استعرض وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الدكتور عمرو طلعت تفاصيل صفقة إتاحة حيز الطيف الترددي البالغ 410 ميجاهرتز لمشغلي الاتصالات الأربعة في مصر، بقيمة 3.5 مليار دولار، مؤكدًا أن الصفقة تقوم على نهج واضح ومتكامل لإدارة مورد استراتيجي نادر، وفق أسس الشفافية والاستدامة والعدالة، بما يحقق تكافؤ الفرص بين جميع الشركات العاملة في السوق المصري.
وأوضح، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده اليوم، أن إتاحة موارد الطيف الترددي لشركات مشغلي الاتصالات لا تتم كإجراء منفصل أو قرار لحظي، وإنما تأتي في إطار عمل تراكمي ممتد لمدة عامين، يتم بشكل علمي ومنظم، بما يضمن مصلحة المواطن من جهة، واحترام أهداف الشركات العاملة في مصر في تحقيق الأرباح وجذب الاستثمارات من جهة أخرى.
وأشار وزير الاتصالات إلى أن أحد التحديات التي واجهت قطاع الاتصالات في فترات سابقة تمثّل في أن إتاحة الطيف الترددي كانت تتم أحيانًا «صفقة تلو الأخرى»، وهو ما كان يحدّ من قدرة الشركات على وضع خطط استثمارية متكاملة وطويلة الأجل، نتيجة غياب الرؤية الواضحة بشأن توقيتات وحجم الإتاحة المستقبلية، وهو ما انعكس سلبًا على استقرار التخطيط الزمني لاستثمارات الشبكات.
وأضاف أن الشركات كانت دائمًا تتساءل عن موعد الإتاحة التالية، وحجم الطيف الذي سيتم طرحه، وما إذا كانت هناك رؤية واضحة أو إطار زمني مستقر، موضحًا أن الطيف الترددي بطبيعته مورد نادر ومحدود في جميع دول العالم، وتسعى الشركات دائمًا إلى الحصول على المزيد منه لتحسين جودة خدماتها وتعزيز تنافسيتها في السوق، وهو ما كان يخلق لديها حالة من التخوف الدائم في ظل غياب خطة واضحة ومستقرة.
وأكد الوزير أن هذا القرار جاء لمعالجة هذه الإشكالية بشكل جذري، من خلال وضع خطة زمنية واضحة ومعلنة تمتد لخمس سنوات، تتضمن إتاحة الطيف الترددي بأرقام محددة، وجداول زمنية واضحة، وتوقيتات إتاحة معلنة، دون مفاجآت أو قرارات غير متوقعة، وتمتد من الآن وحتى عام 2039، بما يتيح للشركات رؤية مسبقة ومستقرة.
وأوضح أن هذه الخطة تمكّن شركات الاتصالات من بناء خطط استثمارية دقيقة لدعم شبكاتها، وضخ استثمارات مدروسة في السوق المصري خلال الأشهر والسنوات المقبلة، على أساس قابل للتنبؤ والاستدامة، بما ينعكس بشكل مباشر على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وشدد وزير الاتصالات على أن موارد الطيف الترددي تعود في نهاية المطاف إلى الدولة، باعتبارها المالكة لهذا المورد الاستراتيجي، ويتم إتاحته للشركات وفق أطر زمنية وتنظيمية محددة، بما يضمن الحفاظ على حق الدولة وإعادة تنظيم هذا الحق بشكل متوازن ومستدام.
وأشار إلى أن هناك نطاقات ومناطق ترددية مختلفة، ويتم التعامل مع كل نطاق وفق طبيعة مختلفة ونهج مختلف في الإتاحة.
وأوضح أن جميع الأحياز الترددية التي شملتها هذه الصفقة كانت قد جرى بيعها أو إتاحتها في السابق، وأن الأسعار المقومة بالدولار لا يمكن القياس عليها بنفس منطق الإتاحة الحالية، نظرًا لاختلاف التوقيتات والظروف السوقية.
وأضاف أن أحد الطروحات النظرية كان يقضي بتقسيم كل الأحياز الترددية المتاحة إلى أربع حزم متساوية، ثم طرح هذه الحزم لتتنافس عليها الشركات الأربع العاملة في السوق، إلا أن هذا الأسلوب، رغم بساطته الشكلية، لا يُعد الأسلوب الأمثل من زاوية المستخدم أو من زاوية كفاءة الشبكات.
وأوضح الوزير أن السبب في ذلك يرجع إلى أن كل شركة من شركات المحمول الأربع تمتلك بالفعل مزيجًا مختلفًا من الأحياز الترددية، ولديها احتياجات مختلفة من أحياز إضافية، من أجل تكوين ما يُعرف بـ«المصفوفة الترددية» المتكاملة، التي تسهم بشكل أكثر فاعلية في تحسين جودة الخدمة وكفاءة الشبكة.
