آخر الأخبار

«الميديا» ولعبة الترشيحات الحكومية.. البحث عن نقطة توازن بين حق الصحافة في التوقع واحترام المعايير المهنية (ملف خاص)

شارك

فى كل مرة يقترب فيها الحديث عن تعديل وزارى فى مصر، سواء بمناسبة وجود برلمان جديد، أو لأى سبب آخر، تتحول الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعى إلى ما يشبه غرفة تكهنات مفتوحة، تتدافع فيها الأسماء والتوقعات بمهنية أحيانًا أو بلا ضوابط ولا رابط أحيانًا أخرى.

ونرى وزراء محتملين يظهرون فجأة على السطح، بعضهم يُقدَّم بوصفه خياراً شبه محسوم، قبل أن يتبين لاحقاً أن الترشيح لم يتجاوز كونه اجتهاداً فردياً أو تسريباً غير دقيق، أو معلومة خاطئة، أو ربما غير نزيهة، كما نرى أيضا شخصيات بعينها اعتادت أن تضع بصمتها فى هذا المضمار، مع استخدام توقعات فضفاضة، ومفتوحة على عدة احتمالات، حتى إذا لم تتحقق، كانت هناك مساحة للتنصل أو ادعاء أن الجمهور لم يقرأ التوقع بشكل صحيح.

وهناك من يوهم بأنه فى قلب المطبخ أو هو المطبخ نفسه ثم يظهر لاحقا أن كل هذا أو معظمه دخان فى الهواء، بتعبير الراحل جلال الحمامصى.

وفى هذا التحقيق، يبحث «المصرى اليوم» خلفيات هذه الظاهرة، وتداعياتها وآثارها ومدى ما تحققه من منافع سياسية أو مهنية، أو ما تحدثه من إرباك للرأى العام، أو تلحقه من أضرار مباشرة بسمعة أشخاص.

ويضع تقصى تاريخ التوقعات، الإعلام، أمام اختبار مهنى صعب، فهو بين حق له وواجب عليه فى نشر المعلومات المؤثرة مع التحرى والتدقيق، وبين مخاوف الانزلاق إلى الأخطاء المهنية الجسيمة وإعادة إنتاج الشائعة وتكريسها كخبر.

على مدار سنوات كان ترشيح هذا أو ذاك ممارسة مغرية، ولها درجة قرائية عالية، غير أن مجىء التشكيل مغايرا جدا أو إلى حد بعيد عن الأسماء التى تم ترشيحها يضع الميديا فى موقف حرج، ولعل أكثر المواقف مدعاة للسخرية كان ترشيح شخصية لمنصب رئيس الوزراء «ا. ج» ليتم بعد وقت اكتشاف أنها متوفاة، وقد كشف صاحب المعلومة أن الموضوع برمته كان «مقلبا» وليس أكثر.

ووفقًا لبحث موسوعة الوزارات فى مصر، الصادر منذ أيام، يتصدر عدد من الوزراء السابقين قائمة الأكثر استمرارًا فى مناصبهم داخل الحكومات المصرية، فى دلالة على فترات نفوذ طويلة داخل مواقع تنفيذية مؤثرة.

ويأتى فى الصدارة الدكتور يوسف أمين والى، الذى شغل حقيبة الزراعة واستصلاح الأراضى لمدة بلغت ٣٢٣٩ يومًا، ليكون الأطول بقاءً فى منصبه، يليه المشير محمد حسين طنطاوى، وزير الدفاع والإنتاج الحربى الأسبق، الذى استمر فى موقعه ٢١٢٢ يومًا، ويضم الترتيب أيضًا سليمان متولى سليمان، الذى تولى وزارة النقل لمدة ١٩٥٦ يومًا، ثم الدكتور مصيلحى، وزير التضامن الاجتماعى، الذى استمر ١٩٥٣ يومًا.

وشملت القائمة محمد ماهر أباظة، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، لمدة ١٩٤٦ يومًا، إلى جانب فاروق عبد العزيز حسنى، وزير الثقافة الأسبق، الذى شغل منصبه لمدة ١٧٣٧ يومًا، وتعكس هذه الأرقام طبيعة الاستقرار النسبى فى بعض الحقائب الوزارية خلال فترات بعينها، مقابل التغيير السريع فى وزارات أخرى.

