة بدأت تتغير بظهور محال متخصصة فى الإكسسوارات الرجالى، معربًا عن أمله فى اتساع هذا الأفق.
فى ختام حواره مع «المصرى اليوم» عبّر «الشناوى» عن تطلعه إلى مرحلة جديدة، قائلًا: «نفسى إن فن الحلى ياخد حقه بين الفنون الأخرى، وعلى الصعيد الشخصى أتمنى أن أصل لمرحلة كبيرة من النضج الفنى ويبقى فى تنوع فى الخامات اللى بستخدمها»، وكشف عن تجربة بحثه حاليًا على بدائل للفضة على أن تمنحه القيمة الفنية ذاتها، فى مواجهة ارتفاع الأسعار، دون التفريط فى جوهر التجربة.
المصدر:
المصري اليوم