وأشار إلى أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات دخل في عملية فنية وتنظيمية شديدة التعقيد، اتسمت بالعمق والدقة، من خلال عقد مناقشات فنية موسعة ومطولة مع كل شركة على حدة، لتحديد احتياجاتها الفعلية من الأحياز الترددية، سواء الحالية أو المستقبلية، بما يحقق التوازن دون الإخلال بمبدأ المنافسة العادلة.
وأكد وزير الاتصالات أن الهدف لم يكن خلق وضع تنافسي غير متكافئ بين الشركات أو ترك شركة في موقع أقل كفاءة، وفي الوقت ذاته لم يكن مقبولًا فرض نفس الأحياز على جميع الشركات دون مراعاة اختلاف أوضاعها الفنية وخططها الاستثمارية.
وأضاف أن الأساس في هذا النهج كان طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية لكل شركة، من بينها: ما الذي تحتاجه بالفعل؟ وما الأحياز التي تمتلكها حاليًا؟ وما مستهدفاتك التوسعية؟ وما خطتك المستقبلية للشبكة؟
وأشار إلى أن هذه العملية استغرقت ورش عمل ومناقشات فنية امتدت لما يقرب من عام كامل، بين فرق العمل الفنية بالشركات وزملائهم في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين الكفاءة الفنية، وعدالة المنافسة، واستدامة الاستثمار في قطاع الاتصالات المصري.
وشدد طلعت على أن جوهر صفقة الطيف الترددي الأخيرة لم يكن قائمًا فقط على البعد المالي، بل على توزيع الأحياز الترددية بشكل يتناسب مع احتياجات السوق وخطط الشركات على المدى المتوسط والطويل، بما يحقق الاستدامة الاستثمارية ويعزز كفاءة التشغيل.
وأوضح الوزير أن الجانب المالي كان حاضرًا بقوة، حيث جرى تسعير الصفقة وفق أسس واضحة ومحددة، مع وضع سقوف سعرية لكل حيز ترددي تم طرحه، لافتًا إلى أن الصفقة جرى تسعيرها على أساس نحو 440 دولارًا لكل ميجاهرتز، في إطار بيع حق الانتفاع وليس البيع الدائم للترددات.
وأشار إلى أن هذه الصفقة تُعد صفقة تاريخية، سواء من منظور إدارة الطيف الترددي أو من حيث القيمة الاقتصادية، موضحًا أن قطاع الاتصالات في مصر يشهد نموًا مستمرًا منذ عام 1996، وأن ما تم إتاحته من أطياف ترددية خلال هذه الفترة يعكس تطورًا متدرجًا في صناعة المحمول.
وأضاف أن الصفقة الحالية أتاحت ما يقرب من 410 إلى 412 ميجاهرتز من الطيف الترددي، وهو حجم غير مسبوق، مشيرًا إلى أن ما تم تحقيقه يعادل أو يفوق ما تحقق خلال سنوات طويلة سابقة، وهو ما يمثل مؤشرًا رقميًا واضحًا على أهميتها.
وأوضح الوزير أن أهمية الصفقة لا تكمن فقط في قيمتها الدولارية الضخمة، بل في كونها شهادة ثقة دولية في قدرة قطاع الاتصالات المصري على جذب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل، مؤكدًا أن القطاع يتمتع بالاستقرار، والحوكمة الفعالة، والقدرة على بناء شراكات مستدامة مع المستثمرين.
ولفت إلى أن شركات الاتصالات، سواء العالمية أو المحلية، تتعامل مع قرارات الاستثمار بمنطق اقتصادي بحت، وتختار الأسواق التي تحقق لها أفضل عائد، مؤكدًا أن اختيار الاستثمار في مصر مقارنة بدول أخرى يمثل شهادة بالغة الأهمية على تنافسية السوق المصري.
وأكد أن العمل لا يتوقف عند توقيع الصفقة، بل يستمر من خلال ورش عمل فنية وتنسيق مستمر مع الشركات لوضع خطط استخدام الترددات الجديدة وتعظيم الاستفادة منها خلال الفترة المقبلة، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمستخدمين.
وأوضح أن هذه الخطوة تمثل ركيزة أساسية لدعم نشر خدمات الجيل الخامس (5G)، مشيرًا إلى أن الشركات لم يكن بمقدورها تحقيق معدلات التوسع المستهدفة دون إتاحة سعات ترددية كافية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الأجهزة الداعمة للجيل الخامس وارتفاع أعداد المشتركين.
وأضاف أن وتيرة نشر الجيل الخامس تسير بمعدلات أسرع من المتوقع منذ توقيع الاتفاقات في مايو 2025، مؤكدًا أن ما تحقق اليوم هو نتاج عامين من العمل المتواصل القائم على الثقة، والتخطيط العلمي، واحترام أولويات الدولة وأهداف الشركات في آنٍ واحد.
وأكد طلعت أن التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص هو الأساس لتحقيق أهداف المنظومة ككل، بما يضمن تطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم التحول الرقمي، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للاتصالات والتكنولوجيا.
المصدر:
الشروق