وبمناسبة المدد، فبعض هؤلاء الوزراء كما قال مراقبون، تم توقع تغييرهم فى أكثر من تشكيل ومع ذلك استمروا لعدة سنوات ضمن أكثر من تشكيل وزارى دون تغيير، ومن جهة أخرى، يلفت متابعون إلى أن الصحافة تتوقف عند توقع أسماء مرشحين فقط ونادرًا ما تقترب من نقطة مهمة أيضا فى التشكيلات وهى التغيير فى اسم الوزارة أو دمج هذه الوزارة أو تلك أو إلغاء هذه الوزارة أو تلك على الرغم من أن مثل هذه العمليات تكررت كثيرًا فى مسار التشكيلات الوزارية المصرية.

الصحافة وتغير الهياكل ومسميات الوزارات

وبحسب الموسوعة فإن وزارة المالية تغير اسمها ٨ مرات، ووزارة التموين والتجارة الداخلية تغير مسماها ١٥ مرة، ووزارة الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسى تغير مسماها ١٠ مرات ووزارة التخطيط والتنمية والاقتصادية والتعاون الدولى تغير مسماها ٢١ مرة.

ومن البحث المتشعب فى أرشيف الصحف وجدنا تفاوتا كبيرا بين المراحل المختلفة فى مصر فيما يخص حرية الصحافة وقوة أو هشاشة التوقعات، ولهذا نبدأ التحقيق من بحث ظهر منذ أيام، فقد كشف الباحث المتخصص والخبير فى شؤون الدولة وتطوراتها، عبد الرحمن محمد عبد الرحيم، فى بحث له عن مسار التشكيلات الوزارية فى مصر منذ ثورة يوليو ١٩٥٢ حتى نهاية ٢٠٢٢، ومع حسابات المحررين تم إكمال المدة حتى نهاية ٢٠٢٥، أنه وبعد مراجعة شاملة للتشكيلات والتغييرات الوزارية من زوايا مختلفة، نجد صعوبة وضع نسق يمكن الاعتماد عليه للتنبؤ بالتحولات القادمة، نظرًا لكثرة التحولات والتغيرات التى شهدتها الحكومات على مدار هذه الفترة.

ويشير البحث إلى أن أكبر تشكيل وزارى من حيث عدد نواب رئيس الوزراء صدر فى ٢٥ مارس ١٩٦٤، وبلغ عدد نوابه ١١ نائبًا، بينما كان أول تعيين لنائب وزير فى ٢٥ فبراير ١٩٥٤ خلال مجلس قيادة الثورة، كما تم إنشاء أول وزارة تختص بشؤون رئاسة الجمهورية فى ٨ مارس ١٩٥٤، فيما كانت الدكتورة حكمت أبو زيد أول سيدة تتولى منصب وزير بتاريخ ٢٩ سبتمبر ١٩٦٢.

وأوضح أنه ما أكثر الوزارات التى جاءت لظرف معين ثم اندثرت، مثل وزارة السد العالى، أو وزارة بورسعيد قديما، أو وزارة الهجرة والمصريين بالخارج حديثا، فأين التوقعات من كل ذلك؟.

وبحسب الرصد والحساب، بلغ عدد التشكيلات الوزارية منذ ١٩٥٢ وحتى نهاية ٢٠٢٥، ٥١ تشكيلا، ويشير الرصد إلى أن التركيز ينصب على التشكيلات الكاملة وليس على التعديلات الجزئية داخل الحكومة.

أما من حيث توزيع التشكيلات عبر العصور، فحسب كتاب أخير لذات الباحث فقد شهدت فترة الرئيس أنور السادات أكبر عدد من التشكيلات بواقع ١٦ تشكيلًا، مقابل ١١ تشكيلًا خلال عهد الرئيسين جمال عبد الناصر وحسنى مبارك، وسجل أقل عدد للوزارات ١٥ وزيرا فى سبتمبر ١٩٥٢، فيما وصل أكبر عدد من الوزارات إلى ٣٧ وزارة فى أيام الوحدة مع سوريا، وهو الرقم الذى لم يتكرر إلا مرة واحدة فى عهد السادات فى تشكيل سبتمبر ١٩٧٤.

وبخصوص رئاسة مجلس الوزراء، تولى المنصب ٣١ مسؤولًا، وكان أكبر عدد فى عهد الرئيس مبارك بواقع ٩ رؤساء، أما عن مشاركة النساء فى الحقائب الوزارية، فقد بلغ عددهن ٤٧، منهن ٣٥ وزيرة حتى نهاية ٢٠٢٥، فيما شغلت ١٢ امرأة منصب نائب وزير، والنائبات كلهن فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى.

