كتب: محمود الجارحي وهبة هشام
لم تبدأ جريمة أطفال قرية الراهب بالصراخ، بل بالصمت، صمت بيت مهجور، وصمت قرية انتظرت عودة أطفالها ولم يعودوا، وبين أول خطوة لمحقق النيابة داخل مسرح الجريمة، وآخر اعتراف أدلى به المتهم، تكشفت واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها المنوفية، في واقعة أحيلت فيها الأوراق إلى مفتي الجمهورية، بعد محاكمة سريعة اقترب معها حبل المشنقة من عنق الجاني.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة عصرًا، حين توقفت سيارة النيابة أمام منزل مهجور بقرية الراهب التابعة لمركز شبين الكوم، ترجل المحقق بخطوات حذرة، يرافقه فريق المعمل الجنائي، وبدأ المعاينة الخارجية للمكان جدران طينية متشققة، وسقف خشبي متهالك، وباب مفتوح على مصراعيه، كأن المكان كان ينتظر ما سيُكشف داخله.
ما إن دخل المحقق الغرفة الرئيسية، حتى وقعت عيناه على أجساد ثلاثة أطفال بلا حراك، طفلان معلّقان داخل المكان بواسطة قطع قماش، والطفلة الثالثة مسجاة على الأرض، سجّل المحقق ملاحظاته الأولية: «آثار خنق واضحة حول أعناق الضحايا الثلاثة، ولا توجد إصابات ظاهرة أخرى. في لحظة صمت ثقيل، تحولت المعاينة إلى شهادة دامغة على جريمة قتل عمد مكتملة الأركان».
انتقل المحقق لاحقًا إلى مقر تفريغ كاميرات المراقبة، جلس أمام الشاشة يتابع التسجيلات دقيقة بدقيقة، حتى توقف عند مشهد حاسم، الأطفال الثلاثة يسيرون بصحبة شاب في العشرينات من عمره، يقود دراجة هوائية، ويتحرك بثبات، وكأن الطريق مألوف له. أعيد المقطع أكثر من مرة، وحدد التوقيت بدقة، ثم جرى استخراج الصور الثابتة.
عُرضت الصور على أهالي القرية والجيران، ولم تمر دقائق حتى تعرّف الجميع على الشاب الظاهر في التسجيلات، مؤكدين أنه شخص معروف ولم يثر الشك من قبل، في الوقت ذاته، كثّفت مباحث مركز شبين الكوم تحرياتها، لتكشف عن وجود خلافات سابقة بين المتهم ووالد طفلين من الضحايا، تعود إلى معاملات مالية متراكمة، ما رجّح وجود دافع انتقامي وراء الجريمة.
داخل غرفة التحقيق، جلس المتهم قبالة المحقق، نفس الشاب الذي ظهر في الكاميرات، لكن بلا دراجة ولا أطفال. سُئل مباشرة: «إنت الشاب اللي ظهر مع الأطفال في الفيديو؟»
تردد قليلًا، ثم أجاب: «أيوه»، واجهه المحقق بالتسجيلات وتوقيتاتها، قبل أن يطرح السؤال الأثقل: «إيه اللي يخليك تقتل 3 أطفال؟»، خفض المتهم رأسه، وقال: «كنت عايز أوجع أبوهم».
اعترف المتهم تفصيليًا باستدراج الأطفال مستخدمًا الحلوى، مستغلًا معرفته السابقة بهم وثقتهم فيه، ثم اصطحبهم إلى المنزل المهجور، وأقر بأنه خنقهم واحدًا تلو الآخر باستخدام قطعة قماش، بدافع الانتقام على خلفية خلافات مالية، مؤكّدًا تطابق أقواله مع توقيتات الكاميرات وأقوال الشهود.
اصطحبت النيابة المتهم إلى مسرح الجريمة، حيث أعاد تمثيل الواقعة كاملة، منذ لحظة استدراج الأطفال، وحتى كيفية الاعتداء عليهم ومكان ترك الجثامين، تم توثيق التمثيل بالصوت والصورة، لتكتمل الأدلة الفنية والقولية، وتُغلق دائرة الاتهام بلا ثغرات.
بين منزل مهجور تحوّل إلى مسرح قتل، وكاميرات وثّقت الطريق إلى الجريمة، وتحريات كشفت الدافع، واعترافات أغلقت باب الإنكار، وصلت القضية إلى محطتها الأخيرة.
محكمة جنايات شبين الكوم قررت إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية، في واحدة من أسرع المحاكمات، بينما تنتظر قرية الراهب كلمة العدالة الأخيرة، كلمة قد تُعيد بعض السكينة إلى قلوب فقدت أبناءها، لكنها لن تمحو جريمة ستبقى محفورة في الذاكرة
المصدر:
الوطن