وقال خبير آخر سبق له العمل فى الأوساط الأمنية، لـ«المصرى اليوم»، إنه لاحظ أن وسائل الإعلام غالبًا ما تخلط بين معايير الترشيح للمنصب العام ومعايير الاختيار الفعلية، على الرغم من اختلافهما، وهذا الخلط يؤدى إلى بناء توقعات قد تضر بالمرشحين الذين يتم ذكر أسمائهم، لأن قاعدة الترشيح عادة ما تكون واسعة، وبالتالى احتمال تولى أى مرشح حقيبة وزارية معينة ضعيف من الأصل.

وأضاف أن عدم تحقق التوقعات غالبًا ما يُفسر بشكل خاطئ، فيقال إن المرشح تم تجاوزه أو استبعاده أو أنه لا يصلح، وهو ما يسىء إليه مجانا، ويقلل من مكانته فى الأوساط الاجتماعية التى ينشط فيها، كما أن بعض المرشحين قد يعتذرون عن قبول المنصب إذا علموا بترشيحهم، ما يزيد من تعقيد العملية.

الاختيارات والنظام الرئاسى

وأشار الخبير إلى أن الاختيارات فى الأنظمة البرلمانية تختلف، فهى لا تحتاج إلى توقعات أو تخمينات، لأن كوادر كل حزب معروفة، ويسهل التنبؤ بمن سيتولى الحقائب الوزارية إذا فاز الحزب بوجود برلمانى مؤثر، أما فى الأنظمة الرئاسية، فالأمر أكثر تعقيدًا، إذ تخضع الاختيارات لعوامل مركبة، أهمها ما يسميه الخبير على سبيل التقريب- المظروف الفنى- (كفاءة المرشح) والمظروف المالى (نزاهته وسلامة سيرته)، بالإضافة إلى عوامل أخرى تفرضها طبيعة المرحلة أو معلومات مؤثرة لكنها غير معلنة للرأى العام، مثل حالة الزواج بأجنبية، أو الظروف السياسية الطارئة للمرشح.

وأكد أنه من المهم أن تكون التوقعات مبنية على معلومة موثوقة وأساس واضح، أو على افتراضات منطقية على الأقل، وأن تكون مجردة، أى لا تهدف لخدمة شخص أو الإضرار بآخر.

واقترح أن تضع الصحف معايير واضحة لاختيار الشخصيات الحكومية بما يتناسب مع المرحلة الحالية، وما فيها من التحديات والفرص المتاحة، بحيث تشكل هذه المعايير ضغطًا موضوعيًا على من يختار، وتضع أساسًا للمساءلة المجتمعية عن اختيارات المسؤولين ومدى ملائمتهم لمهام المرحلة.

وقال متخصص فى شؤون الجهاز الحكومى وتطورات الحياة النيابية، طالبًا عدم ذكر اسمه، إن تشكيل حكومة أحمد نظيف الأولى فى ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٤ كان مفاجأة للجميع، إذ كانت هذه المرة الأولى التى يتولى فيها رجل من مجال تكنولوجيا المعلومات رئاسة الحكومة.

وأضاف أن الشخص الوحيد الذى توقع هذا التعيين قبل أسبوع من الإعلان كان إبراهيم نافع، رئيس مجلس إدارة وتحرير صحيفة الأهرام، الذى كشف لاحقًا أن الرئيس هو من أطلعه على هذا التوجه.

وأوضح أنه لم يتوقع أحد أن تأتى وزارة شؤون المجالس النيابية باسمها الحالى تحت قيادة المستشار محمود فوزى، كما لم يتوقع دمج وزارة الهجرة فى وزارة الخارجية أو ضم التجارة إلى الاستثمار، أو إعادة وزارة التعاون الدولى إلى التخطيط، وكذلك، لم يتوقع أحد إلغاء وزارة الاقتصاد فى حكومتى أحمد نظيف الأولى والثانية.

وأشار إلى أن بعض التعيينات كانت أقرب إلى مطالب شعبية منها إلى توقعات سياسية أو صحفية، كما حدث مع تولى أحمد شفيق رئاسة الحكومة لفترة قصيرة خلال أحداث يناير ٢٠١١، على الرغم من معارضة أطراف مختلفة معروفة ومؤثرة، لهذا التوجه.

ولفت إلى أن الصحافة تميل فى بعض الأحيان إلى تكرار ما تمت كتابته والنقل عن بعضها البعض، ما يؤدى إلى موجة من التوقعات غير الدقيقة حول من سيشغل المناصب الوزارية أو رئاسة الحكومة، دون التحقق من خلفيات المرشحين. ولم يتوقع أحد، على سبيل المثال، تولى الدكتور مصطفى مدبولى رئاسة الحكومة خلفًا لشريف إسماعيل، كما لم يكن أحد يتوقع أن يشغل شريف إسماعيل نفسه منصب رئيس الحكومة بعد أن كان وزيرًا للبترول، أو أن يكون كريم بدوى وزيرًا للبترول فى حكومة مدبولى الحالية.

ونوه بأن التوقعات المتكررة خلال الفترة بين ٢٠١٥ و٢٠١٩ حول تولى محمود محيى الدين رئاسة الحكومة كانت بعيدة جدًا عن الواقع، مشددًا على ضرورة أن تتعمق وسائل الإعلام فى مطابخ القرار وقبادات الخطوط الخلفية بالوزارات والهيئات والقطاع الخاص الذى بات مصدرًا للعديد من القيادات، وأن تتبع منهجية دقيقة فى ترشيحاتها، مع إدراك القاعدة التاريخية فى مصر: لا أحد يعرف من سيأتى، ولا أحد يعرف سبب ذهاب من ذهب.

وكشف عن أن هناك خلفيات غير معلنة حول من لم يُعيّنوا، تظهر لاحقًا، مثل ما حدث فى حكومة الدكتور كمال الجنزورى عام ١٩٩٦، عندما أراد الجنزورى إبعاد فاروق حسنى ويوسف بطرس غالى عن حكومته، لكن الرئيس مبارك رفض، ولم يُكشف أبدًا عن المرشحين البدلاء، كما يلفت إلى تأثير الأحداث المفاجئة على التعيينات، مثل حادثة الأمن المركزى عام ١٩٨٦ التى أدت إلى إقالة الوزير أحمد رشدى، أو حادث الأقصر عام ١٩٩٧ الذى دفع الرئيس مبارك إلى وصف التقصير الأمنى بـ«التهريج»، ورفض أن يستقل وزير الداخلية حسن الألفى الطائرة الرئاسية للعودة إلى القاهرة، غضبا مما جرى، وتعيين حبيب العادلى وزيرًا بدلاً منه.

ومن المعلوم أن أحداثًا وزارية لا تتكشف خلفياتها إلا بعد سنين، مثل تعيين الدكتور عاطف صدقى رئيسًا للحكومة عام ١٩٨٦، الذى جاء فى ذاك الوقت صدفة بعد أن كان الرئيس مبارك يفكر فى تعيين كمال الجنزورى، وقد اقترح الدكتور رفعت المحجوب، رئيس البرلمان وقتها، اسم صدقى قائلاً إنه «رجل من جهاز المحاسبات، ولديه فكرة جيدة عن إدارة الحكومة»، ولم يكشف المحجوب لزملائه عن الواقعة إلا بعد وقت، ما يفسر الانتقادات التى وجهها الجنزورى لاحقًا لصدقى فى مذكراته «طريقى».

مناقشة السياسات لا الشخصيات

من جهته، قال رئيس حزب التجمع السيد عبدالعال، إن التكهنات الإعلامية حول الأسماء، كثيرًا منها يفتقد الأساس الموضوعى، وبعض الإعلاميين يروّجون لأصدقاء لهم أو يصدرون توقعات بناءً على رؤيتهم الشخصية.

وأضاف أن اختيار الوزراء مسألة معقدة جدًا وتمر بعدة مراحل، وتشارك فيها جهات متعددة، وهناك من يقدم اقتراحات، ومن يعرض نفسه باعتباره قادرًا على تقديم حلول للمشكلات الاقتصادية، وكل ذلك يخلق موسمًا لترديد الأسماء بهدف لفت انتباه صانعى القرار.

وأكد ضرورة توجيه الاهتمام الإعلامى والسياسى نحو السياسات والقرارات الجوهرية بدلاً من الانشغال بتوقع الأسماء، والحوار حول السياسات من شأنه أن يخرج إلى العلن تعقيدات عملية الاختيار فى مصر ويبرز أهمية التحليل الموضوعى فى تناول أخبار الحكومة والتشكيلات الوزارية.

وأشار إلى أن التركيز يجب أن يكون على السياسات الحكومية أكثر من الأسماء، فيجب عدم التركيز على الأسماء التى لن نتوقعها بدقة ولا حتى السياسات بدقة، لأننا لا نعرف نوع التغيير أو محتواه إذا حدث فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك، الموضوع لا يرقى للاهتمام إلا بعد إعلان التشكيل رسميًا.

وقالت الدكتورة سارة فوزى، مدرس الإعلام الرقمى والذكاء الاصطناعى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن السلطة السياسية تلجأ أحياناً إلى استخدام الصحف ووسائل الإعلام كأداة لجس نبض الرأى العام تجاه اختيارات محتملة لمرشحى المناصب الوزارية، وهو أمر معمول به فى مختلف دول العالم لقياس ردود الفعل العامة قبل اتخاذ القرار النهائى، غير أن الإشكالية الحقيقية تتمثل فى ما تشهده الساحة الإعلامية حالياً من تداول تكهنات يطلقها أشخاص عاديون لا تربطهم أى صلة بالسلطة أو بعملية صنع القرار، لتقوم بعض الصحف ووسائل الإعلام بنقل هذه التكهنات كما لو كانت ذات قيمة سياسية.

وأوضحت أن هذا النمط من التناول يؤدى إلى سلسلة من النتائج السلبية، تبدأ بنشر الشائعات، ولا تنتهى بحرق أسماء ووجوه عامة، وصولاً إلى ما يعرف باغتيال الشخصية السياسية، حيث تُبنى صورة ذهنية سلبية أو إيجابية مبالغ فيها عن أشخاص بعينهم دون أى أساس موضوعى.

وأكدت أن نقل الترشيحات أو الأسماء عن مصادر مجهولة أو صفحات بلا ثقل سياسى أو تمثيل حقيقى يُعد ممارسة مهنية خاطئة، ما لم يكن ذلك فى إطار واضح لجس النبض وبمعلومات تمرر بشكل غير مباشر من دوائر السلطة.

وشددت على أن الدور الحقيقى للإعلام لا يقتصر على نقل التكهنات، بل يمكن أن يكون أكثر فاعلية وتأثيراً عبر البحث عن شخصيات كفؤة وذات سمعة طيبة، وإبرازها للرأى العام من خلال وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وفتح نقاش مجتمعى حولها لقياس القبول الشعبى. واعتبرت أن الإعلام يمكن أن يتحول فى هذه الحالة إلى حلقة وصل حقيقية بين الرأى العام والسلطة، من خلال إظهار الشخصيات التى تحظى بتوافق مجتمعى، أو تلك التى قد تثير تحفظات فى حال توليها مناصب بعينها.

وأضافت أن من الأدوات المهمة أيضاً تنظيم ندوات أو لقاءات مباشرة داخل المؤسسات الإعلامية، وفتح نقاشات عامة حول أفضل الكفاءات لتولى المناصب السياسية، إلى جانب إجراء استطلاعات رأى لقياس تفضيلات الشارع المصرى تجاه المرشحين للحقائب الوزارية المختلفة.

وأشارت إلى أن مثل هذه الممارسات من شأنها تقليص الفجوة بين السلطة والرأى العام، وتعزيز دور الإعلام كجسر تواصل حقيقى يعكس نبض الشارع ويسهم فى ترشيد عملية الاختيار السياسى.

موسم المعلومات الزائفة

قال عبداللطيف وهبة، الصحفى المتخصص فى شؤون مجلس الوزراء، إنه لا يفضل الانخراط الإعلامى فى ملف التوقعات الوزارية والذى يتصادف عموما مع انعقاد مجلس النواب أو فى المواعيد المتعارف عليها خاصة مع وقوع وسائل الإعلام سابقا عدة مرات فى أزمة التزييف الإعلامى أو الأخبار غير الصحيحة.

وأضاف «وهبة» أن البعض يستحل فكرة الظهور فى هذا الملف مع كل موعد تغيير وزارى، ومعروفين بالنسبة للإعلام والصحافة، مشيرًا إلى أن أغلبهم لا يتحلى بالحصافة الكافية فى هذا المجال، مشيرًا إلى أنه أحيانا يكون الترشيحات مرتبطة بالمجاملات أو الصداقات أو عمل البعض على رفع أسهمهم أو طرح اسمهم فى الرأى العام.

وأشار إلى أن هناك أمورا تتطلب منتهى الحكمة فى تناولها مثل ترشيحات لبعض الوزارات الحساسة، علما بأنه لا يمكن التنبؤ أساسا لسبب أن نظامنا السياسى رئاسى، ورغم الزلات المهنية فإن من حق الصحافة نشر أى معلومات مدققة وفى أى شأن بما فى ذلك توقع تغييرات وزارية أو غير وزارية، هو حق أصيل للصحفيين ولا جدال فيه، وهناك زملاء لهم خبطات كبيرة فى هذا المجال، تخص توقع رئيس حكومة أو محافظ للبنك المركزى وغيرهم من المناصب.

وقال الكاتب وأستاذ العلوم السياسية الدكتور عمار على حسن، إن تناول الصحافة لملف التوقعات والتكهنات المتعلقة بالتعديلات الوزارية يفرض على الصحفيين قدراً عالياً من الحرفية، خاصة فى ظل القوانين والممارسات التى تقيّد حرية التعبير.

وبحسب «عمار» يختلف التناول الصحفى لموضوع التوقعات للتعديلات الوزارية باختلاف النظم السياسية، فعلى سبيل المثال قدم التاريخ الصحفى فى النظم الشمولية نماذج مهنية للتحايل المشروع، تتيح نقل المعلومات دون الوقوع تحت طائلة القانون، من بينها الاعتماد على مصادر مطلعة أو مقربة مع الحفاظ على سريتها، وهو حق يكفله العرف والقانون الصحفى، أو اللجوء إلى صيغ لغوية مثل يتردد أو تشير التقديرات أو من المرجح، وهى عبارات تسمح بنقل ما هو متداول على نطاق واسع دون الجزم أو النسب المباشر.

وأضاف، لـ«المصرى اليوم»، أن من بين الأدوات المهنية المتاحة أيضاً تحويل المعلومات إلى تحليلات غير منسوبة، يكتبها صحفيون متخصصون فى ملفات بعينها، بحيث تُقدَّم فى إطار قراءة سياسية عامة لا بوصفها معلومات مسرّبة.

وأشار إلى دور مقالات الرأى كمساحة أكثر حماية، إذ يمكن للصحف تكليف كتابها بطرح تصوراتهم حول أداء الحكومة أو احتمالات التغيير، وهو ما يسمح بتسريب قراءات وخبرات متراكمة داخل النصوص، بعيداً عن الصدام المباشر مع قيود النشر.

وفيما يخص تعاطيه الشخصى مع ما يُنشر من توقعات على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى، شدد على أن ليس كل ما يُتداول دقيقاً، وإن كان بعضه قد يقترب من الحقيقة.

ولفت إلى أن الشكل النهائى لأى تعديل وزارى تحكمه عوامل متعددة، قد تُحسم فى اللحظات الأخيرة، ما يجعل الانتظار أمرا ضروريا، ومع ذلك، يرى أن قراءة السياق العام للنظام السياسى تتيح قدرا من التوقع، فإذا كان النظام يمر بأزمة أو عجز فى مواجهة مشكلات كبرى، يصبح التعديل الواسع أمراً مرجحاً لامتصاص هذه الأزمات.

وأوضح أن طبيعة النظام نفسه تعد عاملاً حاسماً فى تقدير حجم التغيير، مشيراً إلى أن بعض القادة يميلون إلى التغيير المحدود والمتأنى، بينما يفضل آخرون التغيير الواسع والمتكرر، وهو ما يجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند إطلاق أى تكهنات.

ونوه بأن وفرة أو ندرة الكوادر الملائمة سواء فى البيروقراطية العليا أو الأحزاب أو الدوائر المحيطة بالقيادة أو المؤسسات السيادية، تؤثر بدورها فى حجم وسرعة التعديل الوزارى، كما أن بعض التغييرات قد تأتى إدراكا لقدرة هذا الشخص أو ذاك فى عملية التفاعل مع المؤسسات الدولية المانحة للقروض والمنح، التى يتطلب التعامل معها خبرات بعينها.

واعتبر أن فهم هذه العوامل مجتمعة يتيح للصحافة تقديم توقعات أكثر مهنية واتزاناً، دون الوقوع فى فخ الشائعات أو الاصطدام بقيود النشر